التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

قراءة في كتاب ( المسألة العراقية ) .. (3)

للشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي

مدح حركات التخريب الشعوبي

لم يتوقف د. خيون عند ابن حنبل، إنما تجاوزه إلى مدح أسوأ حركات التخريب الثقافي الشعوبي في تاريخ الأمة: البرامكة والبويهيين، موحياً للقارئ بأنهم مثال الحكم الذي منح حرية الرأي والكلام للناس جميعاً. على عكس خصومهم من أمثال الرشيد والمتوكل، ولم ير في المدرسة النظامية سوى مظهر من مظاهر الاستبداد الثقافي لدى السلاجقة! سبحان الله! إذا جاء الاستبداد من جهة إيران فهو مثال التسامح والانفتاح والحرية، ولكن مهما فعل سواهم من خير فليس له بهذا المنظار سوى اللون الأسود! كل هذا يصوغه بلغة ناعمة خافتة تعتمد – كما قلت وكررت سابقاً – أسلوب الإيحاء والإيماء دون التصريح الواضح.

تبعية الشيعة لأهل السنة وتقليدهم لهم

يعتمد خيون، العلماني المتحرر في منهجه الشيعي المنحاز في قرارة نفسه، أسلوب الانتقاء في الاستشهاد بالنصوص ليتوصل إلى تأييد مسبقات فكرية تتلاءم مع العقلية الشيعية. فهو يقول بفخر لا يخفى: “أتدرون أول كتاب يعلم أصول الديمقراطية ظهر بالنجف العام 1909، يوم كانت أوروبا تحبو في الطريق إلى الحياة البرلمانية، وهو كتاب «تنبية الأمة وتنزيه الملة» للمرجع الشيخ محمد حسين النائيني”/الشرق الأوسط، قصة النجف بين عمامتين، 2/9/2004. وهي مغالطة فكرية تاريخية؛ فالنائيني لم يكن في كتابه هذا سوى صدى للأفكار التي طرحت في الثورة الدستورية داخل الدولة العثمانية والتي قادتها حركة (تركيا الفتاة)، وليس فيه سوى أعادة صياغة ما طرح فيها من منهج سياسي أو نظرية سياسية متأثراً بأفكار المصلحين السُنة من أمثال رفاعة الطهطاوي (ت 1873) وجمال الدين الأفغاني (ت 1897) ومحمد عبده (ت 1905) ومحمد رشيد رضا (ت 1935)، ونقلت أفكار هؤلاء للشيعة بالتدريج وأصبح هناك من يتبنى هذه الأفكار للخروج من الفكر الشيعي المتحجر. إذ لم يكن لدى المفكرين الشيعة حتى ذلك الوقت (1908) أي طرح معاصر للسياسة ولا للفكر، ثم نشأ فيهم من تأثر بأفكار هؤلاء العلماء، وكان من أوائلهم محمد النائيني، كما ذكر الباحث العراقي الأستاذ عبد العزيز صالح المحمود في كتابه القيم (جُهود عُلماء العِراق ومفكريهم ودعاتهم في الردّ على الشيعة)، ويضيف قائلاً: (ويعدّ كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” أول كتاب في الفقه السياسي الشيعي يعالج مسائل الحكم والدولة بخلفية سياسية وأرضية فقهية قوية ونظرة جديدة تختلف عن الطرح التقليدي للشيعة، فهو يؤسس لقيام حكومة إسلامية شرعية تعتمد القانون أو الدستور أساساً لعملها، فيؤصل لمبانيها ويرى مشروعيتها من خلال استدلالاتها الفقهية. ويرى النائيني أن النظام السياسي البرلماني الذي يعتمد على أراء الشعب، والمشابه للنظام البرلماني الغربي، هو أفضل نظام حكم يمكن تعقله… وهي النظرية التي طرحها وطورها محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، فيما بعد في مقابل نظرية ولاية الفقيه… ينطلق النائيني من العقل الإنساني بصورة عامة وليس من المذهب (ولذلك وفق في فكرته فالمذهب بأفكاره المتحجرة مقيد لكل مفكر)، وهو في بعض تفكيره يشابه ابن خلدون عند السنة، ولا يركز على البعد الديني حين يقرر أهمية وجود الدولة لدى كل الشعوب والأمم فيقول: “ثمة مسلمة توافق عليها جميع الأمم، وأقرها جميع عقلاء العالم، مفادها أن استقامة النظام العام، وانتظام حياة البشر، مرهون بوجود الدولة ذات السلطة القادرة على فرض النظام”. والغريب أنه يستشهد بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعلماء السنة وأحكامهم الفقهية([1]). وهذا ملاحظ حتى في أدبيات حزب الدعوة التأسيسية فأكثر مفرداته الثورية من كتابات سيد قطب وأبو الأعلى المودودي ومالك بن نبي”.

ويكشف الأستاذ المحمود حقيقة مهمة عن كتاب النائيني فيقول: “والحقيقة أن النائيني كتب ذلك كمقدمة لتأسيس دستور إيراني، وقد نُشر الكتاب في النجف سنة 1909”.

إن رجوع الشيعة إلى اتباع أهل السنة وتقليدهم في نقاط عديدة من مفاصل الخلاف الرئيسة بين الطرفين سمة بارزة في الفكر الشيعي وتحولاته التاريخية. فعلم الجرح والتعديل في الحديث، ومؤلفاتهم في التفسير قديماً وحديثاً، وتجويزهم الاجتهاد وتولي الحكم ودخول معترك السياسة في غيبة الإمام: شواهد على هذه الحقيقة.

ومن شواهده ما قيده الكاتب الشيعي محمد باقر الحسيني في مقاله (حيرة الشهيد محمد باقر الصدر)([2]) كما جاء في كتاب الأستاذ المحمود: “إن اسم الحزب لم يكن مثبتاً، وقد اختير بعد ذلك اسم له مأخوذ من كتاب لحسن البنا (مذكرات الدعوة والداعية)، ويقول آخر إن الأسم مأخوذ من الآية القرآنية (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125). ويضيف المحمود: “وكثير من مؤسسي حزب الدعوة كان منتميا لحزب التحرير العراقي والذي دخل من الأردن سنة (1954) وانتمى له عدد من الإخوان المسلمين وقسم من الشيعة، وتشير مصادر الحزب إلى أن القيادات الأولى للتنظيم كعبد الهادي السبيتي (الذي كان منتميا لحزب التحرير)، والشيخ عارف البصري (كان منتميا لحزب التحرير أيضاً)، وطالب الرفاعي العضوالسابق في تنظيم الاخوان كل هؤلاء كانوا قد تأثروا بأفكار السُنة كسيد قطب ومحمد الغزالي وأبي الأعلى المودودي وغيرهم قبل تشكيل حزب الدعوة”.

الحقيقة أنني لم أجد فكراً مليئاً بالمغالطات والأكاذيب والدس والتزوير كفكر الشيعة. فهذا د. رشيد الخيون على ما هو عليه من علمانية ويسارية وتحرر، تأبى عليه طبيعته الشيعية إلا أن يتبع النهج نفسه، ويقع بكل هذه الملوثات الفكرية المعدية أو بعضها. فما بالك بالديني المتعصب الجامد؟!

_________________________________________________________________________________

  1. – مقال للمفكر الشيعي غانم جواد بعنوان الانتخابات عند التيار الشيعي في الإسلام السياسي . مع بعض التصرف والإضافة.
  2. – انظر موقع www.kitabat.com/i32514.htm – 72k

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: