مقالات

إنسانية المتخلفين

رأيت الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية علي الدباغ يقول: “نحن نتعامل مع سكان المعسكر بإنسانية”!

635

واسترجعت في ذهني المشهد الدامي الذي تدور أحداثه في معسكر (أشرف) الذي يؤوي عائلات تابعة لمنظمة (مجاهدي خلق) الإيرانية: جنود يهاجمون سكان المعسكر بالهراوات، يضربونهم بقسوة، يطاردونهم بالسيارات العسكرية ويدهسونهم بها. السكان العزل يردون عليهم بالحجارة وبما تيسر، رجال يتلوون على الأرض، وآخرون محمولون على الأيدي، ومنهم من طرحه الجنود المهاجمون على الأرض يضعون في يديه القيود، دماء تسيل، وصيحات تتعالى : (الله أكبر الله أكبر). ويسقط قتلى وجرحى أمام عدسات الفضائيات!

لست بناسٍ العلاقة العضوية بين اليد المنفذة في الداخل والإرادة الموجهة في الخارج؛ وبهذا لا يهم جهة التنفيذ الخسارة السياسية التي تعود على البلد من جراء التخلي عن هذه الورقة. ولكنني كعراقي عاش الحاضر، ويستحضر التاريخ، أعرف أنه لا فرق بين طرفي المشهد (المعتدي والمعتدى عليه) سوى الدور في اللحظة المعينة، وأنه متى ما سنحت الفرصة يعود كل لأصله. أضع هذه الملاحظة المهمة قبل أن أكمل كلامي فأقول:

هل الناطق كان يعي أو يعني ما يقول؟ قد يظن الكثيرون أنه حين قال ما قال كان يدرك التناقض بين قوله والمشهد الذي يتحدث عنه. لكن لي رأياً آخر، ربما يكون هو الصحيح، أجد من خلاله أن الرجل منطقي مع نفسه، لا يحس أن صوتاً نشازاً خرج منه سمعه العالم كله!

لا تحسبني أمزح أو أسخر فيما أقول! أبداً؛ ذلك أنني أنظر من خلال التركيبة النفسية للشخصية الشيعية الفارسية. وحتى نلتقي في وسط الطريق نحتاج إلى استعادة بعض المعلومات والمصطلحات الخاصة بعلم النفس.

العدوان والشرعنة والتشييء

(العدوان Aggression) – كما يفسره علماء النفس – هو إيذاء الغير أو الذات وما يرمز إليهما. ويقترن دائماً بانفعـال الغضب، ويتخذ صوراً شتى منها العنف الجسمي، أو العدوان باللفظ والتشهير والكيد. أو يكون غير مباشر كعصيان الطفل أوامر والديه، أو الغمز والتندر بالنكتة اللاذعة. أما دوافعه فقد يكون العدوان وسيلة للتمويه على شعور بالنقص، أو لتوكيد الذات وإعلان الشخص الخامل الذكر عن وجوده. وهذا كله متوفر في مثل الحالة التي أمامنا.

يحتاج المعتدي إلى ما يطلق عليه علمياً مصطلح (الشرعنة Legitimation)، وهي عملية نفسية تهدف إلى تبرير العدوان أمام النفس على الغير من خلال تأثيمه وتحميله مسؤولية ما يوجد من شر أو مأزق أو خراب، مع تبخيس إنسانيته والحط من قدره وتحويله إلى عقبة وجودية في طريق السعادة والوصول إلى تحقيق الذات أو الهدف. يترافق ذلك مع رد فعل يتلخص ببراءة الذات التي تُصور كضحية لذلك الغير. وبهذا ينفتح السبيل أمام إطلاق العنان للعدوانية الذاتية في رد فعل تهجمي تدميري ضد الآخر المسؤول تحت شعار الدفاع المشروع عن النفس. وعماد شرعنة العدوان على الغير هو الإحساس بالغبن، وبروز الاتجاه الانتصافي أو الثأر للذات. وأوضح مثال واقعي قريب للشرعنة ما تفعله القوى الأمنية الطائفية في العراق اليوم بعد أن أمسكوا بزمام القوى الأمنية في البلد، ومن خلال منظماتهم الدينية والسياسية إذ يسومون الشرفاء سوء العذاب متهمين إياهم بشتى التهم التي تبرر لهم ممارسة عدوانهم عليهم كالوهابية والإرهاب والتكفير وقتل المدنيين والأبرياء إلخ… .

من أبرز وسائل الشرعنة النفسية عند المعتدي عملية نفسية أخرى تسمى (التشيـيء Chosification) ويعنى بها (اختزال وجود كائن إنساني إلى مرتبة الشيء). يتم ذلك من خلال عمليات تبخيس تصيب قيمة الإنسان كآخر شبيه بنا ومعادل لنا في علاقة تكافؤ، يحل محل الاعتراف بإنسانيته انهيار لقيمته في نظرنا، حتى تفقد هذه الإنسانية قدسيتها وما تستوجبه من احترام، وما تتطلبه من التزام تجاهها. يتحول الآخر في هذه الحالة إلى مجرد شيء، أو أداة، أو رمز، أو أسطورة، ويفقد خصوصيته كإنسان واستقلاليته كلياً ويدمج في مخططات مضطهده. ويتحول إلى شيء، إلى رمز مجرد للشر يجب إبادته.

حين يتحول الإنسان إلى شيء …….!

الإنسان مخلوق يتحسس الألم، والحيوان كذلك مخلوق يتحسس الألم. عندما تطعم إنساناً كسرة خبز، وتبيته خارج البيت فإنك لا تعامله بإنسانية. لكنك إذا فعلت الشيء نفسه مع كلب تشعر أنك تتعامل معه بمنتهى الإنسانية. وحين يتحول هذا الإنسان في نظرك إلى حيوان لا ترى أنك تمتهنه وأنك خرجت عن إنسانيتك حين تعامله معاملة الحيوان.

الدباغ – كأي شيعي – يتمتع بنفسية تعاني من عقدة النقص، فهو بحاجة ماسة لتوكيد ذاته والإعلان عن وجوده. وليس أقرب من العدوان عند امتلاك القوة وسيلة لتحقيق تلك الذات الناقصة. كما أنها نفسية مفعمة بالشعور بالغبن والاضطهاد، وهذا الشعور هو عماد شرعنة العدوان على الغير، وبروز الاتجاه الانتصافي أو الثأر للذات. هذه الذات (البريئة المضطهدة المهددة) من الآخر الذي هو (مثال الشر والإثم والرذيلة والعدوان). والذي هو (العقبة الكؤود) أمام سعادته وتحقيق ذاته والتعبير عن جوده، ونيل أهدافه. وهكذا تتفاعل عمليات تبخيس (الآخر) إلى أن تصل به إلى مرتبة أدنى من الحيوان، وهي مرتبة الشيء، التي يتحول بها الإنسان (وهو في موضوعنا مجاهدو خلق) في نظر الدباغ إلى مجرد شيء لا شعور له ولا إحساس ولا عصب ولا إدراك. إلى أداة ورمز للشر والأذى يجب إبادته ومحوه من الوجود. إن تعاملك مع صخرة سدت عليك طريقك بأن حملت فأساً وحطمتها: تعامل إنساني بكل المقاييس. إنها شيء ينبغي أن يتحول إلى لا شيء. هذا ما عناه الدباغ بقوله: (نحن نتعامل مع سكان المعسكر بإنسانية)! وهذا ما تشعر به القوى الأمنية الطائفية وهي (تدبغ) الأبرياء من أهل السنة في العراق بكل (إنسانية) منذ ست سنين ونيف، تعذيباً وقتلاً واعتقالاً وتشريداً ومصادرة أموال وممتلكات وحقوق وحريات. وهو ما لم يفعله اليهود – من حيث القسوة والوفرة – بإخواننا أهل فلسطين، ولم يفعله الأمريكان أنفسهم بأهل العراق!

هذه هي الإنسانية التي يعنيها حكام العراق الجدد، ويريدونها للعراقيين. ولا شيء غيرها. وهذه هي إنسانية المتخلفين في كل زمان ومكان. وويل للمغفلين من المتخلفين!

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: