التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من يلعن من ؟ وقفة مع أحدوثة اللعن على عهد الأمويين (3)

حديث ابن ماجة

أما الحديث الذي رواه ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية حدثنا موسى بن مسلم عن ابن سابط وهو عبد الرحمن عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم معاوية في بعض حجاته فدخل عليه سعد فذكروا علياً فنال منه فغضب سعد وقال: تقول هذا لرجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، وسمعته يقول: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، وسمعته يقول: (لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله). وصححه الشيخ الألباني: فلي معه وقفات من حيث السند ومن حيث المتن. فأقول وبالله تعالى أستعين:

الحديث من حيث السند

أما السند فمنقطع ما بين عبد الرحمن بن سابط وسعد بن أبي وقاص. طبقاً لما حققه الحافظ ابن حجر والذهبي وغيرهما من نقاد الحديث من أن ابن سابط لم يسمع من سعد. والمنقطع من أقسام الضعيف فلا تقوم به حجة. أما تصحيح الشيخ الألباني فقد حمل على محملين: فإما يكون قد ذهل عن هذه العلة، وهذا وارد فليس أحد معصوماً من الوقوع في الخطأ. وإما أنه قصد صحة ما جاء فيه من فضائل علي التي ذكرت في الحديث.

الحديث من حيث المتن

وأما الحديث من حيث المتن فشاذ، بل منكر. وهذا يثبت بما يلي:

الواقعة هذه رواها مسلم مع اختلاف في اللفظ. فالفضائل الثلاثة في رواية مسلم هي باختصار: (المباهلة، والمنزلة، وخيبر). بينما في رواية ابن ماجة هي (الولاية، والمنزلة، وخيبر). وهذا اختلاف مؤثر لا يمكن معه الجمع بين الروايتين. فإما هي فضيلة (الولاية)، وإما (المباهلة). وليس في رواية مسلم ذكر النيل من علي، ولا غضب سعد. ورواية مسلم أقوى من رواية ابن ماجة من حيث السند. فتكون رواية ابن ماجة شاذة، والشاذ من أقسام الضعيف؛ فلا تقوم به حجة. هذا على فرض صحة سندها. أما وقد ثبت ضعفه؛ فالرواية منكرة؛ لأنها في الأصل ضعيفة السند، وقد خالفت رواية صحيحة. ومخالفة الضعيف للصحيح نكارة ترد بها الرواية. وهي أشد من الشذوذ.

ومما يجمل ذكره هنا أن كثيراً من المحدثين أجازوا الرواية بالمعنى. وهذا – بغض النظر عن اعتباره ووجاهته – يفتح ثغرات على أصل الحديث، عندما لا تلاحظ الضوابط التي اشترطها من أجاز ذلك منهم، فمن شروطهم تضلع الراوي بلغة العرب. وهذا ضابط لا ينضبط؛ ولذلك لا ينبغي التساهل بهذه النقطة في مثل هذه الروايات التي يلزم منها قدح، أو سوء ظن ببعض الصحابة. ويرجع في مثل هذه الحال إلى ضوابط أخرى للرواية مثل ضابط (منطق الحدث).

الخصومة بين الأقران واقعة بين بني البشر

على أنني حين أنظر إلى القصة نظرة موضوعية تستحضر الحدث وأحواله وطبيعة البشر التي طبعوا عليها لا أرى في الأمر عظيماً أو منكراً جسيماً، لا يمكن أن يكون، ولا مثله يقع من عامة البشر وخاصتهم في حال دون حال. وهذا يتبين بما يلي:

مركز النظر

ثمة ملحظ مهم هنا يمكن أن نطلق عليه (مركز النظر). وأقصد به النقطة الأهم من بين النقاط التي ينبغي أن يوجه إليها النظر في دائرة المشهد. إن نقد الرواية من حيث السند أمر مهم، وحاسم في الموضوع. ولكن الأهم – كما أرى – هو أن يركز النظر على الواقعة من حيث طبيعتها، وحجمها، والظرف المحتف بها، وهل تستحق منا كل هذا التحسس والتحسب والشدة في ردها ونفي وقوعها؟ هذه هي النقطة الأهم. فلنتوقف عندها نناقشها ونجلي حقيقتها من الحيثيات المذكورة آنفاً.

طبيعة الواقعة

ما هي الواقعة الواردة في الرواية، والتي نحن إزاء البحث في وقوعها من عدمه؟ لا شك أنها نيل معاوية من علي رضي الله عنهما كما يدل عليه النص: (فذكروا علياً فنال منه). أي ذُكر علي في المجلس فنال منه معاوية. وكلمة (نال) تعني الذكر بما لا ينبغي. ولكن تحديد معنى ذلك ودرجته لا يفصح عنه اللفظ: فربما يكون عظيماً، وربما كان تافهاً بسيطاً، ولكنه رغم ذلك – على فرض صحة الواقعة – أثار سعداً رضي الله عنه ربما ليس لحجمه في ذاته، وإنما لما احتف به من تعلقه بشخص معين، ووجود خصومة بين المتكلم والمتكلم عنه. وفي كل الأحوال يبقى ذلك غيباً. والعدل يقتضي أن تكون الشبهة لصالح المتهم. فالقاعدة الشرعية المنصوص عليها: (ادرأوا الحدود بالشبهات)، والقاعدة القضائية تنص على أن “المتهم بريء حتى تثبت تهمته”، وليس هنا من إثبات – على فرض صحة الرواية – لغير أصل الموضوع، وهو النيل من علي دون تحديد لحجم هذا النيل. والشرع والقانون يقضي بتفسير الكلمة وحملها على أقل محاملها. هذا ما يخص طبيعة الواقعة وحجمها. هذا على افتراض أنه كان ثمة نيل، ولم يكن ذلك من إضافات فهم الرواة.

طبيعة الظروف المحيطة

لكنني أقول: ليس هذا هو (مركز النظر)، أو الأهم في الموضوع. إنما هو النظر في الظروف المحيطة، والأحداث التي وقعت، ويمكن أن تكون صدر فيها ذلك القول. نعود إلى قول ابن خلدون رحمه الله: (من أسباب الزلل في فهم الحوادث عدم قياس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب).

فأولاً ينبغي أن نقيس الأشياء – بما فيها الأشخاص – بمقاييس زمانها، لا بمقاييس زماننا. إذ من المعروف أن نظر الأقران لبعضهم يختلف عن نظر الخالف للسالف منهم. فتقدير علي لمعاوية وتقدير معاوية لعلي غير تقديرنا لهم. فعلي الذي في زمانه ليس هو علياً الذي في زماننا، أو حتى الزمن اللاحق بعده مباشرة. علي الذي في زماننا هو علي بصورته الزاهية مجرداً من كل سبب من الأسباب المؤثرة بالضد بسبب المعاصرة وما تقتضيه من مشاكل وخصومات بينية.

ولذلك أسباب منها: ظهور الشخص على مسرح الحدث يجعله محطاً للنظر والنقد. ومنها أن جمال النظرية يقل عن جمالها عند التطبيق؛ إذ خروج النظريات والأفكار والدعاوى إلى حيز الواقع يرتبط بظروف الحاكم من القدرة الذاتية، وكفاءة الولاة الذين يمثلونه ونزاهتهم، وحجم المعارضة الداخلية، والضغوط الخارجية، وشبكة معقدة من العوامل. عندها يبدأ الجمهور بمراجعة الحساب والنظر من جديد إلى الحاكم. فتتغير النظرة، ويقل أو يزداد التقدير حسب كل شخص من دقة نظره، ومستوى تجرده وموضوعيته، وفوات أو توفر مصالحه، وغيرها.

وفيما يخص سيدنا علياً رضي الله عنه فإن أشد الناس تعلقاً به، وأحرصهم على توليته كانوا أولهم انقلاباً عليه حينما صار حاكماً، ومعارضة بل محاربة له، وما زالوا في عداوته حتى قتلوه. وكان أهل الكوفة أكثر الناس عصياناً له وتمرداً على أوامره في حياته، بعد أن كانوا يحبونه ويريدونه والياً عليهم. هذه القضية كانت جوهرية في حياة علي، وكبيرة إلى حد أنه كان يتألم وهو قول: (ألا لا رأي لمن لا يطاع).

لكنهم ما إن توفاه الله تعالى حتى عادوا إلى التعلق به والغلو في حبه ومدحه والثناء عليه. لماذا؟ لأن أسباب التنافر قد زالت بموته: فليس من تكليف ولا أمر ولا نهي، ولا إقامة حدود أو عقوبات. كل هذا وأمثاله قد زال واختفى بموت علي واختفائه عن مسرح حياتهم. فلم يبق منه إلا الصورة الجميلة التي يتخيلونها عنه، وهي صورة من المقطوع به غير واقعية. ولو استدار الزمان وكان بالإمكان أن يأتي علي من جديد ليكون اليوم حاكماً يأمر وينهى، ويلزم الناس بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويعاقب ويقيم الحدود وتكون له شرطة ورجال أمن وسجون… إلخ من لوازم الحكم: لكان أول العاصين له هم هؤلاء الذين يبدون أكثر الناس حباً له وتعلقاً به.

النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كان يختصم أحياناً مع زوجاته حتى يترك بيته، ويشاع أنه طلقهن. ومرة اختصم مع أمنا عائشة رضي الله عنها حتى احتكما إلى أبي بكر! فقد كانوا يعيشون حياتهم، ولا يمكن أن يغفل فيها عن جانبها البشري. فالرسول في معيشته مع أهله كان فيها جانب بشري من الأكل والشرب والنكاح والسفر والمزاح والغضب، فمن غير المنطقي أن نجرده منها أو نجردها منه. والناس عند التعامل والاحتكاك والبيع والشراء غيرهم عندما تكون العلاقة خالية من مثلها.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: