التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من الآن .. فهيئ جوازك

 

O(30-12-2012)(8-13-40 AM-1)

قبل يومين (18/6/2008) ظهر الأستاذ صالح المطلك رئيس “الجبهة العراقية للحوار الوطني” على قناة “صلاح الدين” الفضائية، في حديث عن أوضاع العراق السياسية، ومنها الاتفاقية المزمع عقدها بين أمريكا والعراق، وموقف أعضاء مجلس النواب العراقي التابعين لإيران من منظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية، وغيرها من المسائل الساخنة.

والأستاذ المطلك، رغم اختلافي معه من حيث المنطلق: إذ هو علماني، وأنا إسلامي، أحس في نبرته حرقة، ولهجته صدقاً، وأسلوبه موضوعية؛ ما يدعوني إلى متابعة أحاديثه.

في هذا اللقاء وجه الرجل عتباً إلى كل العراقيين عن كونهم في الانتخابات الماضية كان تصويتهم دينياً طائفياً. وهذا هو أساس الداء والبلاء. لكنه أظهر تفاؤله الكبير في أن التجربة القاسية للاصطفاف الطائفي في السنين الماضية ستؤتي أكلها في انتخابات مجالس المحافظات القادمة، وأن العراقيين – بعدما جربوا بأنفسهم ويلات ذلك الاصطفاف – لن يكرروا التجربة، وسيكون تصويتهم قائماً لا على الأساس الطائفي الذي قام عليه أول مرة. ثم عقب وهو يضحك قائلاً ما معناه: وإلا فإن كل شريف عليه أن يهيء جوازه ويخرج من البلد، ولا يبقى مع أناس بهذا المستوى.

ليس الأستاذ المطلك وحده يسبح في هذه الأحلام، ويتيه مع هذه التهويمات، بل هذا ديدن الغالبية من أهل السنة، حتى “الإسلاميين” منهم، بل على رأسهم الإسلاميون! وهذه إحدى إشكاليات المعضلة العراقية. لا زلنا – رغم كل ما جرى.. ويجري – نبتعد عن التشخيص خوفاً من الاعتراف بالحقيقة، بالعلة التي تتبخر عند ورمها كل الأدوية الترضوية غير الجراحية. على أن البعض ربما يجهل هذه العلة.

ليست المشكلة لدى الشيعة عائدة إلى الجهل، حتى تعالج بالعلم، الذي يكتسب إما بالخبر أو الخبرة الناجمة عن التجربة. هذا تبسيط سطحي للأمور. ونحن – وإن كنا نتمنى أن يكون السبب يعود إلى الجهل – نرى أن العلة أعمق وأوسع وأكبر. العلة ترجع إلى عقيدة متغلغلة في القلوب، وعقدة، بل عقد عديدة، متشابكة مع النفوس. نعم عرف الشيعة أن المرجعية خدعتهم وضحكت على ذقونهم، وهذا واضح من هتافاتهم في الحشود التي سيروها “قشمرتنا المرجعية وانتخبنا السرسرية” (قشمرتنا: خدعتنا، السرسرية: السفلة). ويتحدثون عن شواهد سقوط هذه المرجعيات والعمائم والسياسيين، وكذبهم، وارتباطهم بإيران وأمريكا. ولكن من جانب آخر يعتقد الشيعة أنه لا نجاة لهم يوم القيامة من دون رضى هذه المرجعيات (السافلة) عنهم! لذا فتوى واحدة من المرجع تهدم المعادلة كلها، وتسوق هذه القطعان إلى انتخاب القائمة أو المرشح الذي تشير إليه. ومرة أخرى ينتخب الشيعة أولئك السرسرية، طبقاً لفتوى المرجعية، رغم علمهم بخداعها وقشمرتها! وأخرى.. وأخرى.

في المقابل لا يعتقد أهل السنة في علمائهم مثل هذا الاعتقاد المتخلف. فيقعون في المفارقة القاتلة حين يقيسون قياس الفارق الشيعة على أنفسهم، يتصورون أن التجربة قد علمت نظراءهم ما كانوا يجهلون، فلا يكررون على أنفسهم التجربة، أو يقعون في القشمرة.
والمرجع بالنسبة للشيعي ليس مصدراً للفتوى فحسب، بل هو الكهف الأبوي الذي يأوي إليه، والرمز الذي يمثله، والحامي الذي يدافع عنه. وذلك بسبب من “عقدة الاضطهاد” التي يعاني منها، بحيث أنه يشعر بالضياع وانعدام الوزن إذا ما تصور لحظة أنه يعيش بلا أب ورمز وحام في دنيا مليئة بالسباع والذئاب. يسند هذه العقدة عقد كثيرة أخرى مثل “عقدة الشك والتوجس”، و “عقدة النقص” و “عقدة التعصب”، و “عقدة الحقد” و “عقدة الثأر”… وعقد أخرى تجعل الشيعي يعيش في عالم مخيف يتهدده ويريد عزله عن كهفه وحاميه، ليتسنى له ابتلاعه وإذابته في العدم والضياع والتوهان. لذلك لا يمكن بحال أن يتخلى الشيعي عن مرجعه مهما كان، وتوجيهه وفتواه مهما كانت، في كل اللحظات المفصلية في مسيرة حياته. عندها تستيقظ لديه “غريزة الحياة” بكل ما فيها من دافعية وسوق، لتلصقه بحاميه، وتأوي به إلى كهفه، وتشده إلى رمزه، وتعود به إلى مرجعه. ومن هذه اللحظات تصويته في الانتخابات. إنه يشعر إزاءها أنه في لحظة اختيار بين الحياة التي لا وجود لها خارج ظل المرجع “دام ظله”، وبين الموت الذي يمثله الآخر، الذي يريد ابتلاعه وإذابته، وما عليه من كلامه المعسول، وموضوعيته “الخادعة”! ولا بأس بعد هذه اللحظة ومثيلاتها أن يشتم الشيعي مرجعه، أو يتكلم ضده في ظهر الغيب ما دامت اللحظة ليست حاسمة.

كثير من أهل السنة، بل أكثرهم، يجهل هذه العقيدة لدى الشيعة، وهذه العقدة، أو مجموع العقد التي تغزو نفوسهم، وتخرب عقولهم، وتشتت كل معطيات التجارب التي يمرون بها. وما دام هذا الجهل شائعاً بيننا فلن نتوصل إلى التشخيص الصائب، ولا نصل إلى العلاج المطلوب.

الانتخابات القادمة قريبة، وواقعة بإذن الله. ومن الآن نقول: إن الاصطفاف الطائفي هو الذي سيحكم العملية من جديد. وعليه أيها الأستاذ المطلك من الآن هيء لك جواز سفر؛ فمن تتحدث عنهم لا يستحقون الحديث، وعلى رأيك: “إن كل شريف عليه أن يهيء جوازه ويخرج من البلد، ولا يبقى مع أناس بهذا المستوى الوضيع”. مع استماحتك العذر في أن أضيف من عندي هذا الوصف الأخير.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: