التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

في ذكرى الاحتلال السادسة سورة (الحشر) بين البشارة والنذارة (1)

لم يكن أقرب إلى قلبي في أيام الاحتلال الأولى، التي كانت تجثم على صدورنا ثقيلة، وتمر بنا متثاقلة بطيئة، من ثلاث سور من القرآن الكريم: (الحشر)، و (الشرح)، و (الفيل). فكنت أقرأها مردداً، ومتأملاً، ومؤملاً. وأنصح بحفظها وتلاوتها والاستبشار بها، والاطمئنان إلى وعدها: كيف؟ لا أدري. ومن هنا كنت أقول: (الحشر).. نعم الحادي في طريق التحرير! وما وجدت ألذ من (ألم.. وألم..) في الجزء الأخير!

wh_27433711

كل التحليلات كانت تقول: لقد جاءوا ليبقوا عشرات السنين. يا إلهي….! وسنبقى على هذه الحال سنين وسنين، ونحن نعدها بالأيام، ونعيشها بالدقائق، ونتجرعها باللحظات؟! وأتطلع إلى الأفق المنظور فأرى ومضة بندقية فيشرق لها وجهي، وأعود إلى الأفق المسطور فأتلو: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) فيطمئن بها قلبي. وأسأل بيني وبين نفسي: كيف؟ ولا أدري!

في ذكرى الاحتلال السادسة تغيرت الأمور كثيراً. لقد بدأت الظنون تتمزق، والحصون تتهدم. نعم لقد (أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)! وقبل أيام قليلة أعلن الانجليز رسمياً، وهم أقوى وآخر حلفاء الأمريكان، الانسحاب من العراق! ورئيس وزرائهم في طوره لإجراء تحقيق مع سلفه حول مبررات ومشروعية دخوله هذه الحرب الخاسرة!

من كان يظن ذلك؟!

من البداية

يقول تعالى في الآية الثانية من السورة: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ). من الذي أخرج هؤلاء؟ الله! ومن الذين أُخرِجوا؟ الذين كفروا من أهل الكتاب، وهؤلاء هم بنو النضير، رهط من اليهود من ذرية هارون، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظاراً منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر غدروا به بعد أن عاهدوه، وصاروا عليه مع المشركين، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم حتى رضوا بالجلاء. فكانوا أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلي آخرهم في زمن عمر بن الخطاب. فكان جلاؤهم أول حشر من المدينة، وهو معنى قوله تعالى: (لأَوَّلِ الْحَشْرِ) واللام في (لأول الحشر) لام التوقيت كقوله: (لدلوك الشمس).

(مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) ما ظننتم أيها المسلمون أنهم سيخرجون من ديارهم؛ لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون مانعة وعقار ونخيل واسعة، وأهل عدد وعدة([1]). (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) وهم ظنوا ذلك أيضاً. (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) من حيث لم يخطر ببالهم أنه يأتيهم أمره من تلك الجهة. أتاهم من داخل أنفسهم! لا من داخل حصونهم! أتاهم من قلوبهم فقذف فيها الرعب (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، ففتحوا حصونهم بأيديهم وأراهم أنهم لا يملكون ذواتهم، ولا يحكمون قلوبهم، ولا يمتنعون على الله بإرادتهم وتصميمهم! فضلاً على أن يمتنعوا عليه ببنيانهم وحصونهم. وقد كانوا يحسبون حساب كل شيء إلا أن يأتيهم الهجوم من داخل كيانهم، فهم لم يحتسبوا هذه الجهة التي أتاهم الله منها([2]). (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) فقد صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل، فكانوا يستحسنون الخشبة أو العمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم، أو يخربونه عمداً حتى لا يقع في أيدي المسلمين. (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) إذ كانوا يرمونهم من الخارج بما يسبب في الداخل هدماً وخراباً، وكانوا قد هدموا وخربوا بعض الجدران التي اتخذت حصوناً في أيام الحصار أيضاً. (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) فاتعظوا وتدبروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل العقول والبصائر. والاعتبار هو النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها. فمن فعل مثل فعلهم ناله مثل ما نالهم.

(وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) فهم بين عذاب بالقتل – كما حصل لبني قريظة بعد ذلك – والجرح والخوف وخسارة المال والسمعة والمكانة، أو جلاء وخروج. وهذا ما حصل للأمريكان ومن أعانهم من الانجليز وغيرهم. هذا (فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ). لماذا كل هذا؟ (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) والمشاقة أن يأخذوا لهم شقاً غير شق الله، وجانباً غير جانبه .إذن هي المشاقة منهم لله ولرسوله بعدم الطاعة والميل مع الكفار ونقض العهد (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

هذه حال أهل الصلبان.. فما تقول سورة (الحشر) عن حال أهل النيران؟

بين أهل الصلبان وأهل النيران

تلك بشارات خروج المحتل الصليبي وأخيه اليهودي. فما بشارات هزيمة ظهيره المجوسي ومن تشيع بدينه حقيقة، وتظاهر بدين الحق نفاقاً؟

انظر إلى هاتين الآيتين:

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

ثمة رابط عجيب نلمسه من خلال كلمة (إخواننا)، التي جاءت في الآية الأولى، ونظيرتها كلمة (إخوانهم) في الآية الثانية، يكشف العلاقة بين الطرفين السابقين! والضمير (هم) في كلمة (بعدهم) يعود إلى ما سبق ذكره من المهاجرين والأنصار في الآيتين اللتين قبلها. فهناك الجيل السابق بالإيمان وهم الصحابة (المهاجرون والأنصار) ولهم إخوانهم من الأجيال اللاحقة. وهناك كفرة أهل الكتاب، ولهم إخوانهم من المنافقين الذين يناصرونهم ويعدونهم بالوقوف والقتال معهم في كل عصر جيل.

ستجد في الآيتين تلازماً بين التخلي عن أخوة الصحابة والوقوع في أخوّة الكفار؛ فمن لم يكن من إخوان الصحابة كان من إخوان الكفرة. فالناس فريقان: فريق الصحابة وإخوانهم الذين يتبعونهم ويناصرونهم ويستغفرون لهم ويدعون الله جاهدين ألا يجعل في قلوبهم ذرة كره لهم متغلغلة في خفايا قلوبهم. وفريق الكفار من اليهود والنصارى وأمثالهم، وإخوانهم من المنافقين الذين يناصرونهم ويشايعونهم.

أما العلامة الفارقة بين إخوان الصحابة وإخوان الكفرة فهي أن إخوان الصحابة يحبون الصحابة وإخوان الكفرة يكرهون الصحابة ويوالون الكفرة.

تأمل ماذا يقول الله جل وعلا في الفريق الأول في معرض بيانه لمستحقي الفيء: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). انظر إلى صفاء القلوب بين هذه الأصناف الثلاثة: (وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً)، (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا)! وقارن بينه وبين الحقد والغيظ الذي تمتلئ به قلوب الشيعة تجاههم!

وتأمل ماذا يقول سبحانه في الفريق الثاني بعد بيانه للفريق الأول مباشرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).

وعند النظر في الواقع نجد شيعة إيران يسبون الصحابة ويكرهونهم، ولا يستغفرون لهم كما أمر الله. وزادوا فدعوا إخوانهم الكفرة من الأمريكان وأنصارهم إلى احتلال العراق ووعدوهم بالنصرة والوقفة معهم. السورة إذن ترسم لنا الواقع الذي نعيشه ونعانيه بأمانة، وتصوره كما هو دون حاجة إلى حذف وزيادة: أهل السنة قاوموا المحتل وناوأوه، والشيعة أعداء الصحابة وقفوا مع الكفرة المحتلين يؤاخونهم ويناصرونهم ويشايعونهم. أولئك إخوان الصحابة، وهؤلاء أعداؤهم، استبدلوا بأخوتهم أخوة اليهود والنصارى، وبئس للظالمين بدلاً.

_________________________________________________________________________________

  1. – فتح القدير، الشوكاني، بتصرف.
  2. () في ظلال القرآن، سيد قطب، بتصرف.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: