مقالات

وردة الجوري

joori2

مع حلول الظلام، والبدر لما يطل بعد على شاطئ الفرات في (جنة آدم)، جلسنا جلسة طالما تمنيناها في الزمن الغابر، وتحدثنا أحاديث ذات شجون، لا يقطعها إلا أصوات ترسلها إلينا بعض الأسماك وهي تتقافز في الماء على بعد خطوات منا، بين الفينة والأخرى، وتترك لنا دوامات ترتعش مذهولة، ما أسرع ما يبتلعها التيار، وما أسرع ما تعود مع قفزات السمك، وخلجات الماء. وهنا وهناك على صفحة النهر يبدو من بعيد نور خافت لقنديل، وضعه صياد على دفة زورق.

في البدء عجّت أصوات بنات آوى من خلال شبكة القصب والحلفاء والنباتات البرية التي ازدحمت على حافتي النهر، وتركت لنا فسحة من الأرض على الشاطئ يغطيها ثيل (نجيل) نبَت عفواً، وتشابك حتى لكأنه سجادة جلسنا عليها نتجاذب أطراف الحديث. ثم.. بعد ساعة أطل علينا القمر بوجهه الوضيء، وصار يعلو في قبة السماء شيئاً فشيئاً، يسكب في عيوننا من ضيائه الشفيف، ويوشوش في آذاننا بأحاديث الجوى والشوق والهُيام.

نظرت إلى الساعة فإذا نحن قد نسينا أنفسنا في وسط هذا الجو الساحر. قلت: يا جماعة لنُصلِّ ثم ننصرف؛ ولا أراهم إلا أعدوا لنا العشاء، وقد تأخرنا عليهم.

أحاديث الورد

222 (2)

وقبل أن ترتفع أيدينا بتكبيرة الإحرام تذكرت.. وذكرت لهم، وقد تحلقوا عن يميني وشمالي، صلاة ركعتين في ضحى يوم جمعة قبل بضعة أعوام، عند ساق وردة جوري في حديقة بيتنا في اللطيفية، بالقرب من شجرة الرمان على يسار الداخل من الباب الكبير. كانت رائحة الثيل المعفر بالتراب الرطب تعيدني ثلاثين حجةً إلى الوراء غلاماً في ريف اللطيفية أرعى الغنم، أو أحش لحملانها الجت والبرسيم، وشذى رائحة الحشيش تنعش ذكراها خاطري، أكاد أسمع صداها، وأسكر لنجواها، فيصيبني دوار خفيف، لكنه لذيذ، يخدر العصب ويريح النفس وينشط له البدن.

ومن بين أوراق الثيل، الذي يغطي وجهي ويداعب خدي، كنت أتفكر في الوردة الحمراء التي تعلو رأسي: كيف نبتت وخرجت، كما نبتُّ أنا وخرجت، من هذا الطين؟! وكيف تسجد لربها كما أنا الآن ساجد لربي! ووجدتني أحلق عالياً عالياً حتى لكأنني أسمع تسبيحة الورد في هفهفات أوراقه، وألمس خشوعه في تمايل أغصانه، وألحظ سجوده في همسات ظلاله! وأسأل نفسي: هل أنا في نداوته وطراوته؟ وطهره وصفائه؟ ولينه واستغراقه؟ أم هو خير مني وأرقى؟ فلماذا؟ ثم أسألها مرة أخرى: ألا أستطيع أن أكون كالوردة في تسبيحها بين يدي الله جل في علاه، ومع الناس ما طالت بي الحياة؟

مشاهد من نور

وهجمت على قلبي آيات من سورة (النور) تذكر تسبيح المؤمنين في المساجد، ونورهم الذي حُرِمه الكفار فهم بين لاهث وراء سراب، أو غارق في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب! وانثالت عليّ معاني لا أحسن التعبير عنها وأنا أرى الله سبحانه يعقب عليها فيقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (النور:41)! وأكاد أصعق وأنا أستحضر في خيالي صورة ذلك الحشد المسبح من مخلوقات الله: السحاب يُزجى ثم يؤلَّف بينه ثم يكون ركاماً، والودق (حبات المطر) يخرج من خلاله، وجبال السحب في السماء تنثر كرات البرَد أو الثلج الأبيض على بساط الأرض، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار!

قف بربك! وتأمل هذه التشكيلة أو التسبيحة الرائعة!!!

وهل رأيت الليل والنهار يتقلبان في تسبيحهما دائبين بلا فتور ولا انقطاع؟! وأسأل بيني وبين نفسي: هل أنا ضمن هذا التشكيل في هذا النظام البديع؟ هل أنا في مثل سمو السحاب، وعطاء المطر، ونقاوة البرد، وإضاءة البرق، ودأب الليل والنهار؟ أم أنا رقم زائد مهمل طارئ على هذا الوجود الرائع الكريم؟

تعساً وبؤساً إن كانت الجمادات والنبات والحيوانات العجماء خيراً مني.. مني أنا ابن آدم الذي خلقني الله بيده، وأسجد لي ملائكته! هل من المعقول أن أهين نفسي فأنزل إلى أدنى من مرتبة الدواب، التي خلقها اللَّهُ مِنْ طين ومَاءٍ (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور:45)! ولا أرتفع إلى ما هو أعلى وأسمى وأنقى من السحاب والمطر، والرياح والأنواء، وأعرج فوق الكواكب والنجوم والمجرات، نافذاً بقلبي من أقطار السماوات، لأسجد هناك وأسبح ربي تحت عرشه!

فسبحان الذي خلقنا جميعاً من عنصر واحد، فجعل هذا جماداً يسبح، وهذا نباتاً يذكر، وذاك حيواناً يسير منقاداً في زمرة الذاكرين المسبحين، وجعلني من بينهم بشراً أسبح معهم وأذكر ربي بلسان عربي مبين، وله الحمد أن هداني وأكرمني بعبادته كما هدى هذه الوردة التي تتمايل فوق رأسي، ولم يهني فيجعل الجماد والنبات والدواب خيراً مني.

وخشع قلبي لهذه الخواطر، فكانت ركعتان أرجو أن ألقى الله بهما يوم لقاه. حدثت بخبرهما جمع المصلين ظهر ذلك اليوم في جامع (التيسير). وها أنا أحدث به أصيحابي هؤلاء على شاطئ الفرات قبل تكبيرة الإحرام، وأقول لهم: استحضروا هذه الأجواء من حولنا وأنتم تؤدون الصلاة.

ثم صلينا وانصرفنا لنكمل الحديث هناك بعد أن تناولنا طعام العشاء. 7/10/2009

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: