التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

قراءة في كتاب( المسألة العراقية ) .. (1)

للشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي

الرصافي، معروف عبد الغني، شاعر وأديب عراقي ولد في بغداد سنة 1875 وتوفي فيها سنة 1945 بعد أن تقلب كثيراً في شؤون الحياة ومظاهرها ووظائفها من التدريس والصحافة والسياسة، داخل العراق وخارجه في تركيا وفلسطين ولبنان. عاش حياة فقيرة قلقة متذبذبة، ومات فقيراً وحيداً؛ إذ لم يتزوج ولم ينجب، في بيت أحسن به عليه في آخريات حياته الشيخ مظهر بيك الشاوي شيخ عشيرة العُبيد (بضم العين وفتح الباء) المعروفة في جنوبي بغداد، ووكل به خادماً وأجرى عليه رزقاً. أهكذا يموت نوابغ العراق؟! قيل إنه اضطر آخر عمره من أجل لقمة العيش إلى بيع السجائر على الأرصفة! حتى إذا اختفى عن مسرح الوجود انتصب له تمثال في وسط بغداد، وبنيت باسمه أسواق وعمائر ومؤسسات، لو كان حياً لما سمح له بدخولها!

thretin

أحياؤنا لا يُرزقونَ بدرهمٍ وبألفِ ألفٍ تُرزقُ الأمواتُ
من لي بحظ النائمين بحفرةٍ قامتْ على أعتابِها الصلواتُ

كتاب ( الرسالة العراقية )

al risala

عرف الرصافي شاعراً أكثر مما عرف ناثراً، رغم أنه يذكر له أكثر من مؤلَّف خارج نطاق الشعر. وقعت له على كتاب في شباط/2008 بعنوان (الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع) من منشورات دار (الجمل) في ألمانيا. الطبعة الأولى 2007. كتبه في مدينة الفلوجة، التي أقام فيها ثمانية أعوام (1933-1941)، وانتهى منه فيها سنة 1940، كما جاء في ديباجته التي كتبها الشاعر نفسه. لكن يظهر أن بعضاً مما كتب كان بعد ذلك؛ إذ فيه إشارات إلى ثورة مايس 1941. الكتاب ممتع بأسلوبه الأدبي الرائق، مهم بآرائه القيمة، شيق بمعلوماته الطريفة عن أوضاع العراق وخفاياه في ذلك العهد. يفيض ألماً وحسرة من إنسان شاعر ذكي يعاني ما يعاني في بلد محتل ووضع مضطرب مختل. وكأني به في زماننا لا في ذلك الزمان! فأنكفئ على نفسي وأقول: لك الله يا عراق! أهذه حالك على مر الأيام وتبدل الأحوال؟! متى ترتاح ويرتاح ساكنوك؟ أم هي ملحمة وقدر كتب عليك إلى أبد الآبدين؟

ما داؤك؟ ما طبك؟ ما شفاؤك؟

تقديم لافت للنظر

رشيد الخيون

لفت نظري المقدمة التعريفية الطويلة (28 صفحة) بالكتاب ومؤلفه التي سطرها الكاتب الشيعي د. رشيد الخيون بعنوان (ارتيابات الرصافي).

وخيون هذا تعرفه الأوساط الفكرية بأنه كاتب علماني بعيد عن الميول الطائفية، وربما أضافت إليه وصف الوطني أو العروبي تأسيساً على أنه من قبيلة بني أسد العربية في جنوب العراق. أما أنا فمنذ بضع سنين بدأت أفقد الثقة بهذه التوصيفات المتناقضة، وأعتبرها، في الغالب، من إفرازات الثقافة الوطنية والمنبرية الساذجة. ومن أجل أن أبين للقارئ الواقع ضحية هذه الثقافة المزيفة شواهدي وأدلتي على صحة موقفي هذا سأتوقف قليلاً لاستكشاف شخصية هذا الكاتب الذي فرض نفسه مقدِّماً لكتاب الرصافي.

لكن قبل ذلك أتساءل: لماذا خيون لا غيره تكون على يده المقدمة التعريفية بالكتاب؟

هل يمكنك أن تصبر معي قليلاً لنرى؟

عند مراجعة ملفات الرجل المتوفرة على شبكة المعلومات من خلال ما كتب وما كتب عنه يمكنني أن أعرف به فأقول: د. رشيد خيون كاتب عراقي علماني يساري، باحث في شؤون التراث الإسلامي، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. دارس لهذا التراث دراسة تمكنه من تطويعه لما يرى من أفكار ورؤى. كتب وعمل في العديد من الصحف والمجلات ومراكز البحث منها محرّر ثقافيّ في جريدة المؤتمر (2000-2003)، وباحث في تلفزيون الحرّة (2004-2005). فيما يكتب أفكار تلفت النظر، يصوغها بلغة سهلة قريبة المنال من ذهن القارئ العادي. لديه نسبة من التحرر الفكري والديني يستطيع امتطاءها للخروج إلى مسافة تسمح له برؤية الكثير من الموروث الشيعي من خارجه، لينتقد بعضاً من أفكاره وطقوسه، كما تسمح له هذه النسبة بوضع دوائر حمراء على ممارسات سياسية لحكام إيران، ورجال دين وسياسة شيعة في عراق اليوم. يناصر اتجاه السيستاني وأشياعه في مسالمته للمحتل، وينتقد مقتدى وأتباعه في مشاكساته وضعف التزامه بهذا الخط، ويظهر امتعاظه من رجال الثورة في إيران في موقفهم من الأحزاب الشيعية التي أمّلت فيهم الكثير.

وحدوية العلماني والديني عند الشيعي

لكنه رغم هذا وذاك يظل شيعياً متحيزاً في أعماقه، طائفياً في هواجسه، يضيف شواهد جديدة ترسخ النظرة التي تقول إن الشيعي يبقى في قعر تركيبته النفسية طائفياً متحيزاً حتى لو تبنى العلمانية، أو تمذهب بالشيوعية! إلا القليل.

فهو لا يرى في ممالأة السيستاني قوى الاحتلال سوى مشهد يموج بالخضرة والظلال: “شتان بين عمامة آية الله علي السيستاني وهي تلوح بغصن الزيتون، والمبادرة السلمية لحماية النجف وضريحها العلوي من حمام دم، وبين عمائم تحمل مدفع الهاون، وتعلق على أكتافها أشرطة الرصاص المدمر”. وأن هذا الموقف هو خط العمامة النجفية في أدوار تاريخها. ويسبغ على هذه العمالة المقنعة وصف (السلام) وغيره من التوصيف الجميلة: “وعمامة السيستاني بهذه الحكمة حملت في طياتها تاريخ النجف الثري بالزمن والفقه، فهي واحة من العلم والأدب، واقترنت عمائمها في ذاكرتنا بالسلام والتراضي الاجتماعي، وقول كلمة الحق نصيحة أو زجراً. هكذا هي العمائم، عرفناها قبل أن يظهر علينا مَنْ دعاها إلى العنف المسلح والتمنطق بأحزمة الديناميت، وحمل العامة على ما لا تطيق، والهتاف لأغراض أخرى باسم الدين، واحتكار ملكوت الله”/الشرق الأوسط، مقال: قصة النجف بين عمامتين، 2/9/2004.

أما رفض السيستاني التجنس بالجنسية العراقية فليس سوى شاهد من شواهد تسامي المرجعية عن الحدود القطرية الضيقة. ولم يترك هذا التبرير على حاله دون أن يلقي بهالة من الشك حول الموضوع من أصله، ربما لشعوره بضعف تبريره وتسويقه بهذا المغلف اللماع: “تطرح المرجعيات الدينية الشيعية نفسها فوق اعتبارات حدود المواطنة، وترى بظلها يورف حيث الأتباع المقلدين. فعندما عُرضت، حسب وسائل الإعلام، على آية الله علي السيستاني، بعد سقوط النظام، الجنسية العراقية اعتذر عن قبولها، وإن صحت الرواية، فلا أعد رفضه تعالياً أو التصاقاً بموطنه الأم”/موقع العراق للجميع، مقال: لماذا صمت السيستاني، 16/7/2009.

ويفسر كثرة مشاريع السيستاني ومؤسساته الخيرية في إيران دون العراق تفسيراً غريباً: “معلوم أن لمرجعية السيستاني مشاريعها الخيرية بإيران، ما لم يحظ بمثلها العراق، وهذا إن دل على شيء فيدل على كثرة المقلدين هناك وتلبية المرجع لاحتياجاتهم، منها المستشفيات والتجمعات السكنية الكبرى: مجمع المهدية السكني بمدينة قُم الدينية – منطقة 15 خرداد، ومجمع ثامن الحجج (علي الرضا) السكني على طريق قوجان القديم بخراسان. ومجمع الإمام الهادي بمدينة قُم. ثم مستشفى جواد الأئمة التخصصي للعيون، ومستوصف الإمام الصادق الخيري. ومستوصف ولي العصر (الإمام المهدي المنتظر) بمدينة قُم، ومستوصف الإمام الحسن المجتبى بمدينة إيلام الإيرانية، ومستوصف السيدة رُقية الخيري للولادة هناك. كل هذه المؤسسات وغيرها يُديرها وكيل مرجعية السيستاني وختنه السيد جواد الشهرستاني (موقع المرجعية الإلكتروني الرسمي)/المصدر السابق”.

وكغيره من كتاب الشيعة يحاول، ولو بالإيماء والإيحاء، تفسير جرائم مليشيات الشيعة بحق العراقيين على أنها نوع من رد الفعل على فعل طائفي سابق من الآخر. بل إنه لينتقي ألفاظه انتقاء حذراً على أعلى مستويات الحذر عندما تتعلق الجريمة بطرف شيعي ولو صاغها على سبيل رد الفعل! تأمل هذه العبارة: “فجّر هدم المرقد العسكري المعارك الطاحنة، وخلق ميليشيات إثر أخرى، اتخذ ذريعةً للتهجير والقتل الطائفيين، حتى أسفر، على مضض، عن احتماء المذعورين بها. وما أن تصطاد ميليشيا أربعة أو خمسة من الشيعة إلا وتأتي ميليشا أخرى لتصطاد العدد نفسه من أهل السُنَّة”/الشرق الأوسط، مقال: سامراء.. ليكن يوم قبتها سلاماً، 12/2/2008. انظر إلى آخرها: “وما أن تصطاد ميليشيا أربعة أو خمسة من الشيعة إلا وتأتي ميليشا أخرى لتصطاد العدد نفسه من أهل السُنَّة”. فهو قد جعل الاعتداء واقعاً أولاً على الشيعة، بينما قتل السنة إنما هو رد فعل على اعتداء مماثل سابق. وترك العنوان الطائفي للمليشيا الفاعلة في الحالتين مجهولاً.

أما حرب التي خاضها العراق ضد العدوان والأطماع الإيرانية فينظر إليها بمنظار الطرف الإيراني، فهو لا يرى فيها إلا هدراً للمال والحرث والنسل يتحمله الطرف العراقي. لكنه يصوغ هذا المعنى بعبارات ناعمة تعتمد الإيحاء أكثر من الصراحة: “تُقدر الثروة التي أهدرها العراق على حربي الخليج بأربعمئة مليار دولار، هذا من غير الثروة البشرية، فالقتلى كانوا من فئة الشباب كافة. ومن غير التفريط بملايين النخيل، حيث تنتصب الجذوع يابسة بلا رؤوس، طمرت بحيرات وجفت أهوار وتحولت مجاري أنهر، ولم يعد الري، وهو هندسة العراقيين القدماء، من أولويات شؤون الدولة”/ وكالة يقين للأنباء، مقال: العراق… توقعات بعطش فاحش، 22/7/2009.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: