مقالات

خبر أليم .. وذكريات عطرة

D:\Documents and Settings\2008.PC-4384ABF98C18\Desktop\dilueya1.jpg

قبل ثلاثة أيام تناقلت وسائل الإعلام خبر تفجير شخص يرتدي حزاماً ناسفاً نفسه في مسجد من مساجد ناحية ضلوعية التابعة لقضاء بلد في محافظة صلاح الدين. والخبر آلمني مرات لا مرة واحدة:

فمرة: لقتل مسلمين وهم يؤدون الصلاة في بيت من بيوت الله.

ومرة: لحال هذا المسكين الذي قتل نفسه متوهماً أنه يقوم بعمل يرضي الله ويدخل به الجنة: ماذا سيكون مصيره؟ وهو قد ضحى بأغلى ما يملكه.. نفسه التي بين جنبيه! لربما حزني على هذا أكثر من غيره!

ومرة: لأن الحدث كان في قرية جميلة، لي فيها ملف من الذكريات.. إذ طالما تنقلت بين رحابها وأنا في مقتبل الشباب، وكان بيني وبين نهر دجلة، الذي تشعر وأنت تنظر إلى انحناءاته وتلوياته خلال بساتين القرية وحدائقها، كأنه يأبى أن يغادر القرية إلا مكرهاً؛ فهو يعاند ذاهباً جائياً قبل أن يتركها وهو على هذه الحال: كان بيني وبينه حوارات وذكريات، حتى إنني عانقته مرة في يوم قائظ من أيام صيف سنة 1982 فضمني ضمة كدت لا أخرج منها إلى الفضاء ثانية! لولا أن هيأ الله لي في تلك الضلوعية اللحظات صديقي سلمان، فأبعدني عن أمواجه وكأن لسان حاله يقول: ما هكذا الحب! ولعله لم يسمع بقول القائل: “ومن الحب ما قتل”. في تلك اللحظات كان قارب الإنقاذ قد وصلني يقوده مسرعاً صديقي الذي أرسل إلي الرسالة التالية. لكل ما ذكرت أنشر هذه الرسالة كما وصلتني من صديقي صاحب القارب، والقلب يتلوى كتلوي نهر دجلة بين أفياء الضلوعية، ولكن حسرة وحزناً.

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليـــــــــــــــلُ

وهل أردن يوماً مياه مجنــــــــــــةٍ وهل يبدون لي شامة وطفيل

الرسالة

فجر انتحاري نفسه في مسجد الضلوعية الكبير، جامع الخلفاء، بعد أن أقيمت صلاة العشاء يوم 26 ربيع الثاني 1430 هـ الموافق 22/4/2009 م فقتل نفسه، وقتل الإمام وثلاثة معه، وجرح خمسة عشر من المصلين.

والإمام القتيل هو أخونا في الله، الرجل الصالح، صباح حسين خلف مشعل الجبوري.

ولادته

ولد أخونا صباح، رحمه الله، في ناحية الضلوعية، في العراق. وأظن أنه من مواليد عام 1964م. ونشأ يتيم الأم، حيث أن والدته توفيت وهو صغير. وتولى والده الحاج حسين رعايته مع أخيه سعد. وكذلك عماهما الكريمان الأستاذ كاظم والحاج حسن، رحمه الله، الذي كان لهم بمنزلة الأب حتى أنهم كانوا يدعونه أبا. درس في مدارس الضلوعية ثم التحق بمعهد الزراعة في بغداد في بداية الثمانينات من القرن الماضي. ثم رجع إلى الضلوعية وفتح محلا لبيع الأدوات الكهربائية. ويكاد يكون محله أهم المحلات وأطولها عمرا في المنطقة.

نشأته

هذا الرجل مذ عرفته منذ مايقارب الثلاثين سنة إلى أن رأيته قبل أشهر، على طريقة واحدة لم يتغير ولم يتبدل. رأيته يتمسك بعقيدة السلف، ويتبع السنن، ولاتفوته صلاة الجماعة في المسجد، حتى أصبح الإمام الراتب في مسجد الضلوعية الكبير، مسجد الخلفاء.

دينه

كان قوي الدين، صحيح العقيدة، على طريقة السلف في العقيدة والسلوك. بعيدا عن الغلو والتطرف والجماعات والأحزاب والفرق بكل أنواعها. ولم يخض في دماء الناس، ولا أموالهم، ولا أعراضهم. ولم ينهمك في الصراع الدائر على الحطام والزعامات والمناصب والولاءات. لم تستخفه تهويلات الغلاة سواءا منهم غلاة الألسنة أو غلاة الجوارح، ولا تأويلات المبطلين ولا شبهات المفسدين. عاش خفيا تقيا غنيا على طريقة أهل السنة، متحريا للحق محبا للعلم والعلماء. باحثا عن الأحكام الشرعية بأدلتها. وقد تعرض في فترة البعثيين المظلمة إلى مضايقات وأذى وتهم كثيرة على اعتبار أن دكانه كان بؤرة لتجمع الوهابيين –حسب وصفهم- حتى اضطر إلى الهجرة إلى أقاربة في قرية بريج قرب كركوك، رغم ظروفه الصحية الصعبة، حيث كان يعاني من ضعف في السمع والبصر.

كان يحرص منذ وقت طويل على معرفة الأحكام الشرعية، والعمل على ضوء الكتاب والسنة. ومن ذلك أحكام الزكاة ومقاديرها لكي يزكي تجارته. في وقت كان أكثر الناس لايعرفون أو لايريدون أن يعرفوا شيئا عن الزكاة.

كان يخرج معنا للدعوة إلى الله متى نشاء، وإلى أي مكان، ولايسأل ولايتردد، رغم الظروف الصعبة في ذلك الوقت. ولم يكن يرد لنا طلبا، رغم كثرة إلحاح الناس من حوله وتحذيراتهم. ولم نره إلا صادقا عفيفا نقيا فاضلا نبيلا.

أخلاقه

يعرفه الجميع بطيب الخلق، وكرم النفس، وعفة اللسان، والاستقامة في تعامله مع الناس. له ديون كثيرة على أهل المنطقة، بعضها منذ عشرات السنين، وهو صابر عليهم، محسن إليهم، كريم في تعامله معهم. وكان يأكل من عمل يده، ويعين أهله، وإخوانه، وذوي الحاجات، رغم ظروفه الصحية الصعبة.

لم أسمع منه خلال كل السنوات التي رأيته فيها أي كلمة جارحة أو إساءة إلى أحد من الخلق. طيب القلب، واسع الصدر، رحيما بكل ذي قربى ومسلم.

عائلته

تزوج ابنة عمه قبل مايزيد على العشرين عاما. وهي امرأة صالحة، محبة للخير، من خيرة نساء المنطقة. لكنهم لم يرزقا بمولود، وبقيا على ودهما، وصفاء علاقتهما، وطيب معشرهما، حتى استشهاده في الصلاة. ولم يتزوج عليها، إكراما لها، وتقديرا لها، ولئلا يجرح مشاعرها، مع أنه كان يمتلك بيتا كبيرا ورزقا وفيرا.

مقتله

قتل، رحمه الله، حين إقيمت صلاة العشاء وتقدم لإمامة المصلين. شهيدا حميدا، إن شاء الله. وكأن الله أكرمه بهذه الميتة مصداقا لقول نبينا الكريم، صلى الله عليه:”خير قتلى من قتلوه” رواه الترمذي وحسنه.

قتل، رحمه الله، ولم يجدوا رأسه، ثم أخبرني أخي أنهم وجدوا بعض أسنانه ولحيته قرب المنبر، رحمه الله.

جنازته والصلاة عليه

خرجت الضلوعية في تشييعه والصلاة عليه، ودعا المسلمون طويلا، وبكوا عليه، وترحموا عليه وعلى إخوانه الذين قتلوا معه ظلما وعدوانا وغدرا. وحزن إخواننا من أهل السنة حزنا عظيما عليه، وكثر تأسف الناس عليه، رحمه الله.

وأنا إذ أكتب ذلك أذكر قول القائل:

عليك سلام الله قيس بن عاصم … ورحمته ما شاء أن يترحمــا

تحية من أوليــته منك نعمة … إذا زار عن شحط بلادك سلمـا

فما كان قيس هلكه هلك واحد … ولكنه بنيـــان قوم تهدمــا

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأخينا صباح، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ “.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

أبو محمد الإنطاكي

مانشستر ‏الجمعة‏، 29‏ ربيع الثاني‏، 1430 هـ

الموافق ‏24‏ نيسان‏، 2009 م

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: