مقالات

نحن والفرس من يتجنى على من ؟ (1)

يرى بعض الفضلاء – خصوصاً بعد صدور كتابي (التشيع عقيدة دينية أم عقدة نفسية) – تهجماً منا بغير حق، وتجنياً على الفرس يستدعي المراجعة، ويبرز أمام نقدي لهذا الصنف من أمم الأرض جملة اعتراضات تتلخص في أن الفرس أمة كبيرة منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وكان لها تاريخ عظيم في خدمة الاسلام لا سيما في مجال العلم، ولا يزال كثير منهم سنة في أفغانستان وطاجاكستان وبعض مناطق إيران. وليس من مصلحة المسلمين إضاعة إخوانهم وتركهم للرافضة، بل السعي لهدايتم ونصحهم هو المطلوب.

ويضيف بعضٌ آخر من الإخوة جملة ملاحظات تتلخص في:

  • أن نسبة التشيع إلى الفرس تعني أن التشيع أصلاً خرج من الرحم الفارسي، بينما هو يرى أن أصل التشيع مأخوذ من اليهود على أساس أن أول من ابتدعه عبد الله بن سبا اليهودي.
  • أن إيران كانت قبل مجيء الصفويين سنية على مذهب الشافعي، وأن إسماعيل الصفوي لم يكن فارسي الأصل، ومع هذا كان من أشد الناس فتكاً بأهل السنة.
  • أن لدينا بعداً قومياً في الطرح، وأننا بذلك نحول الصراع مع الشيعة إلى صراع قومي ضد الفرس فقط دون بقية القوميات.

وأنا إذ أشكر لأصحاب هذه الآراء نصحهم وغيرتهم، وحرصهم على الحق، وتوخيهم الحقيقة؛ فإن هذه هي أخلاق المسلم، وخصال الفتوة العربية الأصيلة! التي – ويا للأسف! – طالما أتانا الأعداء من قبلها، واخترقوا صفنا تحت عباءتها: أقول: لقد عايشت الشخصية الشيعية ميدانياً، ودرست أمها الشخصية الفارسية بعمق، وتوصلت إلى نتائج خطيرة، بل هي غاية في الخطورة والأهمية، لا أرى إمكانية لعلاج معضلة التشيع الفارسي من دون معرفتها أو وضعها على طاولة التشريح والتشخيص. تتلخص هذه النتائج في أن النفسية الجمعية للشخصية الشيعية الفارسية تعاني من تركيبة متشابكة من العقد لم تجتمع كماً ونوعاً في شخصية أخرى كما اجتمعت في هذه الشخصية. وسجلت ذلك في دراستي المعمقة (التشيع عقيدة دينية أم عقدة نفسية؟). فأنا صاحب اختصاص في الموضوع، وصاحب الاختصاص يرى في موضوع اختصاصه ما لا يراه غيره ممن لم يتفرغ له كتفرغه، وهو فرق جوهري بينه وبين الآخرين. ورؤيتي المختلفة هذه هي أحد الفروق الاختصاصية، ولا أريد في مقابلها إلا الوقوف عند هذه الحقيقة قبل التسرع بردها؛ حتى لا يغمط صاحب الاختصاص حقه، أو نظلم العلم مستحقه.

وجوابي عن الإشكالات المثارة ألخصه في النقاط التالية:

  1. لكل شعب خصائصه وأخلاقه .. والاستثناء للبعض من أفراده وارد

ينبغي أن نضع في بالنا أننا إزاء أخلاق شعوب، وصفات أقوام، وخصائص أمم. إن لكل شعب خصائص وصفات لا تجتمع في سواه. على أن هذه الأخلاق – وإن توفرت في المجموع – ربما تخلفت في الأفراد قلوا أم كثروا. فمن المؤكد جزماً أن في كل أمة أفراداً يخرجون عن الوصف العام للأمة. فرب انجليزي في أصله تجده عربياً في خلقه، وعربي في أرومته تجده عجمياً في سلوكه. والله تعالى حين ذم أهل الكتاب استثنى فقال: (لَيْسُوا سَوَاءً) (آل عمران:113). وقد حمل القرآن العظيم حملات شديدة على اليهود في دينهم وأخلاقهم وتاريخهم وأفعالهم في حاضرهم وماضيهم. ومع ذلك قال عنهم: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف:168). فوجود مجاميع على صفة مغايرة لصفة عموم الأمة لا يبدل وصفها، ولا يغير من الكلام أن يخرج بصيغة العموم عنها. وهذا هو أسلوب الخطاب في لغة العرب، فلست بدعاً في استعماله، ولا أستطيع – ولا غيري – سواه. والناقد لا بد يوماً أن يكون ذم النصارى أو الأمريكان أو الانجليز أو الروس بصيغة العموم، بل ربما تناول جماعات إسلامية بالذم بالأسلوب نفسه. والاعتراض الذي توجه به علينا يصلح أن يتوجه به إليه. لكنه اعتراض ضعيف ما دام التعميم لا يقصد به إلغاء الحالات المغايرة. وهكذا الحال مع الفرس، فليس كل الفرس فرساً في أخلاقهم، ولا كل العرب عرباً. فعندما نقول: الفرس كذا وكذا، فإن هذا من العام المخصوص.

2.صعوبة تغيير أخلاق الشعوب

إن أخلاق الشعوب وخصائصهم تمتاز بالثبات، وعدم الاستجابة السريعة للمؤثرات الخارجية التي تضغط باتجاه تغييرها، سواء كانت هذه المؤثرات ديناً أم مادة أم إعلاماً أم احتلالاً. فالشعب العربي مسلم، وكذلك الشعب التركي، والأفغاني أيضاً. وكل هؤلاء يقرأون كتاباً واحداً، ومصادر التشريع لديهم واحدة. ولكن هل استطاع الدين الواحد أن يغير من خصائص وأخلاق كل شعب من هذه الشعوب الثلاثة بما يزيل الفوارق بينها ويصهرها بحيث تبدو كأنها شعب واحد لا يمكن أن تقول من خلال السلوك الخاص: هذا عربي وهذا تركي وهذا أفغاني؟ أبداً، فقد ظل العربي عربياً في صفاته زينها وشينها، والتركي تركياً، وكذلك الأفغاني، وهكذا الشعوب جميعاً.

البشير يرقص

لقد دخل الإسلام إفريقيا فلم ينسلخ الزنوج من خصائصهم كزنوج، وإن طرأ عليها بعض التغيير. بل لم يتمكن شعب كالشعب السوداني مثلاً – وهو شعب غالبه عربي – من التخلص من ميله الطبعي كإفريقي للرقص، على العكس فقد طوع الشعب الدين ليتلاءم مع هذه الخصيصة فكانت الطرق الصوفية أفضل حل للمواءمة بين الشرع والطبع. العربي يمتاز بالكرم، والأوربي بالبخل والحرص: فهل الانجليزي أو الأسباني المسلم تمكن الدين من نقله إلى مستوى العربي في كرمه؟ بل العربي الذي يعايش هذه المجتمعات يبدأ بالتأقلـم معهـا.

انظروا – مثلاً – إلى الرئيس السوداني عمر حسن البشير بملابس الزنوج يرقص معهم، لم يمنعه منصب الرئاسة بما له من مكانة، وما يقتضيه من هيبة من ممارسة الرقص بهذه الملابس المضحكة بالنسبة لنا؛ لأن الطبيعة الإفريقية المحبة للرقص تفرض نفسها، والأهم من ذلك لا يمكن قيادة الشعوب إلا بما يتوافق وتقاليدها، ويتناسب وأخلاقها، ويساير طبائعها.

ويحاول تغيير طبيعته العربية بما يمكن شرعاً ويتناسب وأخلاقها. ما الذي يمكن أن يفعل الدين للكردي في عناده، والمصري في لينه، والبدوي في شدته، والعراقي في حدته؟ بل إن الشعب الواحد تتعدد أخلاق مكوناته من منطقة إلى أخرى. فكرم ابن الضلوعية لا يدانيه كرم ابن نينوى وإن كان كلاهما مسلمين. وتحضر الموصلي وانضباطه وطاعته للقانون لا يشبهه فيه الفلوجي. ولا تنس أنني أتكلم على مستوى العموم لا الأفراد. فالاستثناء الفردي وارد. نعم الدين يهذب ويصلح ويدفع باتجاه الخير، ولكن لا يغير خصائص الشعوب والأمم إلا بمقدار. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) رواه مسلم. وإذن تحول الفرس من المجوسية إلى الإسلام لا يلزم منه تحولهم عن أخلاقهم وخصائصهم كشعب. سيما وأن التاريخ يحدثنا أن هذا التحول لم يمر بفترة حضانة واختمار مناسبة تسمح لكثير من هذه الأخلاق أن تتغير على الصعيد الجمعي، على العكس من العرب الذين احتضنت بيئتهم بذرة الإسلام قرابة ربع قرن حتى نما وترعرع واستوى على سوقه، واستقر بينهم ليكون جزءاً من حياتهم.

إن تغيير أخلاق الشعوب وسلوكياتهم وعاداتهم أصعب من تغيير أفكارهم وأديانهم، بل تغيير أشكال لباس شعب من الشعوب أصعب من تغيير دينه ومعتقده! فكيف بأخلاقه؟! إن الأخلاق أعمق غوراً وتغلغلاً في دخيلة النفس من الفكر والمعتقد، هذا على المستوى الفردي، فالأمر على المستوى الجمعي أعمق وأثبت وأصعب على التغيير. وقد جربنا ميدانياً تغيير عقائد الناس، فلما خبرنا أخلاقهم وجدناها لم تتغير إلا في ظاهرها بما يتناسب والتغيير العقائدي، أما في الباطن فما زالت على حالها الذي تكونت عليه بما يتناسب والمجتمع الذي نمت فيه وتغذت على مؤثراته ودوافعه.

3. الشعب الفارسي أكثر الشعوب استعصاء على التغيير

فكيف إذا أضفت إلى ذلك أن الشعب الفارسي هو أكثر الشعوب استعصاءً على التغيير، وأن كل الأمم التي غزت بلاد فارس واستوطنتها تغيرت بما يتوافق وطبيعة أهلها، وليس العكس؟! وإليك هذا الشاهد ملخصاً من كلام باحث فرنسي متخصص في شؤون الساحة الإيرانية. كان صديقاً للشاه والدكتور مصدق، هو أدور سابيليه في كتابه (إيران مستودع البارود) تحت عنوان (إيران من الجانب الآخر):

“إن هضاب إيران المرتفعة طالما خضعت أراضيها إلى نير الاحتلال الأجنبي ، ولا تزال تتردد فوق أراضيها أصداء وقع حوافر الفرسان الطورانيين والمقدونيين والعرب والمغول والأتراك والأفغان، غير أن حضارتها لم تتوقف عن مواصلة سيرها. كانت إيران تشبه أشجار الحور البيضاء في تبريز تنحني أمام العواصف ولكنها لا تتحطم. وكان الغزاة يتأثرون بهذه القيم الحضارية للبلاد المحتلة ويحاولون الإفادة منها. وفي حوالي القرن السابع انهارت الإمبراطورية الساسانية في الداخل عند الفتح العربي وأصبحت إيران ولاية تابعة للخلافة بعد فرض العقيدة الإسلامية في كل البلاد. وبدا لأول وهلة بان الفكر الفارسي قد طمست آثاره ولم يعد له وجود أو استمرار في هذه المرة. ولكن الحقيقة لم تكن كذلك. وأخذت الثقافة الفارسية تتسلل إلى داخل البيئة الإسلامية حتى أصبحت هذه الثقافة وكأنها جزء من الفكر الإسلامي. وعلى خلاف الشعوب الأخرى لم يمتزج الفرس بوشائج الصلة الوثيقة مع العرب حملة الراية الإسلامية، بل حافظ الفرس على شخصيتهم الذاتية حتى في ظل الإسلام. ففي مقابل المذهب السني الشائع بين العرب اخترعوا المذهب الشيعي. وعندما كان مجموع المسلمين يخضعون لسلطان الخليفة فان الإيرانيين اتخذوا من المذهب الشيعي ذريعة لمناهضة شرعية الخلافة باعتبار عدم جواز الإمامة إلا حصراً بسلالة علي. واستعان الفرس بالتكتل الشيعي لتحقيق مآربهم. إن الفرس مسلمون، ولكنهم يختلفون عن المسلمين الآخرين. ومن هذا المنطلق استطاعوا الاستمرار على تحصين أنفسهم ضد الانصهار. لقد اتبع الإيرانيون التعاليم الدينية التي جاء بها العرب (الأجانب) الفاتحون، ولكنهم لم يلبثوا أن أجروا عليها التعديلات لكي يجعلوها ملائمة لأهوائهم وتقاليدهم. إن الفتح وفرض السيطرة لم يغير من الطبيعة الذاتية للشخصية الفارسية. إن الشعب الإيراني لا يتقبل بسهولة تغيير ما ألفه في حياته اليومية من تقاليد تمتد جذورها إلى ما قبل خمسة آلاف سنة”. إ.هـ.

إن الغدر طبع فارسي قال عنه الفاروق: “احذروا الفرس فإنهم غدرة مكرة”. فكيف يمكن تحويل شعب بكامله عن هذا الخلق الأصيل المتأصل في طبيعته؟ لقد دخل الفارسي الإسلام وفي طبعه هذا الخلق، واستمر وهو عليه. وكذلك بقية الأخلاق والخصائص والصفات: الحقد الأسود، الرغبة بالانتقام، التعصب، التعالي والاستكبار، الشك، الخداع، الصفاقة والوقاحة، نكران الجميل، العدوانية، الكذب والنفاقية، الشعور العميق بالمظلومية، العقلية الخرافية. كيف يمكن اقتلاع هذه الخصال من طبيعة شعب راسخة فيه منذ آلاف السنين؟! لا يتصور ذلك ممكناً إلا من خانته الرؤية العلمية للموضوع. نعم ربما خفف الدين من غلواء هذه السجايا عند بعض الأفراد، أو انمحت منهم تماماً فحملوا الرسالة بصدق وإخلاص ومودة ووفاء، أما على المستوى الجمعي للمجتمع فواهم جداً من تصور أن هذه الأخلاق قد زالت من طبيعة الشعب الفارسي. إن طبائع الشعوب تبقى عصية على التغيير إلا بنسب ضئيلة غير مؤثرة. إلا إذا افترضنا أن الشعب المعين تهيأت له مؤثرات وحواضن خاصة واستمرت عصراً طويلاً، وكان الشعب سهلاً قابلاً للتغير. وهذا ما لم يحصل لبلاد فارس. ومع الأسف فالعكس هو الحاصل بالنسبة للفرس حتى أعْدَوا غيرهم من الشعوب التي عايشتهم واختلطت بهم، فكانوا ناقلين لجراثيم المرض بدلاً من أن يتعافوا هم منها.

4. تاريخ الفرس تاريخ تآمر على الأمة

بعد كل هذا يمسي الحديث عن كون شعوب إيران كانوا في حقبة معينة من أهل السنة يتبعون المذهب الشافعي، أو لا مذهب لهم: حديثاً لا قيمة له في المعادلة سوى أنه مجرد إشكال فرعي يحتاج إلى تفسير وتوضيح لا يهم أن نصيب فيه أو نخطئ، لا نقطة اعتراض جوهرية لا يمكن التسلسل في الكلام قبل تجاوزها. خصوصاً إذا استحضرنا عنصر التاريخ لنجد أن إيران طيلة هذه الحقبة لم تهدأ ثائرتها في التآمر على الأمة، أو في سبيل البحث عن وسيلة للخلاص من الارتباط بها والتبعية لها. فبعد سنتين من معركة نهاوند وزوال الدولة الفارسية قتل الفرس أمير العرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد رجلهم أبي لؤلؤة فيروز النهاوندي صاحب المزار المشهور المنسوب إليه في مدينة كاشان الفارسية. وبعد سنوات معدودات أثار العجم فتنة عمياء قلبوا بها نظام الحكم وقتلوا رأس النظام محاولين أن يكون خلفه مجرد واجهة لتنفيذ إرادتهم، وسرعان ما ألحقوه بصاحبه في مؤامرة استهدفت قادة العرب الثلاثة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص إضافة إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنهم جميعاً. وكانت عناصر التنفيذ الثلاثة كلهم فرساً من الموالي المتسترة بالإسلام. وقد ثارت فارس على حكم علي في فترة حكمه على قصرها ثلاث مرات، ولم يتمكن من ضبطها إلا بعد أن ولى عليها زياد بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وهكذا لم يقر للفرس قرار حتى قضوا على دولة الأمويين في المشرق، ثم استمرت مؤامراتهم تترى حتى ارتكبوا الجريمة العظمى بإدخال المغول إلى عاصمة دولة الإسلام وقضوا بذلك على الخلافة. والمسلسل مستمر إلى اليوم. والسؤال هنا: هل كان الفرس في تلك الأزمنة سنة أم شيعة؟ صفويين أم فرساً؟ هذا كله وغيره حصل في زمان إيران السنية، وقبل مجيء الصفويين بقرنين ونصف! فأين كان سنة الفرس من هذه الأحداث العظام والخطوب الجسام؟

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: