مقالات

بمناسبة الذكرى الخامسة لاحتلال بغداد (1)

خمس سنين من الهزات والمراجعات

5247

في الذكرى الخامسة لاحتلال بغداد، قيل – ويقال – الكثير. إنها بغداد……..! نعم! إنها بغداد..!

بوارقُها هذي وهذي رعودُها وتلكَ سرايا عزِّها وبنودُها

لكنني أود استقبال الذكرى بطريقة مغايرة، تعتمد العقل والنظرة الفاحصة، ليس بعيداً عن المشاعر اللاهبة، والعواطف المتأججة؛ وهل يمكن لأحد أن يفصل بين قلبه وفكره عند الحديث عن احتلال بغداد……..؟!

بيد أنني أريد أن ألتقط من بين ركام الأسى، ودخان المأساة جواهر ولقىً أحاول أن أجعل منها منارات، ترسم معالم بارزة في طريق (القضية).

إذا كنت كتبت قبل ثلاثة أسابيع بمناسبة ذكرى الغزو الأمريكي – الإيراني للعراق أصف السنين التي مرت بأنها (خمس سنين من الخسائر والفضائح)، فإنني اليوم، وبمناسبة ذكرى يوم احتلال بغداد الرشيد أصف تلك السنين بأنها (خمس سنين من الهزات والمراجعات)!

نعم! لقد كانت هزات متوالية عنيفة، أثارت إلى السطح كثيراً مما كان راكداً في القعر من رواسب وتحجرات، ووجهت سهام الشك إلى بعض الثوابت والمسلمات، التي تبين لنا أن ثباتها لم يكن أكثر من تحجر وجمود، لا بد من تليينه أو كسره – حين يقتضى الأمر – إذا أردنا الانطلاق. وهكذا كانت المراجعات.

ولولا الهزات ما كانت المراجعات.

وأي هزة أكبر وأقوى وأشد من أن يرى المرء بلده يحتله أعدى أعدائه، يهينونه، ويذلونه، ويتحكمون في مصيره وشؤونه!!! وفي الوقت نفسه كانت فرصة لأن يظهر (أصحاب المبادئ) كما هم تحت الشمس، بعد أن كانوا يتوارون في كهوف الخوف، ويتخفون في أردية التقية. فأي مراجعات هي إذن؟!!!

أرجو من القارئ أن لا يستعجل بالنقد أو اللوم إذا وجد – كما يظن – شيئاً من الميل في هذه المراجعات؛ إن الهزة عنيفة.. عنيفة يا صاحبي! وحتى تقدر الأمر بعض قدره أقترح عليك أن تصحبني في جولة سريعة بين سطور كتبتها على عجل في بعض تلك الأيام. ألست بصاحبي؟

بين الحزن والكآبة

في يوم (26/6/2003) كتبت في دفتر مذكراتي تحت هذا العنوان أقول:

(عندما احتلت بغداد خيم علينا الحزن، واجتاحنا الخوف، والشعور بالضياع. و.. وبكينا.. ولا زلنا نبكي.. عاصمة الخلافة والمجد الغابر. لكن الحزن يمكن أن يخفف بجلسة مع أحباب، أو سياحة مع كتاب. ويمكن أن تسمع معه طرفة فتضحك لها، أو تذهب في نزهة فتنسى – ولو برهة – بعضا من أحزانك. أما حزننا هذا فشيء آخر.. آخر تماماً!

كنت في البداية – والصدمة في أولها، والجرح لا زال في حرارته – أقول: إن ما حدث بقدر، والإنسان مسؤول عن القيام بالأسباب الممكنة، ثم يكل من بعد الأمور إلى مدبرها. فليكن شاغلنا العمل بالتكليف وهذا هو المطلوب منا، حتى لا نستهلك طاقتنا بما لا ينفع، وحتى لا نيأس، والله تعالى يقول: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6). وأنست فترة تقارب الشهر بهذه الفكرة – وهي عقيدة لا شك فيها – فكنت أتحرك وأذهب وأجيء، وأتفاعل مع الأحداث، وأسجل محاضرات، وأقرأ كتباً جادة.

لم أكن أدري أن الحزن كان يترسخ شيئاً فشيئاً، ويغور في أعماق النفس، ويمتد بجذوره بعيداً بعيداً، ويشتبك مع عروق الحشا، ونياط الفؤاد. فإذا هو بعد حين يتحول إلى.. كآبة. كآبة نغصت عليّ حياتي، طعامي، شرابي، قراءتي، علاقتي بأهلي. حتى صرت أهرب من نفسي..! نعم! فإن أي لحظة أخلو فيها بها، أو أنصرف إليها تتكاثف عليّ فيها الهموم فكأنها شيء ثقيل يحط على قلبي، أحس به حقيقة، وأجد أثره كأنه كية مكواة تتصاعد حرارتها، فأفزع من نفسي إلى أي شيء يلهيني عنها؛ وصرت لا أطيق المكوث كثيراً في البيت، وساءت أخلاقي مع أهلي!

dababa1 صورة واحدة تدور في مخيلتي أو كأنها ثبتت فيها بمسامير، وعلق عليها طبل كبير، فهو يرن براسي: الجنود الأميركان وهم يجوبون الطرقات بأسلحتهم ودباباتهم!

صورة تأكل معي…… وتشرب…… وتنام، وتصحو!

أما الكتابة فما عدت أقدر عليها، أو أجرؤ على مس القلم لأجلها.. ماذا أكتب؟! والهموم تتصاعد من مناخري؟!!!

أأكتب سقطت بغداد؟ الله أكبر؛ إن الزفرات يتوالى نفثها من صدري وأنا أكتبها!

هل أكتب عن هزيمة الأمة وجراح الوطن، وآلام الناس، ومآسي الأهل؟

أأكتب عن استسلام كثير من العلماء – ومعهم الأتباع – الذين صاروا يقلبون الأمور ويشوهون الحقائق ويفسدون الدين في عقول الأمة حتى صاروا يسمون الاحتلال تحريراً، والجهاد اعتداء، والغازي المعتدي مستأمناً وصاحب ذمة؟!

أأكتب عن خيانة الشيعة – إلا من رحم – للدين والوطن، وترحيبهم بالغزاة، وقتلهم العلماء، والمجاهدين، والعسكريين السابقين، وتربصهم بنا الدوائر. ثم تجد رموز أهل السنة يمجدونهم ويمتدحونهم بلا حياء!

ماذا أكتب؟ وأنا إذ أكتب أشعر كأني أعيش ما أكتب! وأتفاعل معه بطريقة غير طبيعية. طريقة مؤلمة مزعجة. وهذا أحد أسباب هروبي من الكتابة. ولكن ماذا أكتب؟ ما هو الشيء المفرح المريح الذي إذا كتبته فرحت به وارتحت له؟ ولهذا سأترك مواصلة الكتابة عند هذا الحد ولا أدري متى أرجع إليها)!

ومشينا طويلاً صامتين

بعد شهر من الزمان، وتحديداً في يوم الجمعة (25/7/2003) كتبت تحت عنوان (وبدأت الغيوم تنقشع) أقول:

الحمد لله .. بدأت حالتي تتغير شيئاً فشيئاً.. صرت أحس بشيء من الراحة، وأستطيع أن أتفاعل – مثلاً – مع طرفة تروى فأضحك لها كما كنت أضحك من زمان غابر أو… أكاد.قبل أيام حضرت مجلساً كبيراً بناءً على دعوة من أخ عزيز على قلبي. تحدثت فيه عن البشائر الكبيرة التي تلوح في الأفق، وكنت متفائلاً حتى إن ذلك الأخ عجب مما يرى ويسمع الآن! وهو يقارن بينه وبين ما كان قد رآه مني قبل حوالي عشرين يوماً، في عصر ذلك اليوم الذي قطعناه معاً بين الحصوة والرمادي وكان معنا أخونا صاحب المواقف النبيلة (…). تبادلنا الأشعار، وهاج الحنين وكانت ليلانا – والله – هي العراق.. العراق .. ولا غير. وانطلقت حنجرتي قليلاً:

تبجـي أحـبابك من تذكرك يا عراق
إلا مصـــابك كل المصـاب يهون

كنت أشعر ساعتها – ولا زلت – أن العراق قد هجر الوطن حبيباً فارق الديار بلا وداع. أما هذه الأرض التي نتنقل عليها فليست هي العراق.. العراق الذي نعرفه ويعرفنا. وانتابني شعور جارف بالحنين إلى كل شيء كان قبل ما كان.. من الفراق الذي كان بلا وداع! ودار في نفسي مشروع قصيدة لم أنجزه، كان منطلقه أنني أحن إلى كل شيء كان موجوداً قبل أن يغادرنا الحبيب العراق، الحبيب الذي صرت أحب لأجله كل شيء كان فيه. مهما كان! ويا ما كان! فليعد إلي العراق وأنا راضٍ إذا عاد بكل ما فيه من محبوب و… مكروه.

5698 وتكاثفت هذه الأفكار الغريبة، وانهدت متتابعة تغازل خيالي، وأنا أنظر إلى الحقول الممتدة على جانبي الطريق السريع، وقد هبطنا الجسر قبل أن نصل إلى سجن (أبي غريب) بقليل. وإذا أنا بصوتي ينقطع، والعبرات تجري على خدي كنهر جارف قد انهار سده..

وبكيت ما شاء لي البكاء أن أبكي… لقد كنت في تلك الدقائق كأني أنزح العبرات من قعر روحي المشتاقة الملتاعة. وسكت الأحباب إجلالا للموقف، ومشينا طويلاً صامتين).

نعم إنها بغداد…….!

بوارقُها هذي وهذي رعودُها

وتلك مضاميرٌ إلى المجدِ عُبِّدتْ

وما بينَنا إلا مسافةُ نبضةٍ
وما بينَنا إلا تراتيلُ موعدٍ
أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنها
نعم إنها بغدادُ من ألفِ حَجةٍ
نعم إنها ظلتْ مدى الدهرِ لبوةً

  وتلكَ سرايا عزِّها وبنودُها
دماً كلما آلتْ لجدبٍ نزيدُها
من القلبِ ممدودٌ إليكِ وريدُها
عليهِ المنايا تقشعرُّ جلودُها
عروسٌ، من الأمجادِ صارت برودُها
توالى عليها مجدُها وسُعودُها
إذا زأرتْ تنفكُّ عنها قيودُها
نعم إنها بغدادُ للأرضِ محورٌ
أبا جعفرٍ شيدتَها أنتَ مرةً
بوارقُها هذي وما مرَّها الردى يجيئون سيلاً كاسحَ المدِّ جارفاً
أبا جعفرٍ فانظرْ لبغدادَ إنها
لقد علمتَ جيلاً، وجيلٌ ستغتدي
نعم إنها الأبقى إذا ضجَّ حادثٌ
نعم إنها بغدادُ تاريخُها الهدى
نعم إنها نبضُ الحضاراتِ، دونها
ومرتكزٌ لو مالَ يوماً عمودُها
وفينا الذي في كلِّ يومٍ يَشيدُها
على موحشٍ إلا تناخى أُسودُها تضيقُ بهِ آفاقُها وصعيدُها
إلى المجدِ يمشي كهلُها ووليدُها
مكارمُهُ مثلُ النجومِ عديدُها
وإن معاليها عليها شهودُها
وأقصى مجراتِ الشموسِ حدودُها
لما أثمرت يوماً وأخصبَ عودُها

baghdad2003(1) هذه صور مجتزأة من هنا وهناك، أنقلها عسى أن أنقل القارئ إلى جو المحنة، والمشهد المروع للحالة التي كنا نمر بها تلك الأيام، والهزات العنيفة التي ساقتنا سوقاً لمراجعة الحساب.

تلك صور رسمتها بعد حين من الاحتلال. تعال بنا يا صاحبي نلقي نظرة على صورة في خضم المحنة، وتحت دوي القصف عشية الاحتلال:

الضمائر والمصالح

في يوم الجمعة (4/4/2003) – أي قبل احتلال بغداد بخمسة أيام – كتبت بعنوان (الضمائر والمصالح) أقول:

(هل ماتت ضمائر العالم أمام هذه الكوارث التي يصنعها طغاة الأرض في ربوع العراق وفلسطين وأفغانستان والشيشان؟!

أمريكا تجتاج العراق، وتقصف طائراتها المساكن والشوارع، وتقتل الناس الأبرياء في مناظر مروعة تتناقلها محطات التلفزة دون أن يستنكر أحد من حكام دول العالم سواء كانوا أجانب أم عرباً أم مسلمين ما يحدث! ويتخذ خطوة فعالة مؤثرة لإيقاف هذا المسلسل المروع. سوى أصوات خافتة هنا وهناك. القصد منها إحداث بعض التوازنات الشخصية دفاعا عن النفس، أو المصلحة تحسباً للمستقبل وما سيكتب التاريخ.

تصوروا..! الاتحاد الأوربي مشغول بالكيفية التي يمكن بها الحصول على حصة في القصعة العراقية مع الأكلة الأميركان. حتى الإسلاميون ماتت ضمائرهم أو غابت أمام المصالح! فرحنا كثيراً حينما فاز الحزب (الإسلامي) التركي في الانتخابات أخيراً، واستبشرنا خيراً. أمس لو رأيت عبد الله كول وزير الخارجية التركي وكيف يحتضن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بحرارة، ويضحك بملء فمه وهو يرحب به ومعه رئيس الوزراء رجب أردوغان. هذا وقنابل كولن باول على رؤوس العراقيين كالمطر، ولا يتمعر لإخواننا في تركيا وجه!!! نعم قد يكون الإنسان مغلوباً على اتخاذ موقف ما. ولكن هو غير مجبر على أن يظهر بشره إلى هذا الحد الذي يكاد يطير فيه فوق الأرض، وكأنه لا يصدق أنه يواجه وزير الخارجية الأمريكي، ويجلس معه! ثم.. رجع كولن باول وحقيبته ملأى من تركيا، لتتواصل أرتال الدعم اللوجستي من الأراضي التركية إلى شمال العراق.

وفرحنا من قبل بالسودان التي صار يحكمها (الإسلاميون). ثم…. قبل أيام قتلت الشرطة السودانية ثلاثة طلاب يتظاهرون ضد الحرب على العراق!!! ولو سألت الحكومة السودانية (الإسلامية…!!!) لقالوا: إن المصلحة الوطنية تستدعي منا المناورة! فأين الدين ؟ وأين الثوابت ؟ وأين الأُخوة ؟ أين الأخلاق؟

أيعقل هذا؟! كلها تتهاوى أمام المخاوف والمصالح؟

إذن لماذا نحن مسلمون أو إسلاميون؟ ما الفرق بيننا وبين غيرنا؟ إذا كانت مبادئنا تتشنج أطرافها عند أدنى اقتراب من عتبة السياسة؟!

وتذكرت المواقف الهزيلة لكثير من مشايخ الدين ورجال الدعوة أمام الشيعة، واعتذارهم

بالمصلحة و(الحكمة) و(بعد النظر). وحين تواجههم بالنصوص والثوابت يحيدون عنها بشتى الحجج. وتوصلت إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء المتأسلمين لو وصلوا إلى سدة الحكم فلن يختلفوا في موقفهم عن موقف الحكام الذين ينتقدونهم، ويشنون عليهم حملات تعطيل الشريعة، وسينقلبون يومها إلى محترفي سياسة حتى العظم. والدليل أن الإسلاميين (العرب والمسلمين) الذين وصلوا إلى الحكم لم نر منهم اختلافاً عن غيرهم يقتضيه التزامهم الديني.

هل يمكن القول أن بيننا وبين انتصار الإسلام الموعود زمناً طويلاً ؟!

الله أعلم.

أما أخبار المعركة فهذا هو اليوم السادس عشر والجيش الأمريكي يقوم بإنزالات متعددة كثيرة في العراق، حتى إن مصادر الأخبار الأمريكية تقول بأن إنزالاً وقع في مطار صدام الدولي في بغداد، وأنهم قد دخلوا النجف. وتقول بعض المصادر: إنهم يراهنون على المراجع الشيعية، وعلى إحداث فتنة طائفية).

أبعد هذا يلام المرء حين يراجع حساباته تجاه (الإسلاميين) المتأخرين؟ ومع ذلك ظللت أنتظر سنين، مغلباً جانب حسن الظن، والجنوح إلى التأويل. ولكن إلى متى؟ وقد رأينا (الإسلاميين) الذين جعلوا أساس كيانهم ووجودهم تطبيق حكم الله تعالى في الأرض ما إن رأت أعينهم خشب الكراسي في ديوان الحكم ولو من بعيد، حتى انطبقت عليهم العبارة التالية – التي كتبتها تلك الأيام قبل أن تتطور الأحداث، وينكشف اللثام – تمام الانطباق: (وتوصلت إلى نتيجة واحدة هي أن هؤلاء المتأسلمين لو وصلوا إلى سدة الحكم فلن يختلفوا في موقفهم عن موقف الحكام الذين ينتقدونهم، ويشنون عليهم حملات تعطيل الشريعة، وسينقلبون يومها إلى محترفي سياسة حتى العظم).

وهكذا كان..!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: