التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

نحن والفرس من يتجنى على من ؟ (4)

34537 4324343 get22007cs9znmp4bw1 imيث

  1. الفرس هم مخترعو التشيع الفارسي ومنظرو فكرته وحملة رايته

أما القول بأن مخترع التشيع يهودي هو عبد الله بن سبأ، وليس فارسياً، ففيه مجازفة وتبسيط للأمور إلى حد كبير. فعبد الله بن سبأ – إضافة إلى يهوديته – فارسي من بقايا الفرس الذين كانوا يحكمون اليمن قبل الإسلام بعد أن استنصر بهم سيف بن ذي يزن لطرد الأحباش والخلاص من الوصاية الرومانية. ثم إن الفرس لم يكونوا ينتظرون ابن سبأ ولا غيره حتى يبدأوا مؤامرتهم ويواصلوا السير بها قدماً. إنما كان لهم منهجهم وبرنامجهم وجهودهم الخاصة. ابن سبأ واحد من أفراد فريق فارسي كبير. ولو افترضنا أن هذا الرجل لم يخلقه الله فإن حركة التآمر الفارسية موجودة به وبغيره. وهذا لا ينفي ولا يمنع استفادة الفرس من كل جهد من سواهم يخدم قضيتهم. لقد حمل الفرس لواء التآمر على دولة العرب والمسلمين، وسخروا كل طاقاتهم في هذا السبيل، وأبسط وأوضح مثال على هذا المصادر الأساسية الأربعة التي عليها مدار التشيع: فإن مؤلفيها الثلاثة جميعاً من الفرس: الكليني والقمي والطوسي. وكانت جهود الفرس في هذا المجال ظاهرة متميزة حتى عرف التشيع بهم وعرفوا به.

2. لا بد من إدخال عنصر العروبة في معادلة الصراع مع التشيع الفارسي

أما إشكالية البعد القومي في الطرح، وتحويل الصراع ضد الشيعة إلى صراع قومي ضد الفرس، فجوابي عنه ما يلي:

أنا لا أسمي هذا بعداً قومياً، وإنما بعداً عروبياً؛ لأن التسمية الأولى فيها إيهام بأن المتحدث ينطلق من أساس قومي، بينما أنا أنطلق من أساس ديني إسلامي. والعروبة من الإسلام، وكره العرب نفاق وزندقة. وقد بينت نظرتي إلى العروبة في مقالة مطولة موجودة في إرشيف موقعنا (القادسية) أسميتها (العروبة بين المضمون الإسلامي والمضمون العلماني). ولشيخ الإسلام كلام دقيق في العرب والعروبة في كتابه (الاقتضاء)، كما أن للإمام حسن البنا نظرته الدقيقة للعروبة، والتي لا تختلف عن نظرة شيخ الإسلام، وأنا على دينهما في هذا الموضوع. مع علمي أن عموم الإسلاميين الذين جاءوا بعد البنا كانوا قاصري النظرة بالنسبة للعروبة، بعضهم وقع في الفخ الإيراني ترغيباً وترهيباً، انفعاليين في علاقتهم مع القوميين، وأن القوميين في نظرتهم للفرس أدق وأصح وأصوب. وأنا أعتبر نفسي أخذت بحسنة هؤلاء وحسنة هؤلاء. إن صراعنا مع الشيعة في جانب منه صراع بين فرس وعرب، وليس بين مسلمين ومجوس فقط. فالفرس يحاربوننا كعرب كما يحاربوننا كمسلمين؛ فإخراج العنصر القومي من المعادلة تقصير فاضح لا تنجح المواجهة معه. وهذه الحسنة التي تميزت بها طروحاتنا هي التي توهم القارئ العجل بأنني قومي الوجهة، وذلك لأن الطروحات الدينية للحركات (الإسلامية) تخلو منها فيظهر الفرق، ومنه ينبع الوهم. لقد كان التقصير في هذه الناحية في أوساطنا الدينية إلى حد أن إخواننا الناصحين يتحسسون أي إشارة إلى فضل العرب والدفاع عن العروبة، ويعتبرون ذلك اتجاهاً قومياً في التفكير، في الوقت الذي يدافعون فيه عن الفرس، ولا يرضون الإشارة إلى عللهم وخطرهم على الإسلام والمسلمين، والعروبة والعرب والعراقيين! دون أن يشعروا بهذه الشعوبية التي تغلغلت في غفلة منهم إلى نفوسهم فصاروا مدافعين عن الفرس، كارهين للدفاع عن العرب!

 

3. فقهنا ينطلق من واقع مؤلم لا نظريات مجردة

أخيراً أقول: إنني أنطلق في حديثي عن التشيع وعلاقة الفرس السيئة به من واقع مؤلم ندوس فيه على الجمر، ولست واعظاً تقليدياً لا أعرف ما قضيتي، كل ما أبغيه إثارة حماس السامعين فأبرز شيئاً وأخفي غيره حسب متطلبات الحال، ولا أنا في مجلس صلح يجوز لي فيه الكذب والمعاريض من أجل الإصلاح. إن زعل هذا وعدم رضا ذاك لا يغير من الحقيقة شيئاً، الحقيقة التي يجب أن ندركها كما هي لا كما نريد ونشتهي، بعد إجراء حسابات ربح وخسارة، فنقول ما يفرضه الموقف من قول، لا ما تفرضه الحقيقة وتنطق به الوقائع.

إن الشعب الفارسي – على رغم ما يمكن أن ينسب إليه من حسنات بحق أو بباطل – هو أكثر شعب على وجه الأرض تآمر علينا نحن العراقيين وما جاورنا من العرب كالأحوازيين، وآذانا وسبب لنا من الكوارث والمواجع والمقاتل والاحتلالات المتكررة منذ فجر التاريخ وما قبله بآلاف السنين وإلى اليوم. والمنطق والعقل يفرض عليّ أن أبحث طويلاً في السر الذي جعل هذا الشعب يتصرف معي هكذا، وأتأمل كثيراً في سبل دفع الضرر الحاصل تجاهي من شعبٍ هذه هي نوعية العلاقة الرابطة بينه وبيني، قبل أن أفكر في كيفية الاستفادة منه. والشرع الحكيم يقدم دفع المضرة على جلب المنفعة. ناهيك عن أن يستبد بي الذوق الناعم الرفيع فأفكر وأديم التفكير في أعلى (أتكيت) أتصرف على أساسه حتى لا أجرح شعور شخص ينتمي إلى هذا العرق، لم أجده سعى لرفع سكينة أخيه عن رقبتي، أو حاول رد سفهاء قومه عني! ليفكروا بي أولاً حتى أمنحهم جزءاً من وقتي أفكر فيه بشأنهم، وأداري رقة مشاعرهم.

فإن تدنُ مني تدنُ منكَ مودتي وإن تنأَ عني تلقَني عنكَ نائيا

ألسنا – نحن أبناء هذا الجيل – نذبح منذ أن فتحنا أعيننا على الحياة سنة 1980 على يد الفرس وإلى اليوم؟ فأين أولئك الفرس المنصفون الذين ينبغي أن يفكروا بمصيبتي، ويرفعوا أصواتهم بالنكير على أبناء جلدتهم من أجلي؟ تقول لي: مغلوبون على أمرهم؟ وأقول لك: كلامي عن الغالبين وليس عن هؤلاء المغلوبين. لقد بلغت جرائمهم معي حداً لا يمكن السكوت معه من أجل حفنة غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع. فبحثي عن أسباب هذه المصيبة الغائرة في أعماقي كعراقي ينطلق من هذه الحقيقة، ولست باحثاً أكاديمياً عنده فائض وقت يريد تبديده في بحث علمي باعثه الترف.

على أنني أقول: لسنا اليوم في مرحلة التفكير في كسب الآخرين وضمهم إلى صفنا، بقدر ما نحن في مرحلة إيجاد هذا الصف وتقويته وتحصينه، واستغلال طاقاته، ومن شرط نجاحنا في مهمتنا إبراز العدو الحقيقي في الساحة التي نتحرك فيها، وتسميته باسمه الصريح. وبغير هذا لا يمكن للطاقات أن تتفجر، فضلاً أن تكون في اتجاهها الصحيح نحو هدفها السديد. عندها فقط يصح منهجياً التفكير في استغلال طاقات الغير أو مداراتهم كسباً لهم أو تجنباً لإثارتهم. إن الوهم بأننا في مرحلة الكسب خطأ ستراتيجي خطير هو أهم معوق في طريق نهوض أهل السنة ولملمة صفوفهم، وسببه التثقيف (الوطني) الذي مارسه المنبر السياسي والديني على مدى الأجيال المتأخرة في زمن الهزائم المتلاحقة، ويجد صدى وقبولاً لدى البعيدين عن معايشة الميدان، ولدى أولئك الحالمين وغير الواقعيين وإن كانوا في داخل المعمعة بسبب من تلك الثقافة البائسة. إننا ما زلنا نعيش وهم التصرف على أساس أن أمة واحدة موجودة في الواقع، وأننا في زمن دولة الخلافة الجامعة لكل الأمم والشعوب. بينما هذا كله لا أثر له خارج الذهن. فالعمل على أساسه كواقع لا يزيدنا إلا خسارة وابتعاداً عن الهدف. لا بأس أن نحلم ونطمح، لكن من دون أن نبني طابوقة واحدة على حلم لا وجود له إلا في عالم الخيال. إذا عشنا أحلامنا كحقيقة من أجل تغيير الواقع سيأتي يوم يمسي فيه ذلك الواقع الذي لم نكن راضين به حلماً نتمناه ولا نلقاه. لسنا في مرحلة كسب الغير، وإنما نحن في مرحلة تكوين الذات، وهي مرحلة تحتاج منا أن نلتفت إلى الداخل فنبنيه. مرحلة لا نحتاج فيها ضرورة إلى جهود الآخرين؛ لأنها أساساً غير قابلة للتوظيف؛ لعدم وجود الدولة الجامعة، فضلاً عن كونها غير ضرورية، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

وأخيراً يذكرني قول أخي الناصح الذي أوردته في بداية المقال: “إن الفرس أمة كبيرة منهم الصالحون ومنهم دون ذلك” بقوله تعالى عن اليهود: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف:168). والراجح أنه استورد هذا الوصف من هذه الآية. فأقول: مع كون اليهود على الوصف المذكور المشترك، لكن وجود الصالحين فيهم لم يمنع القرآن من القسوة في ذمهم، والإيغال في بيان مخازيهم، وفضح أخلاقهم، وبيان عقائدهم وعقدهم، والتشديد في التحذير منهم. وكذلك نحن فاعلون حتى يكف (الصالحون) عنا سفهاءهم، وما هم بفاعلين. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: