مقالات

من فضائل الصدّيقة بنت الصديق (3)

tbrtaygq1wa8

الميلاد الميمون

ولدت عائشة ورُبيت في خير البيوت بعد بيت رسول الله. ذلكم هو بيت أبي بكر الصديق الذي كان أول الناس إسلاماً. لقد أسلم الصديق الإسلام الذي نفع الأمة، فكان مع النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يدافع عنه، ويشد أزره، ويمنحه رأيه ومشورته. يبذل من أمواله وجاهه وعلمه في نصرة دينه. ويدعو الناس إليه. فأسلمت زوجته فكانت من أوائل الناس اسلاماً.

في ذلك البيت المؤمن الطاهر ولدت عائشة، وفتحت عينيها على الإسلام. روى الإمام البخاري عنها ( رضي الله عنها ) أنها قالت: (لم أعقل أبوَيَّ إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏طرفي النهار بكرة وعشية). تعني ما فطنت على الدنيا إلا وقد وجدت بيتي قد دان بدين الله. فتربت في ظلال تلك الأسرة التي لم تُضحِّ أسرة كما ضحت نصرةً لدين الله!

يكفي لبيان ذلك دور هذه الأسرة في يوم هجرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ). لقد كانت الهجرة ميلاد الدين الحقيقي، لهذا جعلها الصحابة مبتدأ تاريخ الأمة. فازت أسرة أبي بكر بالسهم الأوفر من ذلك الحادث العظيم! وقد تكفلت السيرة النبوية بشرح ذلك وتفصيله.

الانتقال إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم

وتنتقل الصديقة من ذلك البيت الطاهر إلى بيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )! فهل ثمة شرف يضاهي هذا الشرف؟! فكيف تمت تلك الانتقالة السامية؟

كانت بدايتها وحياً رآه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في المنام. روى الإمام مسلم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لأُمنا عائشة: (أريتك في المنام ثلاث ليالي. جاءني بك الملَك في سرقة من حرير. فيقول: هذه امرأتك. فأكشف عن وجهك. فإذا أنت هي. فأقول: إن يك هذا من عند الله، يمضه”. سرَقة من حرير أي قطعة من حرير. هكذا اقترنت أمنا عائشة بنبينا محمد ( صلى الله علبه وسلم )! وانتقلت إلى بيته. وكان انتقالها متفرداً فما إن رجع رسول الله من معركة بدر وغسل عنه غبار المعركة وانتهت أيام رمضان حتى احتفل بذلك الانتصار، فتزوج عائشة في أول شوال من السنة الثانية للهجرة.

كان للسيدة الصديقة حجرة ملاصقة للمسجد، لها باب يؤدي إلى المسجد. حجرة من تلك الحجرات النبوية الطاهرة الشريفة كان الوحي يتنزل وسطها حتى سميت بمهبط الوحي! وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا أُم سلمة رضي الله عنها: (لا تؤذيني في عائشة فوالله ما نزل عليّ الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها)!

تصوروا….. كان الوحي ينزل على رسول الله وهو في لحاف عائشة!

على أنفاس الوحي

وتربت في ذلك البيت على أحاديث الوحي وأسراره وانفعالاته وآثاره، وهي ما زالت تدرج في أول مدارج الشباب، وتعطرت بأنفاس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). وفي ذلك يقول شاعر الرسول حسان بن ثابت ( رضي الله عنه ) وهو يتذكر ذلك الوحي الحبيب، وتلك الحجرات الشريفة الطاهرة، التي ضمت بين جنباتها أشرف الخلق وأطيبهم وذلك الوحي:

بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ
بها حجراتٌ كان ينزلُ وسطَها
منيرٌ وقد تخبُو الرسومُ وتهمدُ
من اللهِ نورٌ يستضاءُ ويوقدُ

ولطالما جلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بين مسجده وبين حجرة عائشة على عتبة الباب وهو معتكف يخاطب أمنا بأجمل الكلام، يعلمنا كيف نتعامل مع زوجاتنا وأمهات أبنائنا.

وأُدخلت الحجرات كلها في المسجد فضمت إليه، إلا حجرة عائشة فهي باقية إلى اليوم، تضم خيرة الاجساد جسد رسول الله وجسد أبي بكر وعمر.

يا خير من دُفنتْ في التربِ أعظمُه
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُه
فطاب من طيبِهنَّ القاعُ والأكمُ
فيه العفافُ وفيه الطهرُ والكرمُ

كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يعتكف في مسجده في بعض ليالي رمضان، فإذا طال به الاعتكاف واراد إن يغسل رأسه جلس على عتبة الباب ومد رأسه إلى داخل الحجرة، فتضع له الطست وتغسل له رأسه وتجففه وترجله. وهنيئاً للذاهب إلى هناك حيث الروضة التي هي من رياض الجنة، وحيث العتبة التي كان يجلس عندها رسول الله وتجلس عائشة في الطرف المقابل وهي تغسل له رأسه وتجففه وترجله. هنيئاً لمن زار ذلك المكان وتلك الروضة، ووقف يتملى مجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ومناجاته اللطيفة لأُمنا الصديقة عائشة.

مدللة الحبيب

كان ( صلى الله عليه وسلم ) يدللها، يقص عليها القصص والحكايات.

دونكم حكاية من تلك الحكايات الطريفة اللطيفة يرويها البخاري ومسلم يقصها نبينا محمد على أُمنا عائشة، تلكم هي حكاية أبي زرع مع أم زرع، فيقول:

(جلس إحدى عشرة امرأة. فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.

قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث. على رأس جبل وعر. لا سهل فيرتقى. ولا سمين فينتقل.

قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره. إني أخاف أن لا أذره. إن أذكره أذكر عجره وبجره.

قالت الثالثة: زوجي العشنَّق. إن أنطق أطلق. وإن أسكت أعلق.

قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة. لا حر ولا قر. ولا مخافة ولا سآمة.

قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد. وإن خرج أسد. ولا يسأل عما عهد.

قالت السادسة: زوجي إن أكل لف. وإن شرب اشتف. وإن اضطجع التف. ولا يولج الكف. ليعلم البث.

قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء. كل داء له داء. شجك أو فلك. أو جمع كلالك.

قالت الثامنة: زوجي، الريح ريح زرنب. والمس مس أرنب.

قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد. طويل النجاد. عظيم الرماد. قريب البيت من النادي.

قالت العاشرة: زوجي مالك. وما مالك؟ مالك خير من ذلك. له إبل كثيرات المبارك. قليلات المسارح. إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.

قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع. فما أبو زرع؟ أناسَ من حلي أذني. وملأ من شحم عضدي. وبجحني فبجحت إلي نفسي. وجدني في أهل غنيمة بشق فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنق. فعنده أقول فلا أقبح. وأرقد فأتصبح. وأشرب فأتقنح.

أم أبي زرع. فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح. وبيتها فساح.

ابن أبي زرع. فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة. ويشبعه ذراع الجفرة.

بنت أبي زرع. فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها. وملء كسائها وغيظ جارتها.

جارية أبي زرع. فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا. ولا تنقث ميرتنا تنقيثا. ولا تملأ بيتنا تعشيشا.

قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض. فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين. يلعبان من تحت خصرها برمانتين. فطلقني ونكحها. فنكحت بعده رجلا سريا. ركب شريا. وأخذ خطيا. وأراح علي نعما ثريا. وأعطاني من كل رائحة زوجا. قال: كلي أم زرع وميري أهلك. فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.

قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم “كنت لك كأبي زرع لأم زرع).

وكان ( صلى الله عليه وسلم ) يناديها أحيانا تدليلاً وتودداً فيقول لها: (يا عائش)! وأحياناً يقول لها: (يا موفقة)! وكان يناديها بـ(يا ابنة الصديق)! أو (يا ابنة أبي بكر)! أو بكنيتها فيقول لها: (يا أم عبد الله)!

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعامل أمنا عائشة برفق ورقة وحنان، وكان يقدر حداثة سنها، حتى إنه كان يرسل إليها الجواري يلعبن معها كي لا تستوحش. وروى البخاري في صحيحه عنها رضي الله عنها أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقف لها لتتفرج على الحبشة وهم يلعبون في المسجد ويرقصون، وكان خدها على خده.

وكانت أُمُّنا عائشة ( رضي الله عنها ) تعرف منزلتها في قلب الحبيب، فتتدلل عليه، وتتلذ باستخراج ما في مكنون ذلك القلب العظيم لها من الحب والمودة. وتأخذها حمى الدلال والرضى في بعض الأحيان فتسأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ): كيف حبك لي؟ فيقول: (كعقدة الحبل)، فكانت تسأله مرة بعد مرة: كيف حال العقدة؟ فيجيبها: (على حالها).

نعم.. وبقيت تلك العقدة الحبيبة على حالها حتى أتاه اليقين، وهي باقية حتى يلتقيا في رحاب رب العالمين. وكلنا أمل ذلك اليوم العظيم في أن يشملنا الله جل في علاه بشفاعة نبيه الكريم بدفاعنا عنه وعن أزواجه أمهات المؤمنين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: