مقالات

من للأرامل.. واليتامى..؟

aramil

في مجلس كبير ضم نخباً متعددة الاختصاصات والاتجاهات الفكرية والدينية، تكلم أحد الجالسين عن المقاومة العراقية، وقال بحماس كبير: إنها الخيار الوحيد لتحرير البلد. شكرته على كلامه، وتدفقت معه في حماسه. وكان مما قلت: أنا معك في كل ما تقول، وأشد على يديك. ولكن.. بعد خمس سنين من الاحتلال وتداعياته الخطيرة المتسارعة أفرزت الأحداث الجسيمة على الأرض قضايا آن الأوان لأن نتعامل معها بجدية، ونعطيها استحقاقها من الاهتمام في سلم الأولويات؛ وذلك من أجل أن تستمر المقاومة، وحتى يفصح الحماس عن ثمراته اليانعة الناضجة. النظر إلى الأمام لا يكفي للوصول في طريق السلامة. لا بد من النظر إلى الخلف، وإلى الجوانب أيضاً.

من هذه القضايا قضايا ما عادت تحتمل التأجيل. يأتي في أولها قضية الأرامل واليتامى وعوائل الشهداء، والجرحى والمعوقين. من لهؤلاء؟ من يقوم على شأنهم؟ أليس لهؤلاء في أعناقنا – وفي أعناق الأمة جمعاء – حقوق كبيرة، علينا أن نؤديها وفاء للراحلين، وعملاً بواجب سنسأل عنه يوم الدين؟ حدثني أحد المسؤولين عن جمعية خيرية أن أعلى رقم يعطى للعائلة هو (70) دولاراً! وحتى هذا المبلغ الزهيد لا يحصل عليه أغلب تلك العوائل المنكوبة في العراق المحتل! كيف يمكننا الاستمرار على هذه الحال؟!

من لعائلة الشهيد ؟ من لولده ؟ من لأرملته ؟

حين أقرأ سورة (البقرة) أجد أنها تؤسس لمجتمع جهادي اكتملت فيه جميع عناصر الجهاد: بناء واستمراراً، من العقيدة والفكر، إلى الإيمان والعمل، إلى الخشوع والعبادة، إلى المال والاقتصاد، إلى الأسرة والترابط بين أعضائها، إلى المجتمع والتكافل الاجتماعي بين أفراده. ناهيك عما ورد من ذلك في بقية آيات وسور القرآن الكريم.

يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190). ويقول معها: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195) كما أنه يقول سبحانه: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (البقرة:221). وتحدثت السورة مطولاً عن الأسرة والعلاقات البيتية والاجتماعية. وقد تعهد النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعه بهذه الأوامر الإلهية قولاً وعملاً، فتزوج أم سلمة أرملة صاحبه ذات الأيتام، وتزوج الأرملة الأخرى حفصة ابنة رفيقه عمر بن الخطاب. كما أنه حث الآخرين على أن يحذوا حذوه؛ فأعطت هذه التوجيهات الربانية، والتطبيقات النبوية ثمراتها الطيبة، وانعكست في المجتمع الإسلامي علاقات اجتماعية جديدة تشد من وحدة المجتمع، وتزيد من تلاحمه وانسجامه في نسيج واحد من الصعب على القوى الخارجية أو التفاعلات الداخلية أن تؤثر فيه، أو تفككه إلى وحدات متفرقة متنازعة. وبهذا استمر وجود ذلك المجتمع، وتواصلت حركة الجهاد دون انقطاع قروناً متطاولة.

يحدثنا التاريخ أن قبيلة بجيلة العراقية أعطت لمعركة (القادسية) الخالدة سبعمائة (700) من أبنائها. ما إن انقضت عدة نسائهم حتى تسابق رجال الجهاد إلى الزواج منهن طلباً للأجر وكفالة اليتيم التي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنها: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) وعقد بين سبابته الشريفة والوسطى! فلم ينته العام إلا وتزوجت الأرامل كلهن، ولم تبق واحدة منهن أيِّماً، وعددهن يزيد على سبعمائة! بهذا قامت سوق الجهاد، واستمرت حركة التاريخ الإسلامي.

نحن مدعوون اليوم في العراق – وغيره من البلاد المشابهة – إلى دعم فريضة الجهاد، وتدعيم وحدة المجتمع بالزواج من الأرامل، وإكرامهن، وكفالة أيتامهن؛ رعاية لحقوق الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم، ولم يمنعهم التفكير بحال عوائلهم وأسرهم وأبنائهم، والخوف من المستقبل المجهول بانتظارهم، من أن يضحوا بتلك الأرواح الطاهرة، ويبادروا إلى الدفاع عن شرفنا وأمننا وخبزنا وسيادة أوطاننا. وإن تباطأنا في ذلك، أو قصرنا فما جنينا إلا على أنفسنا؛ فإن الحي منا إذا نظر فوجد زوجة الشهيد بائسة منكسرة ، وولده متروكاً حزيناً، يتطلع في عيون الآخرين، وأسرته فقيرة معدمة، زهد في الأمة التي لا تقدر جهد العاملين، وانكفأ على نفسه، وصار يقول: “نفسي نفسي”، بدل ما كان يلهج ويقول: “أمتي أمتي”! وتعطلت فريضة الجهاد، وتبخرت تلك الخطب الحماسية، والتصريحات العاطفية، وكانت فتنة في الأرض وفساد كبير. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

آلية تنفيذ الفكرة

حتى نضع الفكرة موضع التنفيذ أقترح الصيغة العملية الآتية:

تنفذ الفكرة من خلال المؤسسات والوحدات الاجتماعية. مثل هيئة الوقف السني، هيئة علماء المسلمين، الحزب الإسلامي، مجلس علماء العراق، المؤسسات الأخرى، العشائر، منظمات المجتمع المدني، الهلال الأحمر… إلخ.

كل دائرة من هذه الدوائر تسعى في تزويج أرامل المنتسبين إليها، بعد القيام بإحصائية بسيطة تحصر فيها أسماء الأرامل.

تكوّن كل دائرة لجنة تابعة لها، تفرغها لمتابعة وتنفيذ هذا الموضوع، من حيث جمع المال والاتصال بالأغنياء، والقيام بوعظ المجتمع وتوعيته، وإقامة الروابط والصلات وتعريف المعنيين ببعضهم لعقد الزيجات.

وأنا كشخص له معرفة بمقاصد الشريعة أستطيع القول: إن هذا العمل البسيط العظيم لا يقل أجره اليوم في العراق عن أجر الجهاد، والإنفاق فيه. فيا باغي الخير أقبل؛ فوالله إنها الغنيمة الباردة التي تعدل في ميزان الحق غنائم لا ينالها إلا المجاهدون الصادقون (وَمَا يُلَقّاهَا إلا الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: