التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الشرارة الأولى للمقاومة

لا أدري ما الذي يصيبني حين تبدأ الأيام الأولى من نيسان تطل بوجهها؟! مع أن لهذا الشهر عليّ يداً ؛ إذ هو الشهر الذي قام بتسجيل شهادة ميلادي! تتحفز الأعصاب، وتتوفز المشاعر كأنني أتهيأ لمواجهة خطر سيدهمني على مرمى خطوات مني.

في هذه اللحظات التي أكتب فيها تزدحم في رأسي صور شتى مؤلمة للأيام الأولى للاحتلال، تتسابق فيما بينها للخروج إلى نور الحياة: كل واحدة تريد أن تكون الأولى، غير أنني – لعظمة الحدث، وهول الكارثة – أخشى أن لا أجد من بينها واحدة تليق أن تكون في واجهة المشهد، وصدر الحديث! لكن ثمة صورة أستميح جلال الموقف العذر في التقاطها ولصقها على هذه الصفحة.. صورة كانت لشهور تنغص عليّ حياتي، طعامي، شرابي، قراءتي، علاقتي بأهلي. حتى صرت أهرب من نفسي..! وأمعن في الهرب بأساليب وطرق عديدة. صورة واحدة كانت تدور في مخيلتي أو كأنها ثبتت فيها بمسامير، وعلق عليها طبل كبير، يرن في رأسي: الجنود الأميركان وهم يجوبون الطرقات بأسلحتهم ودباباتهم!

صورة تأكل معي…… وتشرب…… وتنام، وتصحو!

لأدع الصور تتزاحم فيما بينها، وأكتب كلمة واحدة.. واحدة فقط تلخص كل شيء.. إنها…. (الاحتلال)…….!!!!! في يوم 9/4 احتلت بغداد…!

ولا أدري كيف تقوى يد على أن تكتب: “احتلت بغداد”!

بيد أنني أريد أن أودع لغة المشاعر لألتقط من بين ركام هذا الأسى، ودخان المأساة جواهر ولُقىً، أحاول أن أجعل منها منارات، ترسم معالم في طريق (القضية).

مقال أهاج لواعج الذكرى

قرأت صباح هذا اليوم على موقع (الرابطة العراقية) مقالاً بعنوان (من ذكريات يوم 9 نيسان المشؤوم – قصة الاعظمية.. وشرارة المقاومة الأولى) بقلم مصطفى الملا: أهاج لواعج الذكرى، وأعادني إلى ذلك اليوم الذي زرت فيه مقبرة الشهداء في الحديقة الملحقة بمسجد الإمام أبي حنيفة، بعد بضعة أشهر على احتلال بغداد، ورأيت شواخص لشهداء عرب مجهولين، وآخرين عراقيين دافعوا عن حمى بغداد والأعظمية قبل أن تجتاحها جيوش الخراب. كنت لحظتها وحدي، تركت صاحبي بعد أن صلينا الظهر وتسللت إلى هناك. ومع أغصان الشجر التي كانت تحنو على تلك الشواخص، وشتلات الورد التي توزعت هنا وهناك كانت لعيوني أحاديث ود تدفقت ساخنة رقراقة، وأيد ترتفع، ودعوات تصاعدت إلى السماء.

y

كان أكثر ما أثارني في المقال موقفان: الموقف الأول ما عبرت عنه هذه السطور الزاخرة بالمشاعر والمعاني: ” وبعد ان أدى المجاهدون صلاة الفجر بدأ تقدم القوات الغازية على مدينة النعمان، وبدأت الاشتباكات معهم لتؤرخ سفرا خالدا من تاريخ المقاومة البطلة التي اندلعت فيما بعد في كل أرجاء العراق، فكانت معركة بكل ما تحمله الكلمة من معاني، حيث استبسل فيها المقاومون وجادوا بأرواحهم رخيصة في سبيل الله، ولم نكن نسمع سوى أصوات مدفعية الدبابات الأمريكية وصوت القاذفات العراقية، ولم تبق قوات الاحتلال شارعا لم تدخل فيه وتمشطه، واشتد الوطيس وحمي حتى أجبرت دبابات الاحتلال على الانسحاب من المنطقة بالكامل، انسحبت وهي مدحورة مخذولة. وحين انتهاء المعركة في حوالي الساعة الحادية عشرة كان منظر الشوارع مهولا، فقوات الاحتلال قد كبّدت بخسائر فظيعة تمثلت بإحراق عدد كبير من دبابات الابرامز العملاقة… ولم تكن في تلك اللحظات أطيب من تربة حديقة الإمام أبو حنيفة ليوارى فيها الشهداء، فهب الشباب لحفر الحديقة ومواراة الشهداء الثرى، وكان العديد منهم من مجهولي الهوية الذين نذروا أنفسهم للشهادة”.

وأما الموقف الثاني فقد أشار إليه الكاتب على استحياء، ولم يفصِّل فيه كثيراً. وهذه هي أخلاقنا التي يعتاش عليها الطفيليون، يستغلون صمتنا ليكتبوا تاريخهم على أشلائنا، وقد شهدناهم أمس يتدفقون كالجراد في مسيرات هوائية اجتاحت بغداد – كما اجتاحها جنود الاحتلال أول مرة – يريدون سرقة أمجادنا، يتقدمهم السفاح المعمم بهاء الأعرجي، وقد ظلت قناة (الجزيرة) تكرر عرض المشهد مرات ومرات بصورة تشي بأن وراء الأكمة ما وراءها! هؤلاء الذين ينادون اليوم بخروج المحتل، كانوا يوم 9/4 يستقبلونه بالهتافات، ومالوا على بغداد نهباً وسلباً وحرقاً وتدميراً وهم يرقصون فرحاً وسروراً. ولكن الكاتب لم يزد على أن قال يصور ذلك الموقف البئيس: “وهكذا مر الليل طويلا ثقيلا، ما كان يقطع سكونه إلا أصوات الطائرات والمروحيات، وأصوات قادمة عبر النهر، ترحب بالقادم الغريب وتستبشر دخوله دار الخلافة، في فرح وشماتة لا اعرف ممن، فبغداد بغدادنا ولم تكن يوما ملكا لأحد وما يصيبها يصيب كل من شرب من مياهها يوما واكل من خير ترابها”. ولم يكن “عبر النهر” من المكان الذي يتحدث عنه إلا الكاظمية! والتقطت الإشارة إحدى الماجدات فعلقت عليها في هامش الصفحة تقول: “لن أنسى الخونة من بعض المناطق، والذين هم يعرفون انفسهم، كان في وقتها المجاهدون يطلبون منهم الماء للشرب، لكنهم كانوا يطردونهم ويقولون لهم بالحرف الواحد: “نحن لا نريدكم، الأمريكان خلصونا من صدام حسين”. وكأن القضية لا تمسهم أبداً، وعندها أصدر المرجع الاعلى المجهول الهوية السيستاني فتواه الخائية بعدم محاربة المحتل”.

مشهد خياني

r

هذا المشهد الخياني تكرر في كل المناطق التي يخيم عليها ظل المرجعية الثقيل. يوم الخميس الثالث من نيسان من عام ( 2003 ) لم يكن في مدينتي المحمودية يوماً عادياً كباقي الأيام! كانت دبابات الأمريكان تشق طريقها وسط المدينة. وفي مقدمة الرتل الأمريكي كان معمم شيعي يدعى (محمود الشافعي)! وهو من أهالي القضاء, هرب إلى إيران عام (1979), ولم نره بعدها. أخذ هذا الصعلوك – بكل فخر وسرور – يوزع علب الحلوى، وقناني البيبسي كولا على أبناء جلدته، الذين كانوا لحظتها يهتفون ترحيباً بجنود المحتل الى أرض الوطن!

مشاهد العز والبطولة

لكن مع هذا المشهد الخياني كان هناك مشهد يرسم بحروف من نور. سطره رجل غيور ممن تربى على الطهر والوضوء، ولطالما شنفت أذنه كلمات العز من فوق المنابر، وتنشق عبير النخوة من دلال المضايف، وذلك بعد أسبوع واحد من احتلال بغداد!

هل نستطيع بهذا اليوم أن نؤرخ لبداية انطلاقة المقاومة؟ لا أرى هذا دقيقاً بالنظر إلى وقائع الميدان. لقد تميزت المقاومة العراقية عن غيرها من المقاومات التي حصلت في البلدان المحتلة بميزات. منها سرعة ولادتها بحيث أنها انطلقت مع أول لحظة وطئت فيها أقدام المحتل أرض العراق. لم يكن ثمة فاصل بينها وبين المعركة التي خاضها الجيش، والتي انتهت بانكساره وانحلاله. لقد استمر القتال بطريقة حرب العصابات. نعم هدأت المعركة أياماً قليلة، جعلت الرئيس الأمريكي يأخذ نفساً ليعلن من فوق البارجة الأمريكية الراسية في مياه خليج العرب يوم (31/5/2003) انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وأنه انتصر على أعدائه فيها.

لكننا إذا أردنا أن نسجل يوماً محدداً نؤرخ به لانطلاق شرارة المقاومة، ومكاناً معيناً كان نقطة ذلك الانطلاق: فيمكنني أن أقول، والحدث معروف وموثق: من قضاء المحمودية ومن مركزه تحديداً انطلقت أولى عمليات المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي، وذلك من خلال رمانة يدوية ألقيت على مجموعة من الجنود الأمريكان متجمعين عند مدخل بناية القائممقامية المجاور لمركز شرطة المحمودية، وذلك في يوم الأربعاء الموافق لـ(16/4/2003)، أي بعد أسبوع واحد على احتلال بغداد، أدت إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكان وجرح اثنين آخرين.

g

هكذا ابتدأت المقاومة العراقية، وهكذا سطر الأبطال ملاحم الجهاد في بلاد الرافدين! (وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ) (يوسف:81.)

واليوم وبعد مرور ست سنين على مصاب نيسان، نزيح ركام اليأس، ونمزق سواد الحزن لنقول: ألا ما أغباكم أيها الأمريكان! وما أعثر حظكم يا أزلام إيران.

ملاحظة/

9/4 هي صورة المرآة الأمينة لـ 4/9

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: