التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الأربعينية وما أدراك ما هيه !

get-2-2010-fahdtl51

كتب إلي الأخ أبو سارية فقال:

كنا صغاراً يوم كتب الشيخ طه كتابه الطريف (سياحة في عالم التشيع).

ما كنت أدرك أنني أعيش في لجة هذا العالم، وأنني في يوم من الأيام سأكون أحد شهوده! حقاً إن هذا التدين الدخيل تمثله الحقيقة البائسة التالية التي دار عليها موضوع الكتاب:

(دين في أمر العبادة والإحسان يقوم على التضييق والمشاححة بينما هو في أمور المال والجنس يقوم على التوسيع والمسامحة(!!.

في مكان آخر: (وهذه الزيارات يقترن بها اجتماع الجنسين من الشباب والشابات، بل هي فرصة ذهبية لتحقيق اللقاءات والإيفاء بالمواعيد ونيل (المراد)! خصوصا أيام وليالي مواسم المشي على الأقدام والمبيت على جنبات الطريق الطويل… اما لحظات الازدحام عند الطواف حول الضريح والمبيت فيه فحدّث ولا حرج حتى إن بعضهم يتقصد الطواف من أجل ذلك… و…..! واللطيف أنك تقرأ عند مدخل كل مزار عبارة “ممنوع دخول السافرات”)!!

واليوم – وقد رأينا هذا عين اليقين – أكتب للشباب والشابات، بل للرجال والنساء، من أبناء هذا العالم العجيب، هذه المدونة، التي ربما لم يظنوا في يوم من الأيام أنها ستكتب ويكونوا هم أبطالها من غير تزويق ولا تلميع، بل أُدون أفعالهم الغرامية وقصصهم الإباحية على ما هي عليه، مع التحفظ وانتقاء العبارات والتمنع الشديد؛ عسى أن تكون فيها عبرة، ومنها عظة، وقد كثرت في هذا الزمان العبر، ولكن…. حقاً كما قيل: (ما أكثر العبر ، وأقل المعتبرين)!

تحت ستار حب أهل البيت

الغريب أن هذه الوقائع ترتكب تحت ستار حب الحسين وشعار التمسك بأهل البيت! لقد ضحى الحبيب، فوجب أن يضحي المحب كما ضحى حبيبه، لكن بصورة أخرى أكثر تحضراً، ورقة ونعومة.. صورة ينتصر فيها الورد على السيف، والعطر على الرمح، وفيها تخترق السهام القلوب، ولكن برومانسية وعذوبة تتناسب والتضحيات الجديدة، ما دام الهدف واحداً ألا وهو التضحية! ونحن على طريقك يا (سيد الشهداء) والمضحين ماضون!

وأنا إذ اكتب بعض تلك (التضحيات) الجسام التي قدمها زوار أبي عبد الله الحسين في أربعينيته التي تتكرر على مدار الأيام والأعوام، أحمد الله سبحانه على أنه نور بصيرتنا بنور الإسلام وجعلنا من دعاة الهدى، وهدانا سبل السلام.

هذه (التضحيات) أو الحوادث التي سأقدمها معلومة لجميع العباد، لا سيما شهودها، وهم عامة أهلنا في جنوب البلاد. غير أني أكتبها للتوثيق، وليطلع عليها الآخرون، عسى أن يكون لهم فيها عبرة. وأنا لست سوى ناقل أمين، ومصور دقيق اختار بعض اللقطات لما يجري في الواقع الموبوء بتلك الحوادث والقصص، دونما زيادة ولا نقصان. بعضها شهدته بعيني، وبعضه سمعته ورويته مطمئناً إلى صحته؛ لأنه بلغ حد التواتر المعنوي.

في مقام الإمام زيد بن علي ..!

أحد الشرطة من حراس المقام المنسوب إلى الإمام زيد بن علي حدثني فقال:

في ليالي صفر وقبل الأربعينية بأيام، يمر بالمقام – كما هو معهود في زيارة الحسين وطقوسها الغريبة – أعداد كثيرة من الزوار للاستراحة من مشقة الطريق الذي قطعوه سيراً على الأقدام. في إحدى تلك الليالي سمعت صوتاً أشبه بالتأوه والنحيب قرب مولدة الكهرباء (الديزل) التابعة للمقام. أصخت سمعي.. إنه صوت امرأة..! قلت لنفسي: لعله أنين من تعب السفر؛ فلم أُلق إليه بالاً أول الأمر. بعد قليل اختفى الصوت هنيهة، ثم وجدته يعود مختلطاً بصوت خافت يهمس به رجل! ها؟! إذن وراء الأكمة ما وراءها!

تناولت عصاي الكهربائية، وصرت أتربص وأتقدم من مصدر الصوت شيئاً فشيئاً، حتى صاروا مني في مرمى دائرة النظر، فإذا أنا برجل قد أصعد امرأة على برميل الوقود (الكاز)….! أعوذ بالله! وبقية المشهد لا يصلح لأن يروى فضلاً عن أن يُشهد.

لم أتمالك نفسي لحظتها حتى وجدتني أمسك بالرجل من رقبته، وأنا أقول: ما هذا الذي تفعله يا ابن الفاعلة؟! فأجابني بكلمات مشوشة مرتبكة لا رابط بينها! قلت له: اسكت، ورحت أسبه وأضربه. وعلى الجلبة والضوضاء حضر بعض أفراد الشرطة. كنت المسؤول عن حماية المقام، فأمرتهم بالتفريق بين الرجل والمرأة، والإتيان بهما إلى غرفة التحقيق. قال الرجل: (دخيلك) استر علي. فقلت له: أين تسكن؟ قال: أنا من النجف وأسكن في حي النصر. قلت له: من هذه المرأة؟ قال: هي من أقاربي. وجهت إلى المرأة السؤال نفسه فكان جوابها: هذا زوجي. فقلت لها: أين يسكن؟ فقالت بارتباك: في الكفل. فقلت لها: كذبت إنه من النجف. وبعد التهديد والتخويف اعترفت بالحقيقة، وتبين أنها تعرفت عليه في الطريق الطويل لأداء زيارة الأربعينية. بعدها أخذناهما إلى مركز الشرطة وسلمناهما إليه.

عند مرقد الإمام القاسم

ذكرت هذه القصة لصاحب لي ضابط في الجيش الجديد، الذي صار عمله يشبه عمل الشرطة، فقال لي: على رسلك؛ فكم من هذه الحالات نشاهدها بحكم عملنا! وسأخبرك بحادثة شهدتها بمدينة القاسم في حمامات المرقد. احتجت إلى دخول الحمام في الساعة الرابعة إلا ربعاً صباحاً، وكان ذلك قبل زيارة الأربعين بثلاثة أيام. وقبل دخول أحد الحمامات تناهى إلى سمعي صوتان خافتان يصدران من داخل حمام قريب! وبدافع الفضول مددت رأسي من الفتحة العليا للحمام المجاور، وإذا أنا بشابين تولى أحدهما الآخر…..! ضربت عليهما الباب فلم يفتح، فأخذت أصرخ بهما وأتوعد حتى فتح الباب. ولا أقول لك بعد سوى أني وضعت رؤوسهم في المرحاض وأمرت الجنود بضربهم.

خيمة أم زمن

في إحدى الطرق المؤدية إلى كربلاء نصبوا خيمة مخصصة للنساء. ربما لا تعجب حين أقول لك: إن صاحبة تلك الخيمة امرأة تدعى (أم زمن)! ولك الحق في ذلك؛ فإنك لا تعرف صاحبة هذا الاسم الفني الشهير!

وما أدراك ما ومن (أم زمن)!

أم زمن هذه خرّجت أجيالاً من الزناة. إنها علم من أعلام الدعارة! بل هي مدرسة، ومُدرِّسة تمارس دورها في تلك الدهاليز المظلمة مع الرعاء والعراة. وفي خيمة (أم زمن) تلك، وفي تلك (الأرض المقدسة) عند القوم، وتلك الأيام المفضلة تُأتى المنكرات، وباسم الدين! فهناك شابات جاهزات للمتعة والمداعبات، وعلى النحو الذي يستلطفك ويزيدك رغبة ونهمة. وفي وسط هذه الأجواء تسمع منادياً ينادي: هناك مكان لمبيت النساء!… .

في رحاب الحسينية

كنت ليلة أسمر مع والدي، بعد أن عاد من عمله في سياقة سيارة أجرة متعباً، وجرنا الحديث إلى موضوع (الأربعينية) حدث الساعة، فأخبرته أني كتبت موضوعاً عن هذه المهزلة، وأدرجت فيها قصصاً واقعية. فقال: اسمع هذه الحادثة التي وقعت أمامي قبـل يومين، أي في يوم 17/صفر.

قال والدي: استوقفني سبعة شباب معهم خمس بنات: اثنتان منهن ترتديان نقاباً. صعدت البنات معي بينما انصرف الشباب لاستئجار سيارة أخرى. وأثناء الطريق سألت الفتيات: إلى أين الوجهة؟ فأجابت إحداهن: لا ندري، اسأل الشباب الذين في السيارة الأخرى. فاقتربت من سيارتهم وسألتهم: إلى أين أوصل الفتيات؟ قال أحدهم: إلى حسينية (كذا) في حي (كذا) (في مدينة بابل). أثارت هذه التصرفات الريبة في نفسي. لم يكن أمامي إلا أن أستدرج الفتيات لأعرف ماذا يجري؟ قلت: هل أنتن ضيوف؟ قلن: بلى. قلت: ومن أين جئتن؟ فأجبن: نحن من مدينة الكوت وقد جئنا لزيارة الأربعينية. قلت: ولماذا الذهاب إلى الحسينية؟ فأجابتني إحدى الفتاتين المنقبتين: للراحة والصلاة، ثم نكمل بعدها مشوار المسير إلى كربلاء.

يقول والدي: وما إن وصلنا إلى الحسينية حتى رأيت أحد الشباب – وكان وجهه والله كأنه وجه شيطان – يفتح باب الحسينية ويدخل الجميع إلى رحابها (الطاهرة). ثم أوصدوا الباب خلفهم!

تركتهم وعدت وأنا أفكر: لا بد أن وراء المشهد قصة أخرى!

وفي الطريق عرجت على سيطرة للشرطة فيها أحد أصدقائي، الذي تربطني به علاقة قديمة أيام كنا جنوداً في الجيش السابق. انتحيت به جانباً، لأخبره بما رأيت. وعدني خيراً وانصرفت. وفي اليوم التالي مررت به وأنا متشوق لمعرفة جلية الأمر. وما إن ألقيت عليه التحية حتى بادرني بالجواب، وقبل أن أحرك شفتي بالسؤال! وهو يقول: هل علمت ما شأن أولئك الشبان والشابات؟ قلت: وما أدراني؟ قال: توجهنا إلى الحسينية واقتحمناها بسرعة خاطفة، فوجدنا الجميع وهم يؤدون طقوس الزنا على أبشع ما يكون..! تصور….! كانت اثنتان من الفتيات باكرتين، وقد أزيلت بكارتهما!

ألقينا القبض على الجميع، وسقناهم إلى مركز الشرطة لإجراء التحقيق. وهناك اكتشفنا أن الفتيات تعمدن القيام بحركة تمويه مع أهلهن كي يتهن منهم في الزحام، وهكذا كان، ليتمكن من تنفيذ مآربهن مع هؤلاء الشباب.

وما خفي أعظم

هذه لقطات سريعة، وحوادث بسيطة، وما خفي أدهى وأشر. وبعضها لا يمكننا روايته وتصويره على حقيقته؛ لحساسية الموضوع وخصوصيته. نحن نعيش بينهم ونرى ما نرى من أفعالهم ودناءتهم التي يرتجف القلب من ذكرها، وتقشعر الأبدان من رؤيتها. ويا للخسة!

إنها ترتكب باسم أهل البيت رضوان الله عليهم!!!

هل ترى ما نراه بأم أعيننا من تغامز بين الجنسين أثناء الطريق، وتطاير لأرقام التلفونات، وما نسمعه منهم لساناً عياناً؟ يقول أحدهم لصاحبه: إنه ذهب مشياً على الأقدام ثلاث مرات، لماذا؟ لأنني صادقت ثلاث بنات في كل مرة واحدة، وفعلت كذا وكذا. ناهيك عن الحبوب المخدرة، والتي يضعونها في قطع الحلوى والشكولاتة.

هل ذا دين ؟ أم هو مؤامرة على الدين ؟! وهل تعلم أن هذا الذي يجري كله من ألاعيب أهل العمائم؟ وأن سادة القوم هم من يأمرهم ويشجعهم، بل ويبذلون كل طاقاتهم لإيقاع أتباعهم وأشياعهم في هذه المحرمات الموبقات. ويستغلون نصوص الدين الثابتة والمخترعة أبشع استغلال، ويستغفلون الناس إلى أبعد الحدود، ويأتونهم من باب غرائزهم ليوقعوهم فيما نصبوا لهم من شراك، وصدق الله إذ يقول: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (النجم:23). ويقول: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ) (الأعراف:51). ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19).

وما تركوا وسيلة إلا وسلكوها في سبيل إيقاع أتباعهم في هذه الهاوية. هل هناك وسيلة أخطر من أن يقال لهذه الجموع المتعطشة المتلمظة: إن زيارة الإمام تغفر الذنوب جميعاً وزيادة! حتى صارت المراقد والمقامات أماكن مفضلة لممارسة كل ما تشتهيه الأنفس (وبالطريقة التي تعجبك). ففي كل ليلة من ليالي محرم وصفر تهتك الأعراض، وتسدل الأستار ليختلي (أحباب الحسين وأتباع أهل البيت) تحت ضياء القمر وتلألؤ النجوم، ليفضي كل طرف ما في داخله إلى الآخر من عواطف وغرائز وهموم.

فهنيئا لأولئك الزوار بمرادهم…! وهنيئا للآباء والأمهات بأبنائهم و…… بناتهم!!!

ترى….!

لو كان كاتب حكايات (ألف ليلة وليلة) قد عاش ليشهد هذا الزمان، ويحضر هذا المكان، هل احتاج إلى أن يجشم خياله عناء السفر إلى الهند والسند وجزر بحر الظلمات وأرض الواق واق ليكتب ما كتب؟ كان يكفيه رحلة واحدة، وجلسة واحدة لتأتيه القصص والحكايات إلى حضنه، والرؤى والخيالات الحقيقية إلى عينه. ولكتب لنا مليون قصة وقصة، ومليون ليلة وليلة! ولما وجدت شهرزاد فرصة لتسكت عن الكلام المباح، وإن أدركها ألف صباح وصباح.

12 صفر 1429

رواية الأخ أبو سارية

صياغة وإخراج الدكتور طه حامد الدليمي

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: