التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الجذور الاجتماعية والفكرية لجيش المهدي والتيار الصدري (1)

مدينة الذباب

ثققs

يمثل حي الثورة – أو (مدينة الصدر) كما يحلو للشيعة أن يسموه، على طريقتهم في “الاستعراض” والتهويل والمبالغة- أقذر حي على الإطلاق في بغداد! دخلته مرة في سنة 1981 قبيل مقتل السادات بأيام – مع مجموعة من أصدقاء الكلية – نعزي زميلاً لنا شيعياً قتل أخوه في الحرب التي كانت تدور مع إيران. ووصلنا الحي..! وحيثما مررنا بزقاق، أو مرقنا منه استقبلتنا أكوام الأزبال والقاذورات والمياه الآسنة، بروائحها الكريهة المنتنة! الأزقة ضيقة، والبيوت أضيق، حجرها صغيرة متداخلة، تزدحم بساكنيها بشكل عجيب! ولا يخلو المنظر من معارك صغيرة تدور بين الجيران، أبطالها عادة نساء وأطفال، وعتادها كلام بذيء، وتهم متبادلة يتراشق بها الطرفان، على مرأى ومسمع الرائح والغادي! وقطعان الماشية، الأبقار ، البغال، الحمير، الخيول التي تجر العربات، والكلاب والقطط السائبة، الجلود المكدسة العفنة… فحدث ولا حرج!

أما الذباب.. الذباب! فشيء لا يمكن وصفه. إنه عالم آخر.. وكفى!

ورجعت من هناك مذهولاً. قلت لزملائي: يا جماعة! هل سمعتم بمدينة الضباب؟ قالوا: نعم، لندن. فقلت وأنا أضحك: تلك مدينة الضباب، وهذه مدينة الذباب!

الشطرة نسخة مكررة

يذكرني هذا بمدينة الشطرة التابعة للناصرية في الجنوب العراقي. ذهبت إليها سنة (1989) في رحلة تجارية غير موفقة. وفي السوق المزدحم بالبشر – والذباب أيضاً – مررت ببائع فواكه وخضروات. كانت إحدى السلال المعروضة أمامه تحتوي عنباً أسود.. ولكن أي نوع من العنب؟ وعلى أي حال كان؟! باختصار: لم أستطع أن أفرق كثيراً بين العنب القديم الذي انكمش وتمزق أكثره، وبين الذباب الفاطس الذي تداخل معه وهو يغوص ويطفو في المحلول الذائب تحته. لا أنسى ذلك الموقف: كيف كنت لحظتها أفكر، ومع نفسي أقول: أي حيوان يمكن أن يتناول هذا؟ لا يذهبن بك الخيال لتظن بي أني لا أقصد هذه الكلمة “حيوان” حرفياً. ووالله ما دار بخلدي أن أحداً من البشر يمكن أن يتناول ذلك العنب الذي ليس له من العنب إلا الأثر. كنت أتصور أن البائع سيتخلص منه برميه جانباً. أو – ربما – احتفظ به ليبيعه، أو يعطيه لمن يريد إطعامه للدجاج أو ما شابه من الحيوان. ومع ذلك كنت أشفق وأقول: ربما تسممت الدجاجة إذا تناولت شيئاً منه. هكذا كنت لحظتها أفكر. وإذا برجل يقف أمام البائع يريد أن يشتري من ذلك العنب كيلو أو كيلوين – لا أذكر – وبعد أن ساومه على السعر – تصور !!! – صار ينتقي ويضع في الكيس، ثم وضع الكيس في الميزان! والبائع يراقب الكفتين! وبعد أن نقده الثمن، حمله وذهب، وتركني في مكاني واقفاً مذهولاً!

من هذه المجتمعات المتخلفة القذرة جاء سكنة حي الثورة. فنقلوا تخلفهم وقذارتهم وأمراضهم – بأنواعها – إلى بغداد عاصمة الحضارة في منتصف القرن الماضي.

الطبع غلاب

بعد ذلك – وخلال الحرب المشتعلة – التفت الرئيس صدام إلى ذلك الحي، فأجرى تغييرات عمرانية كبيرة فيه، وطوره كثيراً، وسماه باسمه (مدينة صدام) تعبيراً عن اهتمامه به. دخلت المدينة سنة 1987 طبيباً منسباً إلى مستشفى “الجوادر” ، فرأيت التبدل الكبير الذي آلت إليه. ومرت سنين طويلة لأدخل الحي أو المدينة عدة مرات ما بين سنة 1998 وسنة 2000 ، فإذا بالخراب قد عاد إليها من جديد! الأزبال والعفونة، والطرقات المحفرة، والبرك الآسنة، والحيوانات السائبة والداجنة بأنواعها. والذباب أيضاً.

سوق مريدي

Cars_1333657808_321

وفي حي الثورة يوجد أكبر سوق للتزوير في العراق.. “سوق مريدي”..!!! لم أره، حتى يمكن لي أن أصفه. ولكني سمعت به. وهو معروف ومشهور. ويمكن من خلاله معرفة أي صنف من البشر أنشأ مثل هذا الصنف من الأسواق؟!

الكل يكسب

وسكان “الثورة” كلهم يعملون: من الطفل إلى المرأة إلى العجوز! والذي لا يحسن عمل شيء منهم يحمل بيده علبة سجائر يدور بها، أو يعلق برقبته عليقة من الخشب، أو ينصبها أمامه، يضع فيها بعض النواعم: سجائر، كبريت، كرزات، علك…إلخ.

عالم آخر تماماً وتترك الحي، وتدخل – بعد دقائق – أي حي آخر من أحياء بغداد السنية: زيونة، أو شارع فلسطين مثلاً، فإذا بك تجد نفسك قد انتقلت من عالم إلى عالم! أما إذا كانت المقارنة مع حي من الأحياء السنية الراقية كاليرموك أو المنصور، فكأنك تقارن مع جنة من جنان الخلد، لا حي أو مكان على الأرض!!!

المهن القذرة

تشيع المهن المنحطة والقذرة في مدينة (الصدر المنورة) – كما صارت تسمى أخيراً – وتنتشر السرقة، والقتل. ويفشو الزنا، والشذوذ الجنسي، وزنا المحارم – وملفات الطب العدلي خير شاهد – ويكثر المتسكعون، ومدمنو الخمر، والمخدرات البدائية، أو ما يسمى شعبياً بـ(الكبسول والحبوب)؛ إذ لم يكن قبل الاحتلال وجود للمخدرات في العراق؛ فكان المنحرفون يستعيضون عنها ببعض الأدوية التي لها تأثير مشابه. أما الآن فأظن – ولله الحمد بوجود إيران[1] التي صدرت إلينا ثورتها فكان أحد مكوناتها الرئيسة، والحق يقال، المخدرات – أن زمن (الكبسول والحبوب) صار قديماً.

أما في محرم وصفر ومواسم الزيارات إلى المراقد، فتجد أهل الثورة نساء ورجالاً في المقدمة، كما تجدهم أكثر الناس بكاء وعويلاً ولطماً وجزاً وشدخاً؛ رغبة في تكفير الذنوب كما يتوهمون. يظهر أن ذنوبهم كبيرة وكثيرة!

دخلاء

وعموم سكنة هذا الحي الكبير جاءوا من أهوار الجنوب، وينحدرون من أصول غير عربية في غالبها: هنود، إيرانيين، زنوج… إلخ. قدموا على شكل هجرات متعاقبة منذ الفتح الإسلامي، وحتى الاحتلال الإنجليزي. استوطنوا تلك المناطق في الماضي، ولا زالوا. وظلوا مستقرين هناك بدون وثائق هوية أو جنسيات أو جوازات سفر. حتى جاء عبد الكريم قاسم ومنحهم الجنسية العراقية. ويقال: إن سبب تعاطفه معهم كون والدته تنحدر من تلك الأصول. وشيد لهم المجمعات السكنية حول العاصمة بغداد كحي الثورة والأمين والفضيلية والعبيدي والشماعية والحسينية وأبو دشير والدباش والشعلة والحرية والإسكان وغيرها من الأحياء الشعبية في بغداد، في بيوت من الصفيح (التنك) والطين، والقصب. ورغم حصولهم على الجنسية العراقية فإنهم ظلوا محتفظين بأصولهم العرقية الى يومنا هذا؛ فلا عجب والحالة هذه أن تكون السمة البارزة والصفة المميزة لهؤلاء الأعاجم هي تغليب الإنتماء الطائفي والمذهبي على الإنتماء الوطني. وهذا يعني أن مصطلحات الوطنية والقومية لا وجود لها إطلاقا في قاموسهم.

رعاع وغوغاء

وغالبهم رعاع، تكثر بينهم الخصومات والقتل. لا يربطهم رابط وثيق، عدا الحقد والخوف والتوجس من الآخر (الجيتو اليهودي). ولولا التحدي السني الذي يجتمعون عليه لأفنى بعضهم بعضاً. وهذه حالة عامة الشيعة في العراق. والاختلاف والتفرق والتقاتل بينهم الآن ليس بقليل. حتى منعت السلطات المحلية في النجف وغيره دخول الصحافة والإعلام والتصوير إليهم. والخبر نشرته الفضائيات ذات العلاقة قبل شهور. فقد أصدرت الإدارة المدنية في النجف يوم الجمعة آخر شعبان 1427 تعليمات تقضي بمنع وسائل الإعلام من تصوير الاحداث التي تحصل في المدينة. وكذلك منع المسؤولين الامنيين من الإدلاء بأي تصريحات. وتضمنت التعليمات الصادرة عن المكتب الاعلامي في النجف (منع وسائل الاعلام من تصوير مشاهد الدم والقتل التي تحصل خلال العمليات الارهابية وضد مفارز ودوريات الشرطة التي تنتقل الى اماكن هذه الحوادث حال وصولها). كما تمنع التعليمات (ضباط ومنتسبي الشرطة والاجهزة الامنية من التحدث عبر وسائل الاعلام لأي سبب وسيحاسب المخالف بشدة، حيث تم الايعاز للمركز الاعلامي في ديوان المحافظة اتخاذ ما يلزم بصدد الضوابط اعلاه وبالتعاون مع الاشراف الامني)[2].

وعلى موقع (أخبار العراق) في 22/9/2006 ، وتحت عنوان (ماذا تعرف عن الشعبة الخامسة في كربلاء؟) تجد اللقطة التالية، وهي مجرد حالة من مئات الحالات:

المعروف لدى اهالي كربلاء أن الشعبة الخامسة الخاصة بالقتل والتعذيب، هي في الحقيقة (مكتب مقتدى الصدر) في كربلاء. وهذه التسمية جاءت على لسان ممثل مكتب الصدر في البصرة عبد الفتاح، الذي كان سابقا هو الوكيل لوالد مقتدى الصدر. المهم أن هذا المكتب يعيث فسادا في كربلاء دون ان يوقفه احد. اما انصاره فإن تشاجروا مع اي شخص فلن ترى سوى قطيع من الكلاب المسعورة تهاجم (الأعداء) – كما يسمونهم – في شوارع المدينة. ثم تقتاد الشخص الى مكتب (الشهيد الصدر)، والذي أضحى المواطنون يطلقون عليه اسم (الشعبة الخامسة)؛ تشبيهاً له بالشعبة الخامسة التابعة لدائرة الأمن في بغداد أيام النظام السابق (والحالي ليس بأحسن حال).

وعندما يتم القبض على شخص مهم، او لديه علاقات قوية، يعتذر منه مسؤول المكتب (فاضل الشرع)، وينقل الذي تسبب بالاساءة. أما بقية المواطنين فهم معتقلون خارج اطار القانون. وأقرب حادثة هي قبل أيام وقعت في شارع العباس لأحد القصابين. أشبعوه ضرباً، وأخذوه الى الشعبة الخامسة. ولا نعلم إن كان لديه ظهر يسنده؟ وإلا فمصيره جثة هامدة مرمية على اطراف المحافظة.إ.هـ.

ومن وقت مبكر كان بعض من لنا علاقة بهم ينقلون لنا مشاهداتهم ومسموعاتهم عنعمليات السطو والقتل المتبادلة بين الشيعة. ومن المشاهد القديمة/سنة 2004 التي نقلت إليّ موثقة:

  • مجموعة من جيش الدجال تطوق سوقاً في مدينة بغداد الجديدة، ذات الغالبية الشيعية والمسيحية، وتغلقه بالقوة. ثم تقوم بسرقة بعض المحلات التجارية المقفلة، بعد كسر أقفالها.
  • مجموعة تابعة لـ(مكتب الحكمة) الصدري في جامع الحكمة، سرقوا سيارة وهربوا بها، لكن الأمريكان أطلقوا عليهم النار فأبادوهم فيها.
  • قناصة عصابات (بدر) يتتبعون عناصر من جيش الدجال في النجف وغيرها. وهذه العناصر ترد عليها. وفي إحدى المرات خطفوا منهم (25) فرداً، وجدوهم في أحد السراديب المنتشرة في النجف، وقد أبيدوا جميعاً.
  • عصابات مسلحة تخطف الناس في حي الثورة الصدري؛ بحجة معاداتهم للمهدي. ولم يخرج منهم أحد إلى يوم سماعي الخبر حينها.
  • هذا وقد أدت هذه الصراعات إلى حصول استباحة لبيوت بعضهم البعض، في عدة حوادث… وهكذا.

وشهد شاهد من أهلها

وهذا الواقع المزري مسلم به، ويعرفه بعضهم عن بعض. حتى إن أحد رجال الدين في حي الثورة، – اسمه أحمد الزيدي من أتباع أحمد البغدادي – قال في محاضرة له متهجماً على “جيش المهدي” : (إن 60% من أفراد جيش المهدي لا يعرفون آباءهم الحقيقيين، وأغلبهم أبناء ملاجئ اللقطاء والأيتام). كان ذلك في يوم 27/1/2007. فقامت عصابات جيش المهدي بقتله في اليوم الثاني مع أحد مريديه[3].

من هذه البيئة خرجت عصابات المهدي! ومن هذه الجحور تسللت ثعالبه، وصالت أفاعيه. وهذا هو المجتمع الذي خرج تلك العصابات التي سميت بـ(جيش المهدي). وهذه

خلفية الرواية باختصار شديد.

___________________________________________________________________________________________

  1. 1 – في يوم 25/2/2005 أعلنت قناة “العراقية” الفضائية القبض على (75) عائلة إيرانية دخلت العراق وهي تحمل المخدرات. وهذا غيض من فيض بركات دولة إيران “الإسلامية” على العراق ، وفي باب الحشيشة فقط !
  2. 1- انظر أيضاً موقع (أخبار العراق Iraqinews) في 23/9/2006.
  3. 1- موقع مفكرة الإسلام ، 29/1/2007
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: