التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الطائفي والوطني .. في موقف الشيعة من الاتفاقية الطويلة الأمد بين العراق وأمريكا

1255alrasheadnet

تجري هذه الأيام بين الولايات المتحدة والعراق مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاقية طويلة الأمد حول وضع القوات الأمريكية في العراق، بعد 31 كانون الأول المقبل، عندما ينتهي تفويض القرار الدولي الذي ينظم وجودها فيه. وتتضمن الاتفاقية معاهدة لتنظيم العلاقات الاقتصادية والسياسية، ومن ذلك العلاقات النفطية، ودور الشركات الامريكية.

يتحدث المراقبون عن خلافات في وجهات النظر حول البنود السيادية تعرقل سير المفاوضات بين الجانبين خصوصاً ما تعلق منها بحق الاعتقال، والقواعد العسكرية، وحرية تحرك القوات وحق الدخول والخروج، ومدى الحصانة الممنوحة للجنود والمتعاقدين الأمنيين الأمريكيين.

يبدو من تسريبات الأخبار أن المطالب العراقية تتناقض مع المطالب الأمريكية: فإن بعض المصادر المطلعة على مسودة الاتفاقية تقول: إن الأمريكيين يطلبون السيطرة على الأجواء، والحصول على تسهيلات مفتوحة براً وبحراً، وحق اعتقال وسجن أي عراقي يعتقدون أنه يشكل تهديداً، وشن عمليات عسكرية لملاحقة الإرهاب دون استشارة بغداد. بينما يشدد الجانب العراقي على اعتبارهم حكومة ذات سيادة، وعلى عدم منح تسهيلات للامريكيين، وعدم تحرك القوات الأمريكية من قواعدها المؤقتة من دون موافقتهم، وضرورة خضوع حركة الأموال من جانب الجيش الأمريكي للبنك المركزي، والحصول على موافقة خطية من الحكومة العراقية على أي عملية عسكرية، واقامة قواعد امريكية يعاد النظر بوضعها كما يحدث في تركيا. ويرفضون اعتقال اي عراقي الا بموافقتهم، ومنح القوات الامريكية ممرات محددة في الأجواء العراقية، وحصر الحصانة القانونية للجنود خلال العمليات العسكرية شريطة أن تجري بموافقة بغداد.

أما موقف الشيعة من الاتفاقية أو المعاهدة فموقف الرافض لها، وبالطريقة الاستعراضية المعتادة، التي تظهر حماساً “وطنياً” منقطع النظير!

نقل عن السيستاني قوله: (لن تبرم المعاهدة وانا حي)، على طريقة (أينقص الدين وأبو بكر حي)! ومن إيران يصرح (آية الله) كاظم حائري المتخصص بفتاوى قتل الكفاءات والنخب العراقية بأن الحوزة في العراق لن تعترف ولن تعطي للاتفاقية أي مشروعية. بينما دعا تلميذه البار مقتدى الصدر إلى مظاهرات بعد كل صلاة جمعة للتنديد بالمعاهدة والوقوف ضدها.

أما موقف السياسيين فيتجلى – إضافة إلى ما سبق – بتأكيد حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي على “ضرورة الالتزام بالثوابت الوطنية في جميع مراحل المفاوضات مثل تأكيد السيادة الكاملة وتحقيق مصلحة الشعب بعيداً عن الهيمنة الدولية او الاقليمية”. كما أكد على “عدم استخدام الأراضي العراقية بأي شكل من الأشكال للقيام بأعمال عسكرية ضد دول الجوار من قبل القوات الأجنبية والعمل الجاد على إنهاء تواجد القوات الأجنبية بأسرع وقت ممكن وعدم توفير قواعد عسكرية دائمة أو طويلة الأمد لها”. أرجو النظر بتركيز على عبارة “” دول الجوار “” …!!!

حتى قال عبد العزيز الحكيم: “هناك إجماع وطني على رفض الكثير من النقاط التي يطرحها الجانب الامريكي بسبب مساسها السيادة الوطنية مشيرا إلى “إجماع اعضاء المجلس السياسي للأمن الوطني والائتلاف العراقي الموحد على هذه النقاط”.

شيء جميل أن يتحدث إيراني كعبد العزيز الحكيم عن “إجماع وطني” عراقي..!

والموقف نفسه وأشد منه أعرب عنه نواب شيعة آخرون كعلي الدباغ، وهادي العامري، إلى آخر السلسلة. في “إجماع وطني” حار تواطأت عليه رؤى الشيعة جميعاً، تماماً كما تواطأت يوم أجمعوا على دعوة المحتل إلى افتراش وطنهم قبل خمس سنين فقط من الآن. فسبحان مغير الأحوال! على أنني لست مستغرباً مما يحصل، بل هو متوقع منذ البداية، وأعتبرها – لمن يعرف حقائق الأمور – وقائع طبيعية.

وسط هذه التجاذبات صار الجانب الأمريكي يخفف من مطالبه، ومن أهم ما أفرجت عنه الأخبار في الأيام الأخيرة تنازله عن حصانة الشركات الأمنية، وأهم منه تعهده بعدم استخدام الأراضي والأجواء العراقية لشن عمليات عسكرية ضد “دول الجوار”! وبنظرة جيوسياسية بسيطة وسريعة تعرف أن “دول الجوار” لا يعنى بها غير دولة واحدة، واحدة فقط هي إيران! وهذا يعني أن أمريكا تدرك جيداً أن الاتفاق مع الشيعة لا يمر فوق إرادة إيران. كما يشير إلى ضعف في قوة القرار الأمريكي.

ويفاجئ المالكي أخيراً المراقبين ليزور إيران، ويجلس مخلوع رباط الرقبة بين يدي خامنئي. وتسفر الزيارة عن اتفاقية دفاع مشترك، دون الرجوع إلى مجلس النواب، بينما الاتفاقية مع أمريكا لا بد أن تعرض على المجلس قبل التصديق عليها.

 

لا تعجل .. فإيران مفتاح اللغز

ليس من مصلحة إيران أن تبقى القوات الأمريكية على مرمى بندقية من حدودها، تهددها، وتلوح لها بالعصا بين الحين والحين، وتقلم أنياب عملائها من الأحزاب والمليشيات، وترسي مشروعها في العراق على أسس باتت تتضارب جذرياً مع مشروعها. والعراق بدأ يسير في ظل الأمريكان في غير الوجهة التي تريدها إيران. أمريكا إن لم تشكل خطراً عسكرياً مباشراً عليها، فهي قوة ضاربة تلجم نزواتها، وتحد من أطماعها في دول الجوار. ولهذا جاء الانتقاد الإيراني للاتفاقية مبكراً على لسان رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني. ثم تتابعت الانتقادات.

في هذا السياق يمكن فهم مواقف الشيعة على اختلاف عناوينهم ومستوياتهم. فتش عن إيران في كل موقف شيعي تعرف جذوره، وتتمكن من إعطاء الوصف المناسب له. ظل الشيعة يتفرجون على العراق تحتل أرضه وتسبى محارمه، حتى إذا صعدت أمريكا من حملتها الإعلامية ضد المشروع النووي الإيراني في نيسان/2006 ، وصارت تهدد بضرب إيران حتى توقع الكثيرون أن الهجوم الأمريكي على وشك الوقوع، صار الشيعة في الجنوب العراقي يتحرشون بالقوات الأمريكية، ويقومون ببعض العمليات العسكرية ضدها، تشتد حيناً، وتخف أحياناً، ويسيرون المظاهرات مطالبين برحيل المحتل. ومن يومها بدا للعيان افتراق المشروعين، واختلاف الشريكين. المشكلة أن المراقب الذي تخفى عليه هذه الحقيقة، أو هو يغض الطرف عنها – لأسباب “أمنية” أو “اقتصادجية”..!!! – يتصور – أو يصور – هذا الافتراق حاصل لأسباب وطنية، وليست طائفية. وبهذا نخسر مرتين: مرة نخسر الحدث، ومرة أخرى نخسر التاريخ. فلا تخص الخسارة جيل الحدث، وإنما تمتد إلى الأجيال اللاحقة، حين يكرر التاريخ نفسه عليها.

فيا لها من خسارة!

لا يمكن فهم مواقف الشيعة، وإعطاء توصيف دقيق لها دون ربطها بإيران أبداً. من لم يدرك هذا يظل في منأى عن فهم تصرفات مكون كبير من مكونات الشعب العراقي، له تأثيره الواضح في أحداثه ووجوده ومستقبله. وتظل أحكامه ناقصة مختلة. وهكذا ستكون قراراته ومواقفه المبنية عليها؛ وتستمرعملية النزف والخسارة والتقهقر.

في ربيع 2005 زرت الأستاذ طارق الهاشمي في مكتبه في المقر العام للحزب لاستطلاع رأيه في جملة أمور مشكلة. وكان مما قلته في ذلك اللقاء: “رأيت د. محسن عبد الحميد على إحدى الفضائيات يثني على محمد باقر الحكيم ويقول عنه: “وجدته حكيماً حقاً، وهو من عائلة وطنية سعت ولا زالت تسعى من أجل وحدة العراق، ولم شمل العراقيين. أيصح هذا في مثل هذا الشخص المعروف بخيانته هو وعائلته”؟! وذهلت حين سمعته يجيبني يقول: “نعم الحكيم من عائلة وطنية، فلولا فتوى والده محسن الحكيم ضد الشيوعية في الخمسينيات لغرق العراق في طوفان الشيوعية”. قلت له: “هذه الفتوى وراءها إيران بدفع من أمريكا. أنت تعرف علاقة الشاه بالغرب، ووقوف إيران حاجزاً بين دولة السوفيت الشيوعية وأطماعها في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج. وتعرف أن محسن الحكيم هو صنيعة الشاه في العراق، وعلاقته به وتبعيته له لا تخفى على أحد. فهو الذي أوعز إليه بإصدار تلك الفتوى ضد الشيوعية؛ حماية للمصالح الأمريكية في الخليج ضد الأطماع السوفيتية. أما كون الفتوى تصب في صالح العراق أو الإسلام أو أي جهة أخرى، فشيء عرضي غير مقصود أولاً. الفتوى إذن إيرانية أمريكية! فأين الوطنية”؟!

لم يجبني على سؤالي حينما قال: “ودور المراجع الشيعة في “ثورة العشرين” وقتالهم الانجليز، أليس موقفاً وطنياً”؟ قلت له: “ثورة العشرين فيها تعقيدات تاريخية، تحتاج إلى مراجعة. ولا يمكن أن نفهم فتاوى علماء الشيعة في أي حادثة دون معرفة موقف إيران وما تريده منها. فأنا أرى أن لإيران مصلحة فيما فعله الشيعة آنذاك. على أن الشيرازي مرجعهم الأكبر في حينها كان موقفه من الاحتلال الانجليزي كموقف السيستاني اليوم من الاحتلال الأمريكي. أما المرجع الشيعي كاظم اليزدي الذي سبقه فعمالته للانجليز معروفة للجميع، وتستطيع مراجعة كتاب الباحث الشيعي د. علي الوردي “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث” لمعرفة تفاصيل أكثر”.

وطن الشيعي طائفته، وليس دولته. هذه حقيقة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. ولا يهم الشيعي بعد ذلك أن تلتقي هذه المواقف الطائفية في نهاياتها البعيدة أو القريبة مع المواقف الوطنية، أو لا تلتقي. وأحداث السنين الخمسة الماضية الساخنة شاهد على ما أقول.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: