مقالات

أبناء الحارة .. ودغاء الخطيب

الظلم فعل وترك.

ليس شرطاً أن يكون الظلم فعلاً ضرباً أو شتماً تتوجه به إلى من لا يستحقه. بل قد يكون الظلم تركاً تمارسه مع من لا ينبغي الترك في حقه. منع الحقوق أهلها ظلم، وعدم عيادة صديق سقط طريح المشفى ظلم أيضاً… والإهمال لمن يستحق الاهتمام كذلك. وعلماء النفس يقولون: عكس الحب ليس الكره، إنما هو الإهمال. لو أحببت لذكرت؛ فإذا انعدم الحب انعدم الذكر. أما الكره فزيادة عن الحد. (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طـه:124).

f934bebc34bf793758874d30dfa619c5

ويتجسم الظلم أكثر حين يكون إلى جانب الشخص المتروك شبيه يوفى حقه، وربما تناله زيادة دون الآخر الذي له الاستحقاق نفسه، وربما وزيادة. لو كان في صف مدرسي ثلاثة من الأذكياء الأوائل، لكن المعلم يخص بالمدح والهدايا واحداً منهم فقط، ولا يترك مناسبة صغيرة ولا كبيرة إلا نوه به وأعلى من شأنه بين أقرانه، بينما هو يترك صاحبيه فلا يمن عليهم بكلمة إلا لماماً: فهذا ظلم، وظلم يؤدي إلى التحاسد البغيض والكراهية والحقد والعداوة بين هؤلاء الثلاثة، بل وطلاب الصف أو الفصل جميعاً. ظلم قد يجد من الجاهل الذي لا يرى إلا الصفحة الأولى من الورقة ثناءً وإطراءً، مع أنه في حقيقته دمار وخراب! لهذا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (إِنِّي لا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ) لمن جاءه يقول له: إِنِّي نَحَلْتُ ابْني هذا غُلاماً كَانَ لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحلْتَهُ مِثْلَ هَذا)؟ فَقَال: لا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (فَلا تُشْهِدْني إِذاً فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ) متفق عليه.

في المسجد القريب منا إمام وخطيب، شاب تلوح عليه شمائل الإيمان، وعلى وجهه تبدو سمات الصالحين، في صوته كسرة الخاشع، وقوله ذلة المتضرع. دعا في آخر خطبته هذا اليوم، فاختنق صوته بعبرته، وغص بعبارته. ثم ذكر غزة (وما يتعرض له أهلها من نسيان القريب والبعيد، والجوع والعري). وأطال في ذلك، فبكى وأبكى ونحن معه ندعو مؤمّنين سائلين الله جل وعلا أن يفرج عنهم كربهم، ويكشف عنهم غمهم. لكنه – وكعادة أغلب الخطباء في (أمة) العرب في البلدان التي مررنا بها – لم يذكر العراق وكارثته، وشعبه ومصيبته! كأن العراق ليس من الأمة، ولا شعبه من المسلمين ولا المظلومين، لا جائع فيهم، ولا عريان بينهم، يذكرهم القريب والبعيد بالتبرع والنجدة، والإغاثة والنصرة. أرضهم سلوى وسلام، وسماؤهم طير وغمام، في سعادة متصلة، وأفراح متسلسلة. أما هؤلاء الذين يقتلون يومياً بالعشرات، وربما بالمئات، ولا يخلو يوم من كارثة تفجير هنا وهناك، 1_924741_1_34

على الطرقات والشوارع وفي الأزقة والبيوت والمساجد والأسواق والكراجات والدوائر. جوهم تراب وغبار، وأرضهم عادت جرداء غبراء، أنهارها جفت، وغلالها خفت، لا أمن لهم ولا أمان، مداهمات في الليل، وتخطف في النهار. ملايين الأرامل وضعفها من الأيتام، غلبت عليهم البطالة، وتقطعت بهم سبل الرزق والاكتساب. حصار مضاعف، وضيق وتضييق. تركهم القريب والغريب. تفشت فيهم الأمراض، وانتشرت الأدواء، وصعب عليهم الطب وعز الدواء، مع كثرة المصائب وشدة العسر والبلاء…. أما هؤلاء فليسوا منهم، ولا في زمانهم. ليسوا في العراق المحتل من ست سنين ونيف، ولا في الحبيبة بغداد الحزينة الكئيبة. هؤلاء قوم في جزر الواق واق، وهذه قصة من قصص ألف ليلة وليلة. عجباً والله عجباً…! يورث النفس هماً فوق همها، والعقل طيشاً، والنفس علة وغلة!

أيها اناس!

ضعوا أنفسكم في مكاننا، وتقمصوا حالنا، ثم تصوروا ماذا يحدث لكم بين قوم لا يذكرون مأساتكم، فضلاً عن إغاثتكم والوقوف معكم؟! ما هو شعوركم؟ وعلى أية حال تكون حالكم؟ هل يبقى عندكم من مفهوم (الأمة) من أثر أو بقية؟ ثم افحصوا قلوبكم واسألوها عن غزة وغير غزة من البلاد المنكوبة! هل يعقل أن مجنوناً يبكي على أبناء جيرانه أو إخوانه المرضى، وأبناؤه هو صرعى مذبوحين بين يديه؟! وهل يتصور مجنون أن عاقلاً تبقى لديه مسكة من شعور تجاه مصابين، الناس كلهم يعزونهم ويترحمون على فقيدهم، ويقفون معهم، وهو بينهم مهمل لا يذكره أحد، ولا يخفف عنه بكلمة، ولا يعزيه، وقد احترق بيته بما فيه ومن فيه من متاع وأهل وعيال وولد! ليس من أحد دمه عنده أرخص من دم غيره، ولا مصيبته أخف من مصيبته، ولو كان هذا الغير من أهل مكة، لا غزة! ولا الأمر كذلك في واقع الحال.

عند باب المسجد وجدت صديقاً من أهل العراق المنكوب، قلت له: إلى أين نذهب؟ المنغصات وراءنا وراءنا حتى في بيت الله!

ثم أنا لا أدري هل فلسطين كلها؟ أم غزة وحدها هي المحتلة؟ كيف تحولت فلسطين من قضية أمة إلى…. قضية إقليم، إلى…. قضية قطر، إلى…. قضية حارة؟!!! فلسطين كلها، من النهر إلى البحر، محتلة ومحاصرة.. وليست غزة وحدها.

ومر بقربنا رجل كبير السن، يضع على رأسه طاقية، ويلبس البنطال، وفي يده مسبحة، وصبي صغير إلى جانبه يسعى. سمع كلامي فرجع إلي وهو يقول: أخي هؤلاء حزبيون يدعون لحزبهم وجماعتهم. ابتسمت بمرارة، وقلت له: هات يدك.

يا أبناء الحارة!

إن كنتم مخلصين فعلاً لقضيتكم، لا إلى فئتكم وحارتكم، انتبهوا إلى أنفسكم، واخرجوا من هذه القوقعة، ولا تقتلوا قضيتكم في نفوس إخوانكم. فلسطين في قلوبنا وغزة في مدامعنا، ولكن لنا عراقاً يجري في شراييننا، ولنا بغداد تترقرق في مآقينا، وتخرج مع قشعريرة جلودنا. أرجوكم دعونا نذكر غزة بلا غصة، وندعو لفلسطين بلا منغصات.

افهمونا يرحمكم الله جل في علاه.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: