مقالات

انزعوا فتيل الفتنة نعم .. ولكن كيف السبيل ؟ (3)

هكذا ينبغي للمقال أن يكون

وهذا هو السبيل

لا بد من جمع أطراف الأدلة ، وترك الأسلوب الانتقائي

ورد في مقال الشيخ الفاضل أحكام غريبة، لا أراه إلا أنه استنتجها بعاطفته، بعيداً عن أدلة الشرع ومستحقات الواقع. منها أطلاقه القول بما يفهم منه تحريم السب مطلقاً، وعدم جوازه ولا جدواه أبداً، وأراد منا أن نكون ملائكة لا مثال لها حتى بين الملائكة التي تغضب أحياناً فتشتم وتلعن من لعنه الله جل في علاه! كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (البقرة:161). بل زادوا على اللعنة بالقول، الفعل بالضرب، والبشارة بأبشع العذاب: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (الأنفال:50).

لقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم يهود بني قريضة الذين نقضوا العهد في معركة الخندق وقال لهم: (يا أبناء القردة والخنازير). وتكلم الصديق بكلام فاحش مقذع في حق عروة بن مسعود الذي جاء يفاوض في الحديبية حين قال له، وبحضرة النبي صلى الله عليه وسلم! (امصص بظر اللات)؟ وإذا كان الله جل وعلا قد قال لموسى وأخيه هارون عليهما السلام: (فقولا له قولاً ليناُ) فقد أخبر تعالى عن موسى نفسه كيف شتم فرعون نفسه بقوله: (إني لأظنك يا فرعون مثبوراً) حين قال له: (إني لأظنك يا موسى مسحوراً)؟

لقد أرادنا الشيخ عائض ملائكة أرقى من الملائكة حين قال مفترضاً رحمة لم يفرضها علينا ربنا: (هل نأتي لنأخذ السب سلما والشتم طريقا والقذف منهجا لنصلح ما أفسده الدهر)؟ وذهل عن عدل الله تعالى الملائم لطبيعة البشر في قوله: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194). ثم لم يكتف حتى أقسم قائلاً: (والله إن مَنْ أراد الانتقام بالسب والشتم من إحدى الطائفتين أو غيرهما من طوائف الإسلام لا حقا نصروا، ولا باطلا كسروا).

لكنني أجد أن من استكان وهان ورأى وسمع عرض النبي صلى الله عليه وسلم يتهم بالزنا ولا يثار ولا يستثار ولا يثور، بل يقول للثائر بكل برود: اسكت يا معتدي، ولا يجد في نفسه شجاعة ليواجه الصائل المستهتر ليقول له: اخرس أيها الزنديق! هؤلاء هم الذين لا للحق نصروا، ولا للباطل كسروا. بل العكس قالوا وفعلوا!

يقول الشيخ عائض: (إن الخطاب الجميل والكلمة اللينة والذوق العالي منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد أرشدنا الله عز وجل إلى الحكمة والرفق واللين حتى مع فرعون ومع عبّاد الأصنام ومع اليهود والنصارى؛ لأن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنـزع من شيء إلا شانه…) ثم يرفع صوته باللائمة ليقول: (فأين نحن من هذا المنهج القويم والصراط المستقيم؟)! ولا يستحضر منهج الأنبياء عليهم السلام جميعاً الذي تضمنه قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة:4)؛ فأين نحن من هذا المنهج القويم والصراط المستقيم؟

لا يصح منهجياً أن نلتقط نصاً، ونعطل آخر، ولا نوفق بين النصوص بإنزال كلٍّ على مورده. ففي آيات الكتاب، ونصوص الحديث، وروايات السيرة نجد سباً ولعناً وشتماً. هذه سورة المسد: (تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد)! ماذا تضمنت؟ أغير السب والشتم؟ سورة كاملة ليس فيها غير ذلك! وممن صادرة؟ من الله الواسع الحليم، الذي سبقت رحمته غضبه!

إن الانتقام بالعدل فعل لم يتنزه عنه الرب المتعال، الذي وصف نفسه بذلك فقال: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (المائدة:95). فمن اتهم على رؤوس الأشهاد أم المؤمنين عائشة دون تلعثم أو غصص بالزنا، وفاروق الإسلام وجميع ملوك الإسلام بلا حياء بأنهم كانوا ينكحون في أدبارهم ويفعلون الموبقات المهلكات. وهدم مساجدنا وقتل علماءنا وسحلهم بالحبال كالكلاب في الطرقات، وفعل ما فعل بنا. ناهيك عن شتمنا والافتراء علينا، ثم يراد من المظلوم – وهو إنسان مخلوق من لحم ودم وعصب! – أن لا يرد على من ظلمه بالمثل، وينتقم لنفسه منه بأقل من العدل! وتُطلق أقوال تقلب المشهد رأساً على عقب، وعقباً على رأس: فتصور من الضحية جلاداً، وتجعله يبدو في نظر الآخرين معتدياً مستعدياً، حاقداً باغاً لا يريد إلا الثأر والعبث، دون داع أو دافع من واقع أليم لمعتد باغ أثيم: ليس هذا منطقاً معقولاً؟ ولا هو شرعاً إلهياً مقبولاً؟

فبأي ميزان كان الوزن؟ وبأي عدل كان الحكم؟

حقاً إن الأحكام حين تطلق من فوق، تظلم من يرزح في التحت!

أما (عجبك من أتباع الطائفتين كيف يتحمّسون للخصومة والعداوة ويزرعون الكراهية في القلوب ويغرسون البغضاء في النفوس)، فسيظل يا شيخ! كما هو حتى تعيش الواقع كما هو، أو تتحسسه على ما هو، وحتى تكون الأحكام بجمع أطراف الأدلة من مظانها لتنزل على مواردها وواقعها، ولا تكون بانتقاء الأدلة واستنبات المثاليات في الهواء، مدفوعاً بالعاطفة التي تقول للراجم حين تراه يرجم إنساناً مدفوناً إلى نصفه بالتراب، ويرمي على رأسه بالصخر والحجارة: يا ملعون! لماذا ترجمه؟ أين الرحمة؟ أين الإنسانية؟! مع أن الراجم قد يكون يطبق لحظتها شرع الله تعالى في زانٍ محصن. هو منطق الكافر الغربي والشرقي حين ينتقد أحكام شرعنا؟ حين تحكمه العاطفة الهائمة وحدها دون ربطها بالواقع الأثيم الذي لن يصلح إلا بهذا الفعل الأليم. الشيخ القرني يطبق معنا – ولا يدري – المقياس نفسه!

عندها ستجد أن قولك أيها الشيخ: (إن الخطاب الجميل والكلمة اللينة والذوق العالي منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام… فأين نحن من هذا المنهج القويم والصراط المستقيم؟ لماذا نُخرج الحيات من جحورها والثعابين من بيوتها؟)… ستجد هذا القول من الصعب أن يتسق مع الحكمة التي تقول: (لكل مقام مقال)؛ لأنك ستدرك مثلي أن هذا المقام ليس مقامه. وأن الحيات لم نخرجها نحن من جحورها، ولا الثعابين من بيوتها، بل وجدناها تركت جحورها وغادرت بيوتها إلى داخل بيوتنا تنهش وتلدغ وتفتك بنا وبأبنائنا فتكاً، والجثث بمئات الآلاف! أفنلام على قتلها وتحذير الأمة النائمة قبل أن تصل إليها بسمومها وصلولها؟

احذروا لعبة جر الرجل ..!

مما لاحظته على تعقيبات القراءة على مقال الشيخ أن أكثر من 95% يؤيد وبحماسة ما جاء فيه، لكنني وجدت أغلب المؤيدين من الشيعة، وما تبقى فمن السنة الذين لم يكتووا بنار الشيعة أو خدعوا بأقوال من يثقون بهم من رموز الخطاب الترضوي. وهذا ما دعاني أكثر للرد والتوضيح: نصيحة للمنخدعين، وتحذيراً من الشيعة المخادعين، الذين هللوا لهذا المقال وعبروا عن فرحهم به بكثرة التشجيع والتأييد؛ إمعاناً في جر رجل الشيخ إلى منزلقهم، وهذه طريقتهم التي علمناها ولمسناها منهم وانكشفت لنا حقيقتها فكشفناها قبل عقود من الزمن! وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً) (الاسراء:73). هذه هي الخلة الزائفة التي قال الله عنها: (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67). فاحذر أيها الشيخ! فأنت لست هيناً علينا، وتأمل ماذا يقول الله تعالى بعد الآية الأولى: (إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً) (الاسراء:75)!!! وهذا التهديد موجه إلى أحب الخلق إلى الله! فكيف بسواه؟!

أما الباقون – وهم قلة – فمنهم من وقف حائراً بين ما يبدو له من صحة المقال، وبين سابق علمه بوجوب الرد على أهل البدع، ومنهم من عاش الواقع وعرف الحقيقة فلم ينخدع بما يظهر له من زخارف القول وتمويهات الحجج، بل واجه المقال بكل ثقة ليقول، مع تحفظنا على بعض ما جاء في القول من تهجم لا نفعله نحن بحق الشيخ حفظه الله، ولا غيره: (الوحدة كلمة رائعة ولكن من يفرق بين المسلمين؟ من يشتم ويلعن الصحابة الكبار وكبار الصحابة؟ من أطلق عنوان فدك على كل الفنادق والأبنية لإثارة الفتنة المذهبية؟ من يسعي لإشعال نار الحرب الطائفية في الممالك الإسلامية بالمال والبنين؟ من يسعي للسيطرة على بلاد السنة؟ من يقول الكفر مثلاً: “يوم القيامة سيسجد إبراهيم النبي أمام الحسين بن علي”؟ وهذا كلام احد زعمائهم اسمه مصباح يزدي وأثار بعض من الجدل. ومن يخرج قدماً تلو آخر عن التوحيد ويصنع كل يوم بدعة أخرى؟ من يسمي زعماءهم بلقب آية الله العظمى ونعلم أنّ آية الله العظمي هو القرآن المجيد؟ هل تتوقع أن يسكت المسلمون أمام كل هذه التحديات على دين الإسلام؟ يا فضيلة الشيخ على أيّ واد تمشي؟ هل أنت تعتني بدين الحق؟ أم أنت من اللاعبين؟ نحن أهل السنة في إيران نرى إعدام العلماء وتخريب المساجد كما فعلوا بمدينة مشهد وغيره ؟ وآخر سؤال هل تدري أن المدينة الوحيدة (يقصد العاصمة الوحيدة في العالم) التي لا يوجد فيها مسجد لأهل السنة هي طهران. هل يكفي أم لا؟). وقائل هذه الكلمات شخص من سنة إيران. وعقّب آخر من باكستان بقوله: (سيدي الشيخ الجليل اقدر مقالتكم هذه تقديرا بالغا واقدركم انتم تقديرا بالغا. ولكن هذا لا يمنعني من القول انك لا تعيش بينهم ولا تعرف عنهم غير اليسير).

وقد وصلتني رسالة من رجل أحوازي ترك لي رقم هاتفه ورمز بريده يقول فيها: (ان الملالي في الاحواز المحتلة يسبون الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان على المنابر جهارا نهارا. كما يسبون امهات المؤمنين عائشة وحفصة رضي الله عنهن وارضاهن ويحسبونه حسنات وثوابا عظيما.الكلام طويل ويندي له الجبين ولكن لا نقول الا حسبنا الله ونعم الوكيل).

وهذا كله يؤيد قولي: إن المقال في واد والواقع في واد آخر؛ فمن عاش الواقع واكتوى بناره لن يندفع أبداً مع تنظيراته، ولن يصغي بتاتاً لتقريراته؛ لأنها تنظيرات وتقريرات ذهنية مجردة.

فانظر يا شيخ مرة أخرى إلى النصوص الدينية، والتوجيهات الشرعية، واقرأ الواقع كما هو، واستمع إلى من عايش وعانى واكتوى، وتأمل الوحي واستنار به. عندها ستجد أن قولك: (ماذا ينتظر ممن أغضبناه وجرحنا مشاعره وآذيناه في عرضه ومعتقده أن يقابلنا به؟ سوف يحاربنا بالسلاح نفسه والطريقة بعينها، مثلا بمثل وسواء بسواء)، ينبغي أن يكون هكذا: ماذا ينتظر منا من أغضبنا وجرح مشاعرنا وآذانا في عرضنا ومعتقدنا أن نقابله به؟ سوف نحاربه بالسلاح نفسه والطريقة عينها، مثلاً بمثل وسواء بسواء. وقولك: (أيها الناس من السنة والشيعة وغيرهم من الطوائف أمسكوا ألسنتكم وأغمدوا أقلامكم…إلخ الكلام)، إنما هكذا يكون: أيها الشيعة أمسكوا ألسنتكم وأغمدوا أقلامكم والسكينة السكينة والهدوء الهدوء فأمتنا الإسلامية بها من الجراح والمآسي والصدمات واللكمات ما يعجز عن علاجه أطباء العالم وحكماء الدنيا حتى صرنا كما قال المتنبي:

فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ *** تَكَسَّرَتِ النِصالُ عَلى النِصالِ

إن هذه المعارك المفتعلة هي نتيجة لإعراضنا عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه (من أهل بيته وغيرهم)، وقد حذرنا الله من التفرق والاختلاف وذم من وقع في ذلك من أعدائه فقال: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

نعم.. هكذا ينبغي أن يكون هذا القول، بل كل المقال ينبغي هكذا أن يكون.

نعم.. وهذا هو السبيل.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: