مقالات

قواصم الفتن .. وعواصم المنن

 

10_088

نظرت إليه نظرة شبّهتها بنظرة الحبيب إلى الحبيب وقد هَمَّ المشيعون بحمله إلى مثواه الأخير، وحزنت عليه رغم أنه حي عندي ينطق ولكن بكلام لا يشبه كلام الأحياء.

أهذا فلان؟ فلان الذي يمور حركة واندفاعاً، ويتوقد ذهناً ونشاطاً، ويعلو بهامته السحاب، ويقهر بهمته الصعاب؟!

ماذا دهاه؟ وما الذي أصابه؟

إنه يائس محبط، احتوشته الهموم، ودارت حوله مدلهمات الخطوب. ومن منا لا يعاني كما يعاني، وإن تنوعت البلوى واختلفت بواعث الهموم وأسباب المحن؟

كان في الأيام الخوالي يحدثني عن آفاق العمل، وبشائر المستقبل، واليوم يدندن حول “الظروف القاهرة والابتلاءات القاسية، والضغوط النفسية، والحاجات المادية”! وحتى لا يقول القارئ: وماذا يفعل الإنسان إن قهرته الظروف وقست عليه الحياة؟ أقول: من الناس من يكون هو السبب في زيادة مأساته، حين يصر على رأيه، ويلتمس لنفسه مخارج دون أن يستنير بنصيحة إخوته، لا سيما من يجب عليه استشارتهم والأخذ برأيهم. لقد أغلق صاحبي على نفسه الباب، وسدّ في وجوهنا السبل للإمساك بيده، أو التخفيف عنه، والاستمرار به على الطريق، وأبى إلا أن يستعرض اللجة وحده بعيداً عن إخوانه وأعوانه. ورسم لحاله حلولاً كما يرى، دون تقيد بالأصول التي تحكم علاقات العاملين ببعضهم؛ فأكدى وكبا، وتسللت إلى نفسه الجريحة شبهات تحتاج إلى جهد جهيد لبيانها، وفك خيوطها وعُقدها.

سبحان الله! ما أسرع ما يضعف الإنسان، وتهِن عزائم البشر!

أهكذا يفتن العاملون؟ ويشيع الإحباط والتثبيط في نفوسهم؟

قلت له: كل تحدٍّ يؤدي إلى استجابة، ولكنها على أنواع حسب أصحابها:

فمنهم من يواجه التحدي بتحدٍّ مثله.

ومنهم من يواجهه بالهرب.

ومنهم بالانهيار والخضوع.

ليست المشكلة يا صاحبي في المحن.. إنما المشكلة في كيف سنستجيب لها؟ وبأي حيلة نواجهها؟

أين العلة ؟ وما هو العلاج ؟

ولكن يبقى السؤال: أين العلة؟ وما هو العلاج؟

قال لي أحدهم: أتدري؟ أرسل إليه فلان، من الجماعة الفلانية، وذهب به إلى أحد مكاتبهم الفخمة، يراوده أن يكون معهم، و… وعاد من هناك معجباً بالمكان وما فيه من أدوات وآلات، وإمكانات!

في لقائنا الجنائزي ذاك سمعته يذكر رقماً يعبر به عن قلة العاملين كأحد الأسباب التي أدت به إلى ما أدت إليه.. وتذكرت أنه منذ زمن طويل قد ذكر الرقم والرقم نفسه! لم أجد تفسيراً لذلك، وقد تغيرت الحال بين الزمانين، إلا أن الهارب من الميدان لا يرى أمامه غير عناصر الهزيمة، وإن سأله سائل أجابه: قضي الأمر وانتهت المعركة بالخسارة، ولن يخبره عن أولئك الثابتين الذين أبوا إلا أن يهزموا الشيطان وجنوده في ساحة المطاولة، وإلا أن يكون النصر من نصيبهم على كل حال: فإما الغلبة وإما الشهادة؛ لأنه غير قادر على رؤية الساحة كما هي عليه. وأعذرته نوعاً؛ لأجل أن الإنسان يرى غيره من خلال نفسه، عاكساً ما في داخله على ما في خارجه.

إنها الفتنة! الفتنة بالمال والزينة والوظيفة.. الفتنة بالعدد والمَكِنة والتمكين.. الفتنة بالوسائل والأدوات والآلات.. الفتنة بالأبنية والقصور والأثاث والرياش…

والفتنة بما يقابل هذا كله في الطرف الآخر! ومن يصبر على مثله؟!

وأما والقرآن موجود فلا…..! لا فتنة والعاصم بين أيدينا. (ستكون فتن.. قالوا: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله).

(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (يونس:88).

هذه هي الحقيقة! الحقيقة التي فتن عنها جبلٌّ كثيرٌ من العالَمين!! وتصدى لإدراكها زمرة العالمين العاملين. والله تعالى لا ينظر إلى كثرة أو قلة، إنما ينظر إلى الموقف.

الموقف هو كل شيء في قصة الخليقة

وعجباً لهذه الحقيقة كيف يغفل عنها أهل القرآن؟!!!

الموقف هو كل ما يريده الله جل شأنه. لماذا تنزل سورة كاملة تسمى باسم سبعة اختلف في عددهم؟! لكن الله يبين لنا أن المهم ليس هو هذا: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (الكهف:22). ماذا فعل السبعة أو الخمسة أو حتى الثلاثة؟ هل غيروا العالم من حولهم؟ هل قادوا الجيوش وغزوا الجبابرة؟ هل أمسكوا بزمام الحكم، وبنوا القصور، وأسسوا المدن، وأنشأوا القلاع والحصون؟

لا شيء من ذلك البتة!

وهكذا حال كثير.. كثير من الأنبياء عليهم السلام.

المفارقة أن صاحبي ذكر لي يوماً، وهو خائف حذر من وقع الكلام، أنهم خمسة فقط! وأردفت قائلاً: وفلان وفلان: ها أنتم سبعة! وسبعة في ميزان القيم والعمل – إن شدوا العزم – كثير. ولم أنتبه يومها إلى هذا التوافق في العدد! وها أنا أدرك بعض أسرار سورة الكهف، وعلاقتها بالعصمة من الفتن، ولماذا أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بقراءة فواتحها على الدجال إن ظهر!

عد إلى الآية التي تذكر فرعون وملأه وما أوتوا من أموال وزينة ومتاع، وانظر إلى هذا الرجل من آله وموقفه منه! لم يلتفت وهو يقلب بصره بين فرعون وموسى عليه السلام إلى القصور والمناصب والكثرة والعدد والعدة في جانب هذا، ولا إلى الفقر والضعف والقلة في جانب ذاك. لقد قال قولته: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) (غافر:28)، ووقف موقفه ومضى! ولم يكن يعلم ساعتها أن الله سيعطر ذكره، ويخلد موقفه قرآناً يتلى إلى أبد الآبدين! والغريب أنك تجد القرآن في سورة (غافر) يستفتح القصة بموسى عليه السلام ويلخص الخبر عنه في خمس آيات بنصف صفحة فقط، ثم يخلص إلى خبر هذا الرجل، وتستمر الحكاية عشرين.. عشرين آية! لتنتهي دون الرجوع إلى موسى! الشيء نفسه كان مع مؤمن سورة (يس) والأنبياء الثلاثة!

ألم أقل لكم: (الموقف هو كل ما يريده الله جل شأنه): (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر:44).

اليقين بصحة منهجنا هو أساس الصبر والثبات معنا

يا صاحبي!

إنني أدعوك إلى أن تقف عند قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24). فإن تيقنت من أن ما نحن عليه هو الحق، الذي نكل عنه الآخرون فاصبر؛ فإن الصبر أساسه اليقين. وقد قالها شيخ الإسلام رحمة الله عليه من قبل: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين).

وهذا هو الذي يصبرنا على لأواء الطريق. ولا أراك تجهل أن صاحبك ليس أقل قدرة ولا أضعف مَكِنةً ممن صاروا يقتعدون المكاتب الفاخرة، ويفترشون المياثر الفارهة، ويشار إليهم بالبنان، ويظهرون على الملأ يتحدثون ويقولون. المشكلة أنهم لا يقولون كما قال مؤمن آل فرعون! هذه هي المشكلة! ومن هنا مفترق الطريق!

وكان يمكنه بكل سهولة ويسر أن ينتمي إلى إحدى هذه المؤسسات ذوات الرايات، وما هي إلا يوم وشهر وسنة حتى يقتعد ويفترش، ويكون كما كانوا، وقد كانوا فما كانوا. ويخلو لنفسه وشأنه سالم الرأس من هذا الصداع، خلي البال من الصراع، وخوض البحر بلا مجذاف ولا شراع.

لكنه نظر فرأى أن هذه المؤسسات أو الجماعات فاقدة للمنهج الحق، ومضيعة للهدف الذي يسعى إليه أهل الحق في سيرهم إلى الله. وإذا فقد المنهج وضاع الهدف فما أخسر الصفقة! واقرأ قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة:5): الهدى بداية، والفلاح نهاية. الهدى هو المنهج، هو الطريق الموصل إلى الهدف، والفلاح هو الفوز به والوصول إليه. والذين فقدوا البداية: (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة:16). على أن الضلال درجات، والهداية كذلك. فمنهم من يكون رأساً فيه، ومنهم من هو قريب إلى الطرف الآخر حتى يكاد يلامسه أو يدخل فيه، وما بينهما منازل لا يعلمها إلا الله؛ فلا يستخفنك الشيطان يقول لك كيف يستشهد فلان بآيات نزلت في المنافقين على حال المؤمنين؟

فلما نفض يده، بعد نصح طويل ما أجدى، ومحاولات كثيرة لم تنفع، سلك الطريق، وركب البحر وهو ينادي بهذا وذاك: يَا بُنَيَّ ويا أُخَيَّ اركَب مَعَنَا وَلا تكن مَعَ الضائعين. فتنادت معه طائفة على ضعف وقلة وبلوى ومحنة، روحهم اليقين، وزادهم الصبر. تلوح أمامهم بشائر الهادي، وتخفق على رؤوسهم رايات المهتدين. لم يستوحشوا لقلة السالكين، ولا استخفتهم كثرة الهالكين.

لقد تيقنوا من صحة المنهج، وشاهدوا بأعينهم الهدف الذي شمروا إليه. وأيقنوا من النصر: فإما الغلب على المعتدين، وإما الثبات على الطريق الموصل إلى رب العالمين.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: