التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من يلعن من ؟ وقفة مع أحدوثة اللعن على عهد الأمويين (1)

119

في هذا البحث:

  • ضوابط العلم
  • منطق الحدث
  • الأقصوصة المفتراة راويها أبو مخنف
  • الرواية: علي هو البادئ باللعن
  • قرائن اللفظ الحالية
  • قاعدة التأول للأخيار
  • لا غرابة بالسب مع خصومة الحرب
  • حديث ابن ماجة ضعيف السند، منكر المتن
  • الخصومة بين الأقران
  • مركز النظر
  • النظر في طبيعة الواقعة
  • النظر في الظروف المحيطة
  • علي والعباس يسب أحدهما الآخر أمام الملأ
  • أيهما أشد: القتال أم اللعن والسب؟
  • من يلعن من: الشيعة أم خصومهم؟
  • لا تدافعوا.. بل هاجموا

امتاز الشيعة بالاحتياط لمذهبهم، وتحصينه، وإيجاد المخارج الفكرية والنفسية لكل إحراج يواجهه أو يعترضه. من ذلك أنهم يجيدون استعمال مبدأ “الهجوم خير وسيلة للدفاع”. وبذلك يشغلون خصومهم بالذب عن أنفسهم بدلاً من أن ينشغلوا هم بالدفاع والرد على أولئك الخصوم. ومن الطبيعي وجود شبهات أو ثغرات ينفذون منها، ويستندون إليها. فحتى كتاب الله تعالى فيه متشابه ينفذ منه الزائغون كما جاء بنص القرآن العظيم: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران:7).

في هذا الإطار يمكن لنا أن نضع موضوع السب واللعن. فما من أمة اشتهرت بسب خصومها ولعنهم والطعن فيهم كأمة الشيعة! وما لعنوا أحداً من الناس كما لعنوا الأمويين. لكنهم يقلبون منطق الأحداث حين يظهرون بمظهر المظلوم فيدّعون أن الأمويين هم الذين بدأوا اللعن والسب حين أعلنوا من فوق منابرهم لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ابتدأ بذلك أول خلفاء بني أمية معاوية، واستمرت المنابر تلعن وتلعن حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز فأبطل هذا التقليد. وقد تسللت هذه الأحدوثة إلى أوساطنا نحن أهل السنة! فقد كنت أسمع وأنا صغير أن عمر بن عبد العزيز جعل مكان السب من الخطبة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90)، وأن هذا هو سر ترديد هذه الآية الكريمة في نهاية كل خطبة من قبل خطبائنا يوم الجمعة.

لم يحدث هذا لمجرد دعوى ادعاها الشيعة، وإنما يوجد في مصادرنا ما يمكن أن يُستند إليه في الاعتقاد بهذه الإشاعة، والترويج لها!

لكل علم ضوابطه

لكل علم من العلوم كاللغة والتفسير والحديث والتاريخ ضوابط تسمى بالقواعد والأصول تحكم التعامل معه والانتفاع به. منها ما له تعلق بالعلم المعين، ومنها ما له تعلق بالمعلوم. مثلاً: يصح الحديث المروي بسند صحيح متصل بلا شذوذ ولا علة. هذا ضابط صحة الحديث، وهو داخل في صلب العلم. لكن تنزيله على المعلوم يخضع لضوابط أخرى. ففي فروع الفقه يسوغ بناء الحكم على الاجتهاد أو القياس عند فقدان النص، أو كان النص ظنياً. لكن أصول الاعتقاد لا تبنى إلا على النصوص القطعية ثبوتاً ودلالة. وهنا اختلف الضابط تبعاً للمعلوم.

منطق الحدث

في معلوم موضوعنا ضوابط تضاف لا يستقيم الحكم من دونها. من هذه الضوابط ما يمكن تسميته بـ”منطق الحدث” أو طبيعته. وهو ضابط به ندرك هل يمكن انطباق الحديث على الحادث؟ وهل يتوافق المنقول مع المنقول عنه؟ فالرواية التي تقول إن نبي الله داود عليه السلام فتن بزوجة القائد أوريا لما رآها عارية تغتسل إذ اطلع عليها من فوق سطح داره، فدبر له مكيدة للتخلص منه، وتزوجها من بعده. وشبيه بها ما يروى عن نبينا صلى الله عليه وسلم في قصة زواجه من أمنا زينب رضي الله عنها: كل هذا مردود بـ”منطق الحدث”؛ إذ لا يعقل أن نبياً يرتكب مثل هذا.

وقد تكلم ابن خلدون في (مقدمته) عن هذا الضابط فقال: “للعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات والآثار… فإن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تُحكَّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط”.

منطق الحدث ينقض الحديث

بناء على هذه القاعدة العظيمة نقول: إن القول بأن معاوية كان يلعن علياً على منابر الجمعة في بلاد الإسلام على عهده مردود بضابط “منطق الحدث” وذلك من وجوه عديدة منها:

  1. كان معاوية رضي الله عنه أحد رجال العرب المعدودين الذين اشتهروا بالحلم والأناة وسعة الصدر وحسن السياسة. كان حلمه يسع سفهاء يتجاوزون عليه في مجلسه؛ حتى صار حلمه مضرب الأمثال! فلا يعقل أن يسع حلم معاوية عامة الناس وسفهاءهم، ويضيق بمثل علي بن أبي طالب وهو من هو في فضله وسبقه، فيأمر بعد ذلك بلعنه على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان! هذا لعمر الله من أبعد الأمور عن طبيعتها ومنطقها. إن هذا الفعل لا يليق إلا بنزق حقود ضيق العطن، حصر الصدر، ضعيف مكبوت ينفس عن ألمه وحقده بمثل هذه السفاسف. ولم يكن معاوية كذلك. أضف إلى ذلك ما ثبت من فضله في الدين، وسموه في الخلق، وثناء الصحابة عليه وخيار التابعين، وما شهدوا له به من الدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير ما يتناقض وهذا الفعل.
  2. إن أول ما يعني الحاكم هو السلم الاجتماعي واستقامة الأمور واستقرار الأمن وهدوء الناس؛ وسب شخصية كبيرة مثل علي، خصوصاً على المنابر، يناقض كل هذا: فهو يثير الناس، ويبعث الأحقاد، ويهيج الفتن، أفيسعى عاقل في خلخلة نظامه، وتقويض ملكه؟! والحكمة وحسن السياسة تقتضي منه العكس، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور. ومثل هذا لا يخفى على حاكم عادي من الحكام، فكيف بمعاوية في مثل عقله وفطنته وحدة ذكائه وبعد نظره وسعة أفقه، وهو الخبير بالملك وما يثبته وينقضه؟!!! لا سيما والدولة أو الأمة قد خرجت للتو من حرب أهلية دامت بضع سنين. أي نفع له في السب وهو الحاكم المطاع الذي دانت له البلاد، واجتمعت عليه قلوب العباد؟!
  3. كان بين معاوية بعد بيعة الحسن له واستقلاله بالخلافة، وبين أبناء علي وأقاربه كأبناء العباس: من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ. وقد كان الحسن والحسين كثيراً ما يفدان على معاوية في الشام ويمكثان عنده معززين مكرمين. وما من شك أنهما كانا يصليان الجمعة في مساجد العاصمة. أفيعقل أنهما يسمعان بآذانهما سب أبيهما تضج به المنابر ويسكتان على ذلك، وتستمر العلاقة مع معاوية رائقة رقراقة لا يعكر صفوها شيء؟! ثم لا يرجعان حتى توقر ركائبهما ذهباً. إن سيدنا الحسن والحسين رضي الله عنهما أكرم وأجل وأعز من ذلك. حقاً إن واضع هذه الروايات لا يتصور ما يقول!
  4. إن قبول هذه الرواية يستلزم الطعن بالصحابة رضي الله عنهم، من حيث أنهم يشهدون هذا الزور دون نكير منهم أو سعي لتغيير. وهذا يعني أنهم قد مالأوا الحاكم على الظلم والبغي، واتفقوا على الضلال! ومن له أدنى اطلاع على أخلاق الصحابة علم أنهم رضوان الله عليهم يتورعون عن مثل هذه الأعمال والأقوال، ولا يرضخون لضيم أو يسكتون عن ظلم. وهم يعلمون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن سب المسلم أو لعنه، وقوله: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء). إلى غيره من الأحاديث التي تزجر عن هذه الفعلة القبيحة، والتي يتورع عنها عوام الناس لعلمهم بحرمة دم المسلم وعرضه، فما بالك بالصحابة الكرام ومن شهد بدر و بيعة الرضوان؟! والله قد نزههم عن هذا وأمثاله في مئات الآيات منها قوله جل وعلا في معرض ذكر صفات عباده: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً) (الفرقان:72). ومن أولى من الصحابة بهذا الوصف؟ كما إن تلك الأحدوثة تعني أن خيرة الأمة تلعن خيرة رجالها. فمعاوية رضي الله عنه حكم في زمن الصحابة والتابعين، والدولة الأموية في المشرق لم يتجاوز زمنها فترة القرون الثلاثة المفضلة. أفيعقل أن خيرة الأمة يلعنون خيرة رجالها؟ والإجماع منعقد بلا مخالف على فضل سيدنا علي وخيرته وسبقه.

وهناك أمور أخرى تعارض الدعوى أعرضت عنها لعدم الإطالة. إذن (منطق الحدث) يتناقض مع وقوع مثل هذا مع الحيثيات التي ذكرناها آنفاً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: