التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

القائد والقضية .. أيهما ينمو على حساب الآخر ؟

 

1d3e52715a812c26cb225bba1925189e_Untitled

في الطريق إلى مدينة الرحاب الجميلة، بل الرائعة الجمال، صباح أول أمس كنت أحدث صاحبي عن طرف من أطراف معاناتنا، نحن الذين هدانا الله تعالى لرؤية ومشروع خاص للقضية محلياً وخارجياً. وبسبب هذه الرؤية وهذا المشروع وضعت في طريقنا المعوقات والعراقيل من قبل قومنا قبل خصومنا؛ فنحن نجهد أنفسنا، ونبذل طاقات مضاعفة في سبيل تجاوز هذه التحديات؛ وصولاً إلى تجذير قضيتنا على أرض الواقع، ونشرها لتحتل موقعها اللائق بها في ربوع الموحدين.

من أسباب المعاناة على صعيد القضية

قلت لصاحبي:

من أسباب معاناتنا:

– أن الرموز الظاهرة اليوم على الساحة كان لها حضور في خارج العراق، به كونوا علاقات مع مراكز قوى ودعم مؤسسية وفردية؛ تمكنوا بها من فرض وجودهم في الداخل بعد الاحتلال ورجوعهم إلى العراق. وهذا يشمل الجميع بلا استثناء.

أما نحن فلم تتهيأ لنا هذه الفرصة. والسبب الرئيس هو أننا – ومنذ البداية – كنا منشغلين بعمل دعوي لم يكن من الصواب ولا يهون علينا أن نتركه ونغادر البلد. وقد كنت في كل يوم أكتشف جديداً، وأضيف خبرة، وأقطع مع أصحابي شوطاً. كما كنت أرقب الوضع بعمومه في العراق فأرى زحفاً شعوبياً على جميع الأصعدة، يقابله غيبوبة وعي مقابلة على جميع الأصعدة. وفي الوقت نفسه اجتاحت البلد – بسبب سوء الوضع الاقتصادي تحت ظل الحصار – موجة هجرة طلباً للرزق، فأرعبني ذلك؛ فكنت أعلن من فوق المنبر حرمة الهجرة إلى الخارج إلا للضرورة المقيدة بسقف زمني؛ فمن يبقى لمواجهة هذا الخطر الداهم؟

عندما احتل البلد، تأكدت لي هذه الحرمة؛ فرفضت كل الدعوات بشتى التبريرات لتركه والهجرة منه إلى أمكنة آمنة للعمل من خلالها، حتى اضطررت إلى ذلك اضطراراً بعد حين.

عندها وجدت نفسي وحيداً بلا معين، ولا قدرة على السفر والتنقل لإقامة العلاقات وحشد الطاقات. هذا وقد أخذ الذين سبقوا، من قبل ومن بعد، أخذاتهم ووظفوا عموم الجهات الداعمة لهم دون غيرهم.

بعد مدة بدأت ألحظ سبباً آخر، حاولت طويلاً أن لا أصدقه، لكن شواهده فرضت نفسها علي فرضاً: أن كثيراً من هؤلاء لم يكونوا يكتفون بالاستفادة من الجهة أو الشخص المعين حتى يشوهوا صورة الآخرين في أذهان تلك الجهات ليصفو لهم الجو وحدهم بلا شريك! وهكذا وجدت نفسي في حصار داخل حصار.

– السبب الآخر للمعاناة هو أن من لقيتهم من العراقيين، ممن صاروا رموزاً، من أصحاب المؤسسات القديمة أو الجديدة، ووثقت علاقتي بهم وحاولت التعاون معهم، اكتشفت فيهم صفة تقضي على كل طاقة ناشئة وتقتلها في مكانها. فإن لم يستطيعوا حاربوها سراً وعلناً، وحاصروها بشتى الأساليب! إنهم يقربون من يمتاز بالطاعة المطلقة، خصوصاً إذا كان قوالاً يجيد المدح. ويُبعدون كل من له شخصية لها ميزة، وله رأي يشير به، مهما كانت حججه وشواهده قوية مقنعة، فإذا تجرأ فناقش أو اعترض وجهاً لوجه على رئيس المؤسسة، ولو باتباع كل الأساليب أدباً ومشروعية: بعدت الشقة أكثر وزاد الأمر تعقيداً على ما كان عليه من عقد. يتساوى في ذلك من تغلب عليه الصبغة السياسية أو الدينية من أولئك الرؤساء. وكنت أردد مستفيداً من قصة هدهد النبي سليمان عليه السلام: ” الخروج على النظام من أجل النظام: نظام ” ، ولم أجد من يستمع إلي منهم من أحد! لقد تواطأوا على ذبح الهدهد قبل سماع حجته، وإبداء عذره، أو رؤية ما وجد من غنيمة، ولو كانت هي بلقيس بتاجها وملكها!

وأنظر فأجد نفسي ملزماً وملتزماً بقضية؛ فالسكوت والمداراة العابثة من أجل الاستمرار والنمو والترقي في سبيل الوصول إلى غايات شخصانية يفضي إلى نتيجتين، الموت أولى من أي واحدة منهما:

1. انحراف البوصلة الإيمانية بتغير النية الدينية، وفي هذا يتم التفريط بالعلاقة مع الله جل وعلا؛ فأي عمل سيقبل ويبارك فيه بلا نية خالصة.

2. التفريط بصوابية العمل بتضييع القضية نفسها؛ فأي قضية ستبقى حين يسكت صاحبها عن الانحراف ولا يكون له رأي يُناقش فضلاً عن أن يسمع؟

يكبرون على حساب القضية

ونظرت فاكتشفت حقيقة مذهلة أخرى: إن هؤلاء يكبرون على حساب قضاياهم المعلنة!!! فهم بمرور الزمن يكبرون، وتكبر أسماؤهم، وربما رمزيتهم، بينما قضاياهم تضمر وتصغر. بل من هذه المؤسسات ما بدأت – بسبب الظرف – أكبر ما تكون، والآن هي أصغر ما تكون، لكن رئيسها أو رمزها بدأ – بالمقارنة – صغيراً وانتهى كبيراً. كبيراً بشعاراته المعلنة، التي تناغم الخارج الداعم لا الداخل المحتاج. كبيراً بالدعم الخارجي، لا الوجود الداخلي الذي هو الأساس والجذر الذي تقوم عليه القضية وتعلو وتزدهر وتحقق الغاية المرجوة. كبيراً بالظهور الإعلامي – خصوصاً إذا امتلك قناة فضائية – لا بالعمل الميداني؛ فيقع وتقع القضية في فخ ما يسمى بـ(الظاهرة الصوتية)، ولكن الجمهور لا يعي مبكراً هذه المفارقات حتى يفوت الأوان، ويرى بعينيه، لا بعقله، إفلاس المؤسسة وقد أغلقت أبوابها، وطردت طلابها، وفشلت – بلا شك – في تحقيق أي دعوى من دعاواها.

ما زلنا نراوح لتكبر قضيتنا .. فمتى تتزن المعادلة ؟

وهكذا ظللت أطرق الأبواب وأدور من مؤسسة إلى أخرى دون نتيجة أو جدوى. ولم تتهيأ لنا علاقة مؤثرة مع أي جهة؛ بسبب عدم حصول فرصة لإيصال صوتنا وطرح قضيتنا، وشرح أبعادها كما نرى؛ لضعف القدرة على الحركة من جانب، وللتشويش الحاصل من جانب آخر لدى بعض تلك الجهات. وأقل ما يصلهم عنا من أوصاف تشوه الرؤية: التشدد والتسرع بإطلاق، وإثارة المشاكل ابتداءً، والعدمية التي ترفض الآخر وتلغيه من الوجود. والله يعلم أن هذا كله ليس من منهجنا ولا شيمتنا. ولكن من خاصمونا بلا حجة قوم لا ينصفون! ومنذ آثار ذلك أنني، ومنذ سنين، أحاول الظهور لعرض القضية – بما هدانا الله تعالى إليه من منهجية ورؤية موضوعية واقعية – على أية قناة فضائية أو وسيلة إعلامية مناسبة فلم أتمكن؛ لذَينك السببين.

وكانت النتيجة أننا ما زلنا نعيش مرحلة تكبير قضيتنا وخدمتها والعناية بها، وإن كان ذلك على حساب حجمنا. وكانت المفارقة أن هناك من نما على حساب قضيته، وأننا تحجمنا لتكبر قضيتنا. ولولا بعض المؤلفات التي نشرناها، والأشرطة والأقراص التي انتشرت، والموقع الألكتروني الذي أسسناه بإمكانياتنا البسيطة فنياً ومادياً وبشرياً، والوجود والتواجد في داخل البلد، لما عرفنا من أحد، ولماتت قضيتنا في المهد!

واليوم نحن بأمس الحاجة لإحداث التوازن في هذه المعادلة المختلة بحيث تكبر قضيتنا ونكبر معها، ونكبر وتكبر قضيتنا معنا. هذا هو القانون الطبيعي لتطور القضية وبلوغها أهدافها في خدمة الوطن والأمة، وغايتها العليا من رضوان الله سبحانه.

خذوها ولو من أفواه الآخرين

هذا ما دار بيني وبين صاحبي قبل يومين. وأمس صباحاً كنت في غرفتي أضع رأسي على مخدتي التي صحبتني دون ملل أو شكوى شهراً ونصفاً من الشهر، أقرأ في كتاب قيم اسمه (أفكار دراكر اليومية في الإدارة) تأليف الفيلسوف والأستاذ الجامعي الأمريكي الدكتور بيتر إف. دراكر. وهو مفكر كبير وعلم من الأعلام الأفذاذ في مجال الإدارة. يعد أحد أعظم مفكري الاقتصاد في العصر الحالي. فوجدته يقول تحت عنوان (الاختصاصات الأربعة للقائد)/ص150/ عقّب عليه بعنوان تحته بخط صغير (اجعل تركيزك على المهمة دون نفسك فالعمل أهم)، والاختصاصات الأربعة هي: إجادة فن الاستماع، والتواصل مع الآخرين ليكون مفهوماً لديهم، وتصحيح الأخطاء بإعادة تنسيق الخطة باستمرار، والتحكم في الذات مقارنة بالعمل. وما يهمني هنا هو الاختصاص الأخير الذي شرحه بقوله:

(أما الاختصاص الأساسي الأخير هو الاستعداد لأن تدرك عدم أهميتك إذا ما قورنت بالمَهَمة. فيجب على القادة أن يجعلوا أنفسهم خاضعين للمهام والعمل. أن يدركوا أنهم مهما كانت لديهم القدرة على الاحتفاظ بشخصيتهم وفرديتهم، ومهما أخلصوا للمهمة، فإن هذه المهمة سوف تطغى عليهم إن آجلاً أو عاجلاً لأن العمل سوف يستمر بعدهم). ثم يقول عبارة في غاية الأهمية يا ليت أتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم يتدبرونها، هؤلاء الأتباع الذين وجدوا أول حديث في سنته ورد في أعظم ديوان لها من دواوين الحديث هو حديث النية: (إنما الأعمال بالنيات). فإن هذه العبارة وردت في حديث رجل ربما لم يكرمه الله سبحانه بنفحة من إيمان، لكن الحياة علمته أن القائد الذي يريد لشخصيته أن تكبر وغاياته الشخصانية المباحة أن تكون، فعليه أن يحقق هذا خارج نطاق قضيته ومهمته، فيقول مباشرة بعد ما كلامه السابق: (غير أنهم يستعيدون حياتهم الشخصية والإنسانية خارج المهمة). وبألم ومرارة أقول، بعد ما جربنا ورأينا وسمعنا، حتى من بعض أتباعنا: “القضية التي تحمل أهلها لا يمكنها الاستمرار؛ لأن القضية تستمر بمن يحملها لا بمن تحمله”! ثم يواصل (دراكر) قوله وهو يتحدث عن مطب خطير يقع فيه القادة: (ومن ناحية أخرى فإنهم يقومون بعمل أشياء مبالغ فيها معتقدين أن هذا سوف يعزز فكرتهم؛ مما يجعلهم أنانيين وعملهم غير مجد، وفضلاً عن ذلك كله يصبحون أناساً أنانيين ومغرورين. فإحدى القدرات العظمى التي كان يتمتع بها القائد “ونستون تشرشل” حتى آخر يوم من حياته هي مساعدة ودفع السياسيين من الشباب).

أين أجد مثل تشرشل من رموزنا؟ بالله عليكم دلوني عليه.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: