التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

المفتخرون بالعيب

يُحْكى أن رجلا أتى بئر زمزم في الحرم الشريف، فقام يبول فيه، فتجمْهر عليه الحجّاج يضربونه وقالوا : ما تفعل يا رجل؟! قال: أردت أن أشتهر و لو بالبول في زمزم!

يقول الراوي: فتعاهد القوم فيما بينهم أن يهملوا اسمه فلا يذكروه. وهكذا كان فلم يعرف اسم ذلك الرجل.

تذكرت هذا وأنا أقرأ رائعة (شاعر القادسية) الأخ (صلاح يوسف) الجديدة (إنما النوح على قدر الألم)، لولا أنها كتبت في صعلوك لا يستحق أن يذكر حتى ولو هجاءً!

إن هذا الصنف من البشر ينتشي لمجرد أن يجد الناس يذكرونه ولو بالذم! ويتلذذ غير مصدق أن اسمه تلوكه الألسنة، وتردده الأفواه! بل إنه ليفتخر بإظهار بالعيب ويتبجح به!

وعلى طريقتنا التي اختططناها في (استخلاص معنى ثابت من حدث أو شاهد متحرك) نريد أن نغوص قليلاً في هذا الذي أمامنا: قصيدة هجاء من شاعر مبدع في صعلوك شيعي: هل يستحق هذا الصعلوك أن يرفع إلى هذه المنزلة؟

ومن الناس ..

الحياء خاصية سامية في الإنسان تمنعه من إظهار ما يشين. وهي غير الخجل الذي يمنعه من إظهار ما يزين. والحياء – بعدُ – من الإيمان، ولا يأت إلا بخير كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

من الناس لا هذا ولا ذاك!

من الناس من يتعمد إظهار ما يشين، مفتخراً به متلذذاً. وهي حالة شذوذ مرضي مشخصة ومثبتة علمياً. يذكر الأطباء النفسانيون من أمثلته ممارسة الجنس أمام الناس، أو الاستمتاع بإبداء العورة للغير.

لماذا ؟

هذا الشذوذ النفسي نابع من عقدة الشعور بالنقص، التي يتولد عنها الشعور بالمهانة واحتقار الذات والشعور بالذنب. ومن جملة ذلك تنشأ عقدة الصفاقة (Psychopathy). بسبب اعتياد المريض على إتيان الرذائل والنواقص. وبسبب كثرة ارتكابه لهذه الرذائل أو النواقص فإنها كثيراً ما تنكشف؛ ما يزيده جرأة في تعاطيها حتى تصير مفردات يومية يتعامل بها في حياته الاجتماعية دون تردد أو خجل! تسند ذلك عقدة النقص، والناقص لا يستنكف من إتيان النقائص أو انكشافها؛ لأنه كما قيل: الذي في الأسفل لا يخشى السقوط. وفيه وفي أمثاله قال الشاعر العربي:

من يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه مــا لجُــرحٍ بميتٍ إيلامُ

يقول سيجموند فرويد عن الشخص السيكوباثي: “كثيراً ما نجده يندفع بقوة لاتباع نزعاته وأهوائه المكبوتة دون أدنى اعتبار للقيم والمعايير الأخلاقية، أو لما يفرضه المجتمع من أنظمة وتقاليد”([1]).

وتحدث الدكتور علي الوردي بكلام دقيق عن هذه الشخصية حين قال: (فالشخص المصاب بهذا الداء يتميز عن غيره بوجود ضعف في تناسق ذاته من الناحية الزمنية فهو لا يبالي بما فعل في الماضي أو ما سوف يفعل في المستقبل ولا يستحي منهما. إنَّهُ قد يستقرض منك مبلغاً من النقود على أن يرجعه إليك بعد ساعة. ثم تمضي عليه الساعة والساعتان وعشرات الساعات دون أن يشعر بأهمية وعده. وربما قابلك بعدئذ بوقاحة كأنه لم يستقرض منك شيئاً وهو قد يبتسم لك ابتسامة بلهاء ثم يكرر الوعد لك مرة بعد مرة بلا جدوى.إن الشخص (الصفيق) قد يخونك أو يغشك أو يغتابك أو يهاجمك بصلافة ثم ينسى ذلك ويريد منك أن تنساه أيضاً.

ومما يجدر ذكره أن الشخص السوي قد يرتكب مثل هذه الأفعال، ولكنه يخجل منها عادة، ويحاول الاعتذار عنها، أو تبريرها. أما الشخص (الصفيق): فهو يرتكب تلك الأفعال بلا اكتراث كأنه لم يفعل شيئاً يستحق اللوم… لا ننكر أن الشخص (الصفيق) قد يستفيد في بعض الظروف فقلة الحياء فيه تجعله ناجحاً في انتهاز الفرص أحيانا. إنه يستطيع أن يتزعم كل مظاهرة ويقف في كل حفلة ويتزلف لدى كل متنفذ. والمعروف عن بعض المتنفذين أنهم يحتاجون إلى شخص من هذا الطراز ، لكي يقوم بخدمتهم في المهمات التي لا يرضى أن يقوم بهـا الأشخاص الأسوياء([2]).

شاهد واحد يكفي

Untitled

ليلة من الليالي في حلقة بثت مباشرة اتصل فيها شخص يظهر اللطف ويتظاهر بالتجمل بأدب البحث. كان الجهل يقطر من كل كلمة تفوه بها. لم أفسح له المجال فشددت عليه النكير بأن يقرأ آية الخمس قراءة صحيحة حتى يكتسب الحد الأدنى من لوازم أهلية النقاش، فكان يخطئ في كل لفظة، ويرتكب إغلاطاً فاحشة تضحك الثكلى! وهذا هو حالهم في الجهل بالقرآن يتساوى في ذلك عندهم الكاشاني والكشواني، كما يقول العلامة محمود الملاح رحمه الله. رجعت من الاستوديو. ولما فتحت بريدي وجدت رسالة من صديق تتضمن سفاهات ارتكبها ذلك الزعنفة الذي كان يتظاهر – رغم كل ما يتمتع به من جهل -باللطف والأدب وروح البحث، وذلك على صفحات أحد المواقع الألكترونية. وقد صورها لي ذلك الصديق.

فانظروا إلى هذا الصنف من خلال الشاهد التالي الذي وجدته تلك الليلة على بريدي:

تأملوا كيف انعكست الأشياء في عقول هؤلاء والعياذ بالله! إنه يفتخر بممارسته الغش والخداع! ولا يتردد بنشره على رؤوس الملأ!

أليس الأولى بهذه الزعانف أن تهمل فلا تذكر، وتطوى سوآتها فلا تنشر؟ وأنهم أحق الناس بقول الإمام الشافعي رحمه الله :

إذا نطقَ السفيهُ فلا تُجبهُ
فخيرٌ من إجابتِهِ السكوتُ

فإن كلمتَهُ فرجتَ عنهُ
وإن خليتَهُ كمداً يموتُ

عذراً أخي (شاعر القادسية) المبدع! أليس هؤلاء أحق الناس بعقوبة العرب لذلك الناقص الذي بال في بئر زمزم؟

___________________________________________________________________________________

  1. – الشذوذ النفسي عند الجنسين ، ص188 ، سيجموند فرويد.
  2. – لمحات اجتماعية ، 2/312-313 ، الدكتور علي الوردي. راجع كتابي (التشيع عقيدة دينية أم عقدة نفسية).

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: