التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الانتخابات النيابية القادمة التصويت واجب ، والقادر الممتنع آثم

انتخابات طائفية

العراق مقبل في الأيام القليلة القادمة على انتخابات نيابية، يتقرر فيها الكثير الكثير مما يهم الناس في أمنهم ورزقهم، ووضع البلد داخلياً وخارجياً. وما زالت المحاصصة الطائفية هي القاعدة التي تحكم العملية السياسية؛ فالانتخابات القادمة ستكون بطبيعة الحال طائفية، وطائفية بامتياز. وكل ما تسمعونه من شعارات وطنية، وما ترونه من كتل تحاول أن تعمل خلطات من أديان وطوائف وأعراق شتى لا يعدو – في غالبه – أن يكون تأطيراً خارجياً لمضمون طائفي عرقي، وتزويقاً قشرياً لسباق يحرص الشيعة فيه كل الحرص على أن يفوزوا بالحصة الكبرى على حساب أهل السنة، العرب منهم على وجه الخصوص. وما هذه الاجتثاثات التي حصلت لمئات المرشحين إلا فخ نصبوه لإبعاد السنة عن الوصول إلى مستحقهم الانتخابي. وما تبقى منها فتعبير عن صراعات شيعية داخلية، أو خارجية بين بعض الأشخاص الذين ما عادوا يروقون لإيران. إيران التي رمت بكل ثقلها لتجيء نتيجة الانتخابات طبقاً لمرادها، والزيارات المتبادلة بين مسؤووليها والأطراف المرتبطة بها تعددت بين البلدين. ورئيسها محمود أحمدي نجاد قبل أيام يصرح بلا لبس أو غموض: “لن نسمح لدول الغرب أن يعيدوا البعثيين مرة أخرى لحكم العراق”. إضافة إلى النشاط المحموم للسفير الإيراني والقناصل الإيرانيين في العراق، والأحزاب الشيعية التي تدين بالتابعية لإيران كلها مستنفرة إلى آخر ما عندها من طاقة وقوة، من أجل إرجاع السنة إلى ما قبل المربع الأول. ثمة رعب شيعي من تمدد سني يفرض نفسه؛ فالشيعة خلال هذه السنين قد تمددوا أكثر مما يتحمله حجمهم، وأخذوا أضعاف استحقاقهم؛ ولا بد أن تعود الأمور إلى طبيعتها ولو شيئاً فشيئاً. ثم إن رياح التوازنات الدولية – كما يبدو – ما عادت تهب كما تشتهي سفينة إيران وشيعتها.

فما موقفنا الشرعي نحن أهل السنة من هذه الانتخابات؟ سيما وأن جهات دينية وبعض فصائل المقاومة تصرح أو تلمح إلى حرمة التصويت، وتسعى في توهين نفسية الناخب السني ودفعه إلى عدم المشاركة في الانتخاب؟

صورة الواقع العراقي

وحتى نجيب على هذا السؤال نحتاج إلى رؤية صورة الواقع على ما هي عليه؛ فالفتوى متعلقة بحالة قائمة، وليست جواباً لسؤال عام عن حكم الشرع في مسألة ذهنية افتراضية، فيكون الحل بالبحث عن أدلة الأحكام المنطبقة على المسألة واستخراج الحكم الشرعي من حيث هو غير متعلق بأي عارض، كما يقال مثلاً: ما حكم سب النبي صلى الله عليه وسلم؟ هكذا يطرح السؤال بهذا التجريد. لكن حين يضاف إلى الحال عارض قائم كأن يقال: شخص هدد بقوة السلاح فسب النبي صلى الله عليه وسلم، مضطراً إلى ذلك: ما الحكم الشرعي فيه؟ هنا اختلف الحال فيختلف الجواب تبعاً لذلك.

التجريد أحد العلل المزمنة في العقل البشري. ولذلك فإن كثيراً من الخائضين في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد يحاكمون المسائل إلى أصلها، دون ربطها بالواقع. فيأتي أحدهم بالنصوص والقواعد الفقهية يطبقها على المسألة مجردة عن حيثياتها؛ فيخرج الحكم بلا شك خاطئاً غير مناسب للحال. وهذا عزل للدين عن الحياة، وهي علمنة خفية من جهة، وتؤدي إلى جر غير الراسخين إلى العلمنة، وترسخ اعتقادهم بصحتها؛ لأنهم يجدون الدين وأهله بعيدين عن الحياة.

والآن نأتي إلى صورة الواقع لنراها كما هي، فماذا نرى؟

  1. أهل السنة في العراق – ومنذ اليوم الأول للاحتلال – يتعرضون للاجتثاث والتهميش والإقصاء، ومن ثم السحق أو الطرد خارج الحدود. وما زالت مقاليد البلاد بيد الشيعة، وهؤلاء جادون في إيصال السنة إلى تلك النهاية المأساوية كل الجد!
  2. ليس هناك في المدى المنظور مشروع حقيقي يمكن له بمفرده أن يقوم بوجه هذه الهجمة الشيعية، ويحمي أهل السنة من الانحدار إلى تلك النهاية. نعم ثمة مشاريع على الأرض (عسكرية ومدنية)، ولكنها ضعيفة غير متكاملة، لا يمكن لمشروع منها بمفرده أن يغيث أهل السنة ويحقق أهدافهم. ومن ادعى أن لديه القدرة على ذلك فليتقدم ليثبت نفسه.
  3. ينتج عن هذا الوضع المختل فيما لو ترك أهل السنة صناديق الانتخاب ينفرد بها الشيعة وحدهم نتيجة واحدة لا غيرها، هي سيطرة الشيعة على عناصر القوة في البلاد، وإزاحة السنة بالكلية من جميع مفاصل التأثير، وعندها يتمكن الشيعة من رقابهم وأرزاقهم؛ وهذا يؤدي بالغالبية من السنة أن ينساقوا وراء الشيعة رهبة ورغبة، وشيئاً فشيئاً يتشيع البلد خلال سنوات معدودات.

هذه هي الحال، وهذا هو الواقع. الوضع في غاية الصعوبة، وخارج عن نطاق التحمل، ولا توجد جهة معينة لديها مشروع حل قادر بمفرده على تغيير الوضع. نحن إذن في حالة استثنائية نحتاج معها إلى حكم استثنائي (رخصة بمصطلح الأصول) يناسب الحالة، ولسنا في حالة سعة يطبق عليها الحكم من حيث الأصل (العزيمة بمصطلح الأصول). يقول فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ليس العاقل من عرف الخير من الشر، إنما العاقل من عرف خير الخيرين، وشر الشرين). ويقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله: (العلم رخصة عليها من الشرع دليل، أما التحريم فالكل يحسنه).

نحن اليوم بأمس الحاجة إلى حد الاضطرار إلى ما يلي:

  1. الحفاظ على ما تبقى من الوجود السني
  2. والعمل على تحصيل ما يمكن تحصيله من حقوق
  3. ثم السعي إلى استعادة ما فقدناه من ذلك
  4. كما نحتاج إلى مشروع إسعافي عاجل يمكننا من المطاولة، ويمنحنا الفرصة للعمل من أجل الوصول إلى أهدافنا السابقة قبل أن نجتث من الوجود، أو نمسي مكوناً مهملاً لا يحسب له حساب. وعندذاك لن تكون ثمة فرصة لتفعيل المشاريع الطويلة الأمد.

إن مثلنا اليوم كمثل رجل اشتد به العطش في صحراء حتى أشرف على الهلاك، فمر به قوم معهم ماء قليل لا يبلغ به الري لكنه يسعفه ريثما يصلون به إلى قرية على مدى ساعة من مكانهم. فقال بعضهم: الماء سقطت فيه سحلية فماتت فلا يحل، ونرى أن نحفر بئراً لعلنا نستخرج منه ماءً زلالاً حلالاً نسقيه منه. وقال بعضهم: حتى نحفر البئر ونستخرج منه الماء يكون الرجل قد مات. فليس لنا إلا أن نسقيه ما لدينا من ماء على ما فيه، ثم نحمل الرجل ونغذ السير به في اتجاه القرية، ونبعث راكباً يتقدمنا إليها مسرعاً يجلب منها ماءً يستقبلنا به، ومن أراد حفر بئر بعد ذلك فليفعل. ولكن الفريق الأول أصر على رأيه، وصار يمنع الفريق الثاني من إسعاف الرجل بذلك الماء القليل، هذا والرجل يصرخ ويصيح: أنقذوني يرحمكم الله، اسقوني قطرة ماء! فإن عملوا بالرأي الأول هلك الرجل، وإن سقوا الرجل بذلك الماء وعملوا بما اقترحوه أنقذوه، ونجى من الموت.

إن الخيار السياسي على ما فيه من نقص وضعف وعوج وحرمة. ومهما كان القول فيه فإنه أحد الوسائل الضرورية للبقاء والاستمرار ضرورة لا يمكننا الاستغناء عنها بحال من الأحوال. إن إلغاء هذا الخيار لا يعني إلا نتيجة حتمية واحدة هي إجهاض بقية المشاريع: عسكرية كانت أم دعوية أم ثقافية أم اقتصادية أم غيرها. نعم هذه المشاريع لها وجود، لكنها غير قادرة على تحقيق هذا الهدف، بشقيه: الإسعافي والبعيد، في المدى المنظور.

الحل بالعمل في كافة الاتجاهات

وإذا كان الأمر كما ذكرت فالحل هو تقوية هذه المشاريع جميعاً، والعمل على التنسيق فيما بينها وإدماجها ببعضها. إن الحفاظ على ما تبقى من الوجود السني، ثم تحصيل ما أمكن تحصيله من الزيادة والتوسع لأخذ مستحقات الحجم الحقيقي لأهل السنة واجب شرعي، فضلاً عن كونه مطلوباً وطنياً وهدفاً قومياً. وليس لنا من سبيل حتى نحافظ على وجودنا، ثم نتوسع لأخذ حقوقنا سوى المناكفة والمزاحمة واستعمال القوة: الناعمة في موضعها والخشنة في موضعها.

الحفاظ على الوجود السني في العراق، وإنعاشه وتقويته وتوسيعه واجب. ولا سبيل له اليوم إلا العمل بكل الخيارات المتاحة، ومنها الخيار السياسي؛ لغياب الخيار الوحيد الصافي القادر على تحقيق هذا الواجب في اللحظة الحاضرة. الحل الرشيد أن تتعانق هذه المشاريع، ونعمل على كل الجبهات ونقتنص جميع الفرص المتاحة. وهذا قلناه من اليوم الأول للاحتلال، بل عملنا عليه من قبل ذلك.

إذن العمل السياسي خيار لا يمكن للواجب المذكور آنفاً أن يتحقق من دونه. والقاعدة الأصولية تقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فالعمل السياسي واجب، ولا يكون هذا العمل من دون تصويت ومشاركة في الانتخاب؛ فيصبح التصويت في الانتخابات القادمة واجباً شرعياً من تركه قادراً عليه آثم. ومن أفتى بغير هذا أو قال بغيره فليتق الله تعالى في دماء العراقيين. ليتق الله في المسجونين والمعتقلين. ليتق الله في الأرامل واليتامى، في العاطلين والفقراء والمعدمين، في المشردين والمهجرين. في المطاردين والمهمّشين. ليتق الله في مصير البلد وأهله أجمعين. ولمن أصر منهم أقول: إن كان عندك حل غير الشعارات والحماسيات المحلقة فتتقدم به، أرنا إياه؛ وإلا فدع الناس وشأنهم وما يعملون.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: