التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

وردة الدفلى .. خواطر رافدينية من وادي النيل

Untitled

عقوداً من الزمن وأنا أحلم بالسفر إلى أم الدنيا، حيث تنقلت أقدام أبينا إبراهيم عليه السلام، فكان أول عربي يحط رحاله هناك بعد الشام ومن قبله العراق، ثم يذهب من بعد إلى جزيرة العرب؛ ليرسم خريطة منازل ذريته التي بارك الله تعالى فيهم، ويضع حدود دولتهم من ضفاف الخليج وما حوله إلى ضفاف المحيط، وقد كانت مصر فاتحة الانطلاق في شمال القارة السوداء على امتداد المتوسط. فحيث مشت أقدام إبينا إبراهيم كان امتداد ذريته.

لا أدري هل كنت أترسم خطاه؟ وهل صدفة أن يكون الانطلاق مرة أُخرى فيبتدئ من العراق، ثم ينتقل إلى الشام، ومن هناك إلى مصر كنانة العرب؟ وهل سيقدر له أن يتنسم عطر الجزيرة، وتكتحل عيونه بشعاب مكة ورمال طيبة، فيتسع ويمتد إلى حيث يقوده القدر، وتحدو به كلمات الأزل في لوح الأبد؟

ادخلوها آمنين

في يوم السبت 5/12/2009 ، وفي الساعة الواحدة إلا عشر دقائق وضعت قدمي على أرض مصر المرة الأُولى في حياتي. وتذكرت قوله تعالى على لسان الصديق يوسف عليه السلام: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) (يوسف:99)، واختلط الأمر على لساني فتلوت بدله قوله جل وعلا: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) (الحجر:46). ومن أول لحظة وجدت مصر طيبة. طيبة بأرضها وبأهلها. وعجبت لشوارع القاهرة – ومن بعد الاسكندرية وغيرها من المحافظات والمدن – كيف يشيع فيها الحجاب إلى هذه الدرجة، ويكاد يغيب عنها السفور! حتى لابسات البنطال – إلا ما ندر – لا ترى منهن ما ترى من إثارة كما يرينك مثيلاتهن فيما رأينا من بلدان.

images (2)

هنا في القاهرة الحال مختلف جداً. لقد تبين لي أخيراً صدق إخواننا المصريين حين كانوا يقولون لنا ونحن في العراق قبل ربع قرن: الذي ترونه في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات محصور في جدران الاستوديوهات فقط، ولا وجود له في الشارع عندنا. عجيب والله! هذا مع العظمة البينة والهيبة الواضحة التي تشاهدها في كل مكان: في الأبنية القديمة والعمائر الحديثة، في الآثار والشواهد الصامتة الناطقة على عظمة الماضين وصلابة إرادتهم، وفي المؤسسات المتنوعة المتعددة، وفي السعة والامتداد صعداً في السماء وضرباً في الأرض لا يرد بصرك إلا الأفق. وفي العمران الذي تضخم حتى كان مدناً بكاملها، كمدينة الرحاب مثلاً، تدخلها فكأنك في جنة وقد كانت قبل سنين صحارى قاحلة موحشة.

لقد أحببت مصر لهذا.. ولغيره أيضاً، وغيره كثير.

وردة الدفلى

وأحببتها أكثر حين تبدت لي في بعض طرقاتها وردة الدفلى! وتذكرت العراق، وتمنيت أن أغسل أوراقها بدموعي، خصوصاً حين تلوح لي أشجار اليوكالبتوس التي يسمونها هنا الكافور.

وتذكرت الخليفة الأموي عبد الرحمن الداخل حين رأى نخلة في بعض نواحي الأندلس فأنشأ يقول:

تبدت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت : شبيهي في التغرب والنوى وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن من صوبها الذي يسح ويستمري السماكين بالوبل

الله! يا وردة الدفلى!

هل تذكرين يوم أن تقابلنا أول مرة وعقدنا ميثاق الحب بيننا.. طفل صغير يحمل كتبه في عليقة ذاهباً إلى المدرسة في قرية البطين، والمروج تحف به كأنه في متاهة منها، يتلفت فيراك مرة هنا ومرة هناك تنادينه بوجنتك الحمراء وخدودك البيض، ولطالما لبى نداءك، وتوقف عندك يتشمم عطرك ويبادلك أرق كلمات الغزل، وقبلات الحب، وعناق العاشقين. أتذكرين؟ كان ذلك قبل أربعين سنة!

من أجل عيون وردة الدفلى أحببتك يا مصر؛ فكيف وقد رأيت فيك ألف عين وعين، كل عين تدعو إلى الحب، وتجبرك على تعاطي العشق ومطارحة الغرام!

images (3)

أما الكافور فله قصة أخرى ندعها الآن. وأدع الحديث عن الإهرامات، تلك الشواخص المذهلة! التي لولا أني أراها بعيني وألمسها بيدي لما صدقت من يحدثني عنها في كتاب أو يكلمني في خطاب! صخور بالملايين بعضها فوق بعض بنظام هندسي بديع، وكل صخرة تزن أطناناً.. بأي قوة سحبوها، وأي آلة رفعوها؟! وكيف نصبوها وأقاموها؟!!!

download (1)

على شاطئ المتوسط في الاسكندرية

وشعرت كأنني أتقلب في أحضان ربوع الرافدين يوم ذهبت إلى الإسكندرية. كانت رحلة جميلة ممتعة. طيلة الطريق إلى هناك البالغ حوالي 200 كم كانت البساتين والمزارع والمشاريع الصناعية والزراعية عن يمين وشمال تطرز الصحراء في منظر يوحي إليك بصمت دونه نطق الناطقين أنك في العراق. لولا أن اليد المصرية تفوقت كثيراً على أختها العراقية في استثمار الأرض وتحويلها إلى جنان ومشاريع استثمارية، فيما تخلفت الأخرى، وما كان لها ذلك.

وطيلة الطريق كنت في نفسي أسأل نفسي: لماذا؟

في المساء زرنا قصر المتنزه، وهو مقر الملك فاروق، بحدائقه الجميلة وقصوره الفخمة المطلة على ساحل المتوسط، ومن فوق أعلى شرفة في أحد القصور الذي حول إلى مطعم سياحي نظرنا إلى البحر، وعلى ذراعه الحنون كانت مدينة الاسكندرية تتهيأ للنوم. ثم نزلنا طبقة لنجلس في الشرفة أنا ومضيفي وقريب له، نمتع أنظارنا بمشهد البحر، ونشنف آذاننا بلحن أمواجه التي تداعب خدود الشاطئ برقة وهدوء العاشقين. وتذكرت القائد العظيم عقبة بن نافع وهو يخوض بقوائم فرسه أمواه المحيط، ويكلم الله جل في علاه بكل تواضع وانكسار وكأنه يعتذر إليه فيقول: (يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد دونك).

وفي صباح اليوم الثاني قال لي مضيفي وهو يرى تألمي: لا بد أنك الآن تسأل نفسك: لماذا؟ لماذا هم هكذا ونحن هكذا؟

CIMG0026

كان قد دعاني إلى مطعم سياحي على ساحل المتوسط لنتناول طعام الإفطار قبيل الرجوع إلى القاهرة، والمطعم ضمن تشكيلة فاخرة من المرفقات السياحية التي تمتد على مدى البصر. قال صاحبي: هل تعلم أن هذه المعالم السياحية الجميلة تمتد مسافة 400 كم؟ وهل تعلم أن هذه المنجزات نفذت كلها في السنين الأخيرة في حملة بناء وإعمار واستثمار وتوسيع المدن والطرق شملت البلد كله؟ قلت: وهذا الأمان، وهذه الحرية بحيث يمكن لأي مواطن أن ينتقد الرئيس نفسه أمام الملأ دون ملاحقة قانونية! وهذا العمل الدؤوب للتطوير والإنماء وتوفير فرص عمل واستثمار؟ فأجاب: كثير مما يقال تعبير عن صراعات حزبية ومنافسات انتخابية، وقد أمن الناس من العقوبة الرادعة.

في جامع الأزهر

أمس (15/1) ذهبت صحبة صديق لي قديم إلى وسط القاهرة نتعرف على جامع الأزهر ومسجد سيدنا الحسين وخان الخليلي. أماكن طالما سمعت بها وقرأت عنها منذ سنوات الطفولة. وقد كان مدرسنا الأستاذ محمد، ذلك الرجل البصير مدرس اللغة العربية للصف الأول في ثانوية دمشق في مدينة الدورة إحدى ضواحي بغداد الجنوبية يشجعنا على قراءة كتب الأدب، ويخص منها مؤلفات طه حسين، ربما لشبهه به في فقدان البصر، ونجيب محفوظ، وغيرهما. كنت أتشوق لرؤية هذه الأماكن، لكنني انشغلت عنها، ولم تسنح لي الفرصة إلا بعد ستة أسابيع من مجيئي!

images (7)

كان ظل عميد الأدب العربي يرافقني في كل شبر من هذه الأماكن، أقول في نفسي، وأحياناً أخاطب صاحبي: من هنا مر طه حسين، وهنا جلس في حلقة علم، وهنا قال له الشيخ: “اقرأ يا أعمى”! ولم تحمل لي الهواجس غيره ممن قرأت لهم؛ لا أدري لعل ذلك بسبب كتابه (الأيام) الذي قرأته يومذاك، وقرأته ثانية قبل شهرين أي على مرمى 35 عاماً فقط من أيامي تلك!

قررنا أن نصلي الجمعة في الجامع الأزهر. ما زال البناء كبيراً مهيباً، وقد زاده القدم مهابة وجاذبية. الباب الخارجي ينفتح على دهليز عريض يفضي إلى باحة مستطيلة كبيرة تحيط بها الأروقة من جهاتها الأربع، ثم تدخل الحرم، فتجده يعج بالأقواس الدائرية تسندها أعمدة أسطوانية مرمرية. ومن فوقها ينبسط السقف بأعمدته الخشبية المطرزة بالألوان الحمراء الداكنة. وتنظر إلى الجدران فتلحظ عليها آثار القدم، تقترب به أكثر إلى نفسك، وتشعر كأنك في مضيف واسع مهيب من تلك المضائف القديمة لشيوخ العشائر في العراق. وتذكرت ناحية (جرف الصخر) ومضيف آل جنديل القديم العامر بالكرم.

اكتظ المسجد بجموع الموحدين، قلت لصاحبي: سبحان مغير الأحوال! كيف انقلب المسجد من مكان للشرك والزندقة والكفر عشرات السنين التي ربما بلغت المئتين عداً، كان الصحابة يسبون فيها هنا علناً، ثم تحول هذا الصرح إلى روضة للإسلام والتوحيد. وتوجهت بالكلام إلى عبيدة ابن صاحبي: كان هذا على يد عراقي مثلنا هو صلاح الدين، شوفوا العراقيين ماذا يصنعون!

جلست خلف أقرب عمود مرمري للمنبر من الجهة اليمنى للمسجد أستمع الخطبة. وما إن صلينا وبدأنا بالانصراف حتى سمعنا صوتاً في وسط الحرم يردد شعارات دينية يلفت بها أنظار الناس الذين صاروا يتجمعون حوله! تبادلت مع صاحبي النظرات! قال لي: امش لنخرج هذا واحد من الإخوان. قلت: دعني أرى ماذا يقول وماذا يريد؟ فوافقني كارهاً.

كان صاحب الصوت شاباً ذا لحية خفيفة، اقتربت منه أكثر فسمعته يندد بالجدار الحديدي الذي تزمع الحكومة المصرية بناءه بين سيناء وغزة، ينكر على الحكومة فعلها ويمتدح الجهاد ويذكر معاناة فلسطين، والناس يتكعكعون من حوله منفعلين متأثرين. ولا أحد من رجال الأمن يعترضه أو يأخذه!

لأخرج إذن؛ فما عدت أنخدع لهذه البهلوانيات، ولا تستفزني هذه الشعارات، وبت – بعد أن رأيت ما رأيت من مثلها في العراق – أرى غالبها يعبر عن صراعات فئوية ومنافسات حزبية. وبينما أنا أهم بالانصراف سمعته يذكر (الولاء والبراء)؛ فأثارني ذلك جداً، وأزعجني هذا الاستغلال البشع لقيم الدين ومبادئه. وتذكرت إيران وعلاقة أصحاب هذا الشعار بها وحلفهم معها؛ فأين الولاء؟ وأين البراء؟ وعن أي ولاء وبراء يتحدثون؟!

واستفزني ما سمعت فلم أعد أحتمل فصرت أتكلم معترضاً وأرفع صوتي وأقول: الولاء لأمريكا لا يجوز، لكن الولاء لإيران جائز! دم الفلسطيني بيد اليهود حرام، لكن دم العراقي بيد إيران حلال! بأي ميزان تزنون؟!

وبدأ الناس يتجمعون حولي وأنا أردد ذلك وأذكر ما فعلت إيران بالعراقيين. فانبرى لي رجل طويل أسمر في خريف شبابه فقاطعني وهو يقول: لكن إيران فيها مسلمون. وصار يعزف لي هذه المقطوعة المكررة السمجة. قلت له ورفعت صوتي: تعني أنهم ما داموا مسلمين فهذا يبيح لهم ذبحنا؟ ما شاء الله! ما دام الفاعل مسلماً فليفعل ما يشاء: يقتل وينهب ويوالي أعداء الأمة ويتعاون معهم على احتلال بلد آمن. والله تمام! فلم يجد إلا أن يعيد الضرب على ربابته، ويرجّع لي نغمته: إيران مسلمون. قلت له: وهل الإسلام يجيز لنا معاداة الناس على أديانهم أو مذاهبهم؟ هل اليهودي والمسيحي نعاديه لدينه فنقاتله بسببه وإن كان مسالما؟ أم نعاديه لموقفه حين يعتدي ويسل سيفه علينا محارباً وغازياً؟ أبداً. نحن نعادي ونوالي على الموقف لا على الدين: فإذا وقف المسلم ضدنا الموقف نفسه قاتلناه. أليس كذلك؟ فلم يجد أمامه إلا الانسحاب مخذولاً.

وتذكرت العالم الشهيد أبا بكر النابلسي

عند الباب الخارجي تذكرت العالم المجاهد أبا بكر، محمد بن أحمد بن سهل بن نصر، الرملي الشهيد المعروف بالنابلسي. وقصصت خبره على صاحبي.

كان عابدا صالحا زاهدا، قوالاً بالحق، وكان إماماً في الحديث والفقه. لما تمكن العبيديون الملاحدة من بلاد المغرب ومصر فعلوا الأفاعيل في أهلها، كان الإمام أبو بكر النابلسي من جملة الثابتين على الحق، فقام قائد العبيديين جوهر الصقلي بأخذ الشيخ النابلسي إلى المعز لدين الله الفاطمي فسأله: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفيناً تسعة! فقال الإمام النابلسي: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة وجب أن يرميكم بتسعة، ويرمي العاشر فيكم أيضاً، لأنكم غيرتم دين الأمة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية.

فأمر الحاكم بإشهاره في أول يوم، ثم ضُرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا. وفي اليوم الثالث، أمر جزارا يهودياً بسلخه، فسُلخ من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله ويصبر، حتى بلغ العضد، فرحمه السلاخ وأخذته رقة عليه، فوكز السكين في موضع القلب، فقضى عليه، وحشي جلده تبناً، وصُلب. وقتل النابلسي في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة من الهجرة. قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عُبيد، وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني يذكره و يبكي ويقول: كان يقول وهو يسلَخ كان ذلك في الكتاب مسطورا. حكى ابن السعساع المصري، أنه رأى في النوم أبا بكر بن النابلسي بعدما صُلب و هو في أحسن هيئة، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال:

حباني مالكي بدوام عز *** وواعدنـي بقرب الانتصـارِ

وقربني وأدناني إليـه *** وقال انْعَمْ بعيشٍ في جواري

و قد ذكر الإمام الذهبي أن الذين قتلهم عُبيد الله وبنوه أربعة آلاف من عالم وعابد ليردوهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت. إ.هـ.

في مسجد سيدنا الحسين

خرجنا من الجامع، وعبرنا الشارع باتجاه مسجد سيدنا الحسين الذي يقع مقابله على مسافة مئتي متر تقريباً. وتبسمت وأنا أقول: أريد أن أسلم على جدي الحسين؛ فضحك صديقي من أعماقه. قلت له: هذا ما ثبت أخيراً في تقارير اللجان التي أعدتها الدولة للتحقيق في الأنساب قبل الاحتلال، وإن ضحكت. على كل حال هو شيء لم يكن ينقصني من قبل، ولم يزدني من بعد.

images (1)

دخلنا المسجد، فوجدته كبيراً أيضاً لكنه أكثر حداثة من سابقه. وعلى يمين الداخل قبيل المحراب ينفتح باب إلى حجرة كبيرة يزدحم فيها الناس حول هيكل مكعب تعلوه الزخارف لضريح وهمي يعتقد الناس أن بداخله رأس سيدنا الحسين رضي الله عنه! وهم يتبركون به وينشدون، والزغاريد تنطلق من أفواه بعض النسوة. لكنهم لا يطوفون حوله، ربما لوجود حاجز يفصل بينهم وبين النساء يقطع عليهم الدورة.

images (5)

قبل أن أدخل الحجرة رأيت حلقة للدراويش يتمايلون وهم يرددون “الله، الله” ويمدون بها أصواتهم، ثم: “حي حي”، ثم “حيوه حيوه”، أو كلمة نحوها… وبعضهم يصفق بيديه. وبينما كنت أتطلع إلى ما يجري لحظت قطة تتسلل من بين أرجل الواقفين تتفرج على ما يدور! لكن أحدهم قام بطردها.

نسيت أن أسلم على جدي؛ لأنه ليس من جد هناك ولا غيره، وخرجت من الحجرة. كان بعض الرجال يتحلقون هنا وهناك في باحة الحرم. مررت من عند حلقة غير منتظمة حول رجل قارب الستين أفندي (يلبس البنطال) فسمعته يقول: “كل أرض فيها سيد فهي أرض مقدسة”. وان اعترض معترض فأقول له: هذا رأيك وفوق كل ذي علم عليم. فحفزني ذلك لأن أرد عليه. قلت له: ليس كل علم يتفاضل فيه الناس، بعض العلوم يتساوى فيها العالم والجاهل. نظر إلي باستغراب وقال: مثل أيش؟ قلت: مثل وجوب الصلاة. قال وهو يحاول الهروب: هذا ليس بعلم، هذه عبادة. قلت: والعبادة علم، ألم تسمع بعلم العبادات؟ لم يجد ما يرد به. قلت له: من أين لك بهذا القول: كل أرض فيها سيد فهي أرض مباركة؟ قال وهو ممتعظ: أنا أتكلم عن الرسول! قلت: فأسند ما تقول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ كان بعض الحضور ينظر إلي متهللاً مستبشراً والبعض الآخر غاظه ما قلت. حاول الرجل التهرب بأن صار يزعق ويقول: لماذا لا تعطيني فرصة للكلام؟ أنت لا تدعني أتكلم. قلت: فدونك الكلام والرد من يمنعك منه تفضل أسند دعواك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ففتح كيساً وأخرج منه قطعة حلوى ورماها في وجهي دون احترام. قلت له: هذا غير مقبول منك. وهو لا يعبر عن ذوق ولا احترام. فقام وسلمني بيدي قطعة أخرى فأخذتها منه. ولما لم أجد لديه جواباً قلت له: اتق الله لا تتكلم عن النبي بما لم يقل؛ هذا حرام. وانصرفت. فتبعني مجموعة من الحضور وصاروا يسألونني مؤيدين ويقولون: نحن نعلم أنه على باطل. ولما علموا أنني من العراق قال بعضهم: هؤلاء جهلة يفعلون مثل ما يفعل الناس عندكم في المراقد. قلت وأنا أبتسم: الذي عندنا شيء آخر أشد من هذا مئة مرة. قالوا: عجيب! قلت: نعم! هذا بجنب ذاك ليس بشيء. قال أحدهم: إنه دين آخر، قلت: صدقت دين آخر لا علاقة له بالإسلام.

مخرف يتدثر بالدين هو الصورة الأخرى لسياسي يتدثر بالدثار نفسه! وما أدراك لعل هذا المخرف دسيسة من دسائس بني صفيون يبث سمومهم بهذه الطريقة!

images (4)

خرجت بعدها من أحد الأبواب الجانبية إلى خان الخليلي مباشرة؛ أتعرف على هذا السوق الشهير الذي ما زال اسمه عالقاً بذهني منذ ثلاثة عقود ونيف، يوم قرأت رواية لنجيب محفوظ تحمل الاسم نفسه.. (خان الخليلي).

صحيح ما يقوله أشقاؤنا المصريون: “مصر أم الدنيا”! قلت ذلك للسائق أبو هشام قبل أن يقف السيارة لأنزل، فأجابني بفخر: “أيوه أيوه؛ أُمّال”؟ قلت: “إذا كانت مصر أم الدنيا فالعراق أبوها”! فانفجر ضاحكاً بقوة، ونزلت من السيارة ودخلت البيت تلاحقني رنات ضحكته المصرية العذبة.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: