مقالات

سيتسنن الشيعة ولكن ….!

من مهام القيادة الناجحة محاولة استشراف المستقبل، وتوقع مسار الأحداث، والغوص في أعماق الظواهر دون الانبهار بالمظاهر؛ فكل خير يحمل في أحشائه نسبة من الشر، أو يستصحبه من خارج ذاته، كما أن كل شر لا يخلو من خير بالصيغة السابقة نفسها. يروى أن الفاروق رضي الله عنه استعرض ذات مرة الجنود الذاهبين إلى جبهات الجهاد، فرأى مجموعة منهم تبدو عليهم مخايل من نوع خاص، فتمعر وجهه حين رآهم، وأعرض عنهم منزعجاً مكتئباً. وتمر الأيام فيكون من بينهم قتلة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. كم من الناظرين إلى هذا الاستعراض لم يرجع منه بغير السرور المطلق والبشارة التي استغرقها المشهد بمجموعه دون انتباه إلى استثناء يشير إليه جزء من أجزائه؟

ينصحني بعض الأخيار بالتلطف في حديثي عن الشيعة، يقولون: حتى لا ننفرهم. وأنا مع تقديري لنبل المقصد الذي يرمي إليه هؤلاء الأحبة، أود أن أذكر لهم أن غايتنا أبعد مرمى وأوسع أُفقاً. وأن تجربتنا فيما يتعلق بالشيعة وطرق التعامل معهم، ومداخل نفوسهم، والمؤثرات التي تحركهم، ربما هي الأغنى من بين التجارب كلها؛ بحكم خصوصية الجغرافيا، والممارسة الميدانية الفاحصة الناقدة، ولي مؤلف بمجلد كبير عن المداخل النفسية للشخصية الشيعية. أرجو من إخواننا أن يصغوا إلينا جيداً لينتفعوا من اكتشافاتنا الرائدة في هذا المجال، ثم يتخذوا الموقف الذي يختارونه بعد ذلك. فما كل معتاد مستفاد. وسأرتب حيثيات رؤيتي هذه في نقاط:

التحصين قبل التسنين

  1. نحن نرى أن (تحصين السنة) مطلوب قبل (تسنين الشيعة)؛ على الأقل بالنسبة للعراق كبلد عربي سني مهدد بمسخ هويته العربية، ونسخ مذهبيته السنية بأُخرى شيعية، والعمل جارٍ لذلك على قدم وساق. وفي هذه الحال يكون الحفاظ على رأس المال (تحصين السنة) مقدماً على الربح (تسنين الشيعة). وما من شك في أن الخطاب في مثل حالتنا يختلف شدة وقوة ووقعاً عن الخطاب فيما لو كانت الأولوية للقصد الثاني (التسنين) دون الأول (التحصين). فأرجو من إخواني أن يدركوا هذا الملحظ جيداً، ويعرفوا أنني أسير في طريق واضحة معالمه، مدروسة قواعده، مرسومة خطواته.

البعد التغييري الجماعي قبل الفردي

  1. بالدراسة المعمقة، والملاحظة المدققة تبين لنا أن المنهجية الربانية في دعوة الآخرين ذات بعدين: فردي وجماعي. يقوم البعد الفردي على الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد يحتاج الداعي إلى الجدال بالتي هي أحسن. ولكن هذا كله مع من التزم حدود الأدب. أما من تجاوز وظلم فله شأن آخر (ولا تجادلُوا أهلَ الكتابِ إِلا بالَّتِي هيَ أحسنُ إلا الذينَ ظلمُوا مِنهمْ). بينما البعد الجماعي يقوم على أساس الصدع بالحقيقة: تعريةً للباطل وبياناً للحق، دون تردد أو ضعف، بل بقوة وجزم تتناسب مع شدة باطل المجتمع المخاطب. وفي خطاب القرآن العظيم لليهود والمنافقين – وكذلك النصارى والمشركين – دروس بليغة ترسم معالم المنهج الإسلامي في الدعوة والتغيير الجماعي. واقرأوا إن شئتم سورة (الممتحنة) ففيها الكفاية. وفي سورة (البقرة والتوبة) تفصيل شاف. وقد بينت ذلك في كتابي (لا بد من لعن الظلام)، وهو ما تؤيده دراسات الاجتماع الحديثة. فإدراك الفرق بين البعدين السابقين (الفردي والجماعي) في الخطاب الدعوي يحل الإشكال عند من يرى أن اللين خط ثابت في ذلك الخطاب.

منهجية الخطاب بالصدع لتغيير المجموع والفرد

  1. من خلال ما سبق نتوصل إلى أن تغيير باطل المجتمعات كمجتمعات لا أفراد فقط، له أسلوب واحد هو الصدع بالحق كما سماه تعالى قائلاً لنبيه صلى الله عليه وسلم: (فاصدعْ بِما تؤمرُ). والصدع يستلزم الصراحة والوضوح، والجزم والتأكيد، والثقة والقوة، وأن تهاجم لا أن تكتفي بالدفاع. وهذا هو مسارنا الذي اختططناه واخترناه على بصيرة ودراية وخبرة ودراسة، حسب منهج علمي استخلصناه من نصوص الوحي، ورأيناه في مسيرة المصلحين: مسلمين وغيرهم (قادة النهضة العلمية في أوربا، ومارتن لوثر مثالان بارزان)، وكل الذين أثروا في مجتماعاتهم إيجاباً وسلباً. وبهذا نحقق الهدف الأكبر والأكثر إلحاحاً وأولوية وهو تحصين السنة، ويكون تسنين الشيعة ربحاً تلقائياً وتحصيل حاصل! أي نحقق الغايتين بحركة واحدة. فهل هناك ما هو أكثر توفيقاً وأعظم ربحاً؟!

الخوف من تسنن الشيعة قبل تهيؤ السنة

  1. بناءً على ما ذكر آنفاً، ومن خلال النظر في مسار التاريخ وتحولاته، وعبره وعظاته أقول: ليست مشكلتنا عدم أو قلة تسنن الشيعة، وليس هذا ما يقلقني. إنما الذي يقلقني ويخيفني هو تسنن الشيعة في المستقبل القريب! إنني أرى أن الشيعة مقبلون – بإذن الله تعالى – على حالة تسنن جماعي، لا فردي فقط فإن هذا حاصل الآن وقبله. إن قناة (صفا) و (وصال) – ومعهما بعض القنوات القليلة الساندة – تسيران في الاتجاه الصحيح في طريق الدعوة الجماعية، الذي دعونا إليه في العقد الأخير من القرن الماضي، والمتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة ولادة فضائيات أُخرى باللغتين العربية والفارسية. إن هذا وغيره سيساهم بطريقة الحث والعدوى، وغيرهما من طرق التأثير، في انتشار منهج الصدع الجماعي في المجتمع عموماً وميادين العمل الدعوي خصوصاً، وتجاوز مرحلة الاقتصار على منهجية الحوار الفردي. والنتيجة هو ذلك التحول الكتلي الجماعي من التشيع إلى التسنن.

ولعل سائلاً يسأل: وما المشكلة في هذا؟ ولماذا القلق؟ ومن أين يأتي الخوف؟ لقد قلت: “إن كل خير يحمل في أحشائه نسبة من الشر”. فإذا تمكنا من تحديد ماهية الشر وموقعه في هذه المعادلة، ربما أمكننا ذلك تجنبه أو العمل على معالجته. الشر المقلق هو حين يحصل هذا التحول ونحن في وضع لا يهيئنا لاستيعاب هذا العدد الكبير من الشيعة المهتدين. فإن تسنن الشيعي ما لم يُتبع بسلسلة من حلقات التعليم والتوعية والتربية والاختبار لإحداث التغيير التام على الصعيدين العقائدي الفكري ثم السلوكي الخلقي، فسنقع في الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه الأمة يوم دخلت بلاد فارس في الإسلام جملة واحدة دون أن تمر بما مرت به بلاد العرب من قبل في تلك السلسلة التي استمرت حلقاتها متتابعة عليها مدة ربع قرن بالضبط (23 عاماً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم + 2 عامين على عهد الصديق رضي الله عنه) قبل أن يخرجوا بدينهم ورسالتهم إلى العالم.

الخطر في ( أنصاف السنة ) من الشيعة

تكلمت في (لا بد من لعن الظلام) عن مشكلة أسميتها (نصف سني = نصف شيعي) قلت فيها ملخصاً:

(افترض أن رافضياً استطاع أن يتغير سنياً إلى النصف فصار نصفه سنياً، وبقي نصفه الآخر شيعياً، وأن هذا (الصنف – النصف) قد كثر بيننا وصار يتكلم بألسنتنا ويبث أفكاره المشوشة المخلوطة فيما بيننا: أليس في هذا خطرٌ علينا؟ من المؤكد أن أنصاف المتغيرين هؤلاء سيشكلون خطراً على الصف الداخلي. وذلك من عدة نواح: منها تسلل المدسوسين فيما بيننا، ليعملوا عملهم في تخريب الصف وكسب ما يستطيعون كسبه إلى جانبهم عن طريق العلاقات الشخصية وإثارة الشكوك وإلقاء الشبهات في أوساط أهل السنة والتأثير عليهم بشتى الوسائل والحيل.

ومنها أن هؤلاء الأنصاف سيحسبون مستقبلاً على الصف الداخلي، وسيكون منهم الخطيب والأستاذ والمحاضر والكاتب والمتدين العادي. ولا شك أن ما سوف يطرحونه سيكون مخلوطا وليس صافياً. وعندها – وبعد اكتسابهم للهوية بتأثير الزمن – سيستقبل الوسط السني هذا الخليط على أنه هو الحق. إن هؤلاء (الأصناف- الأنصاف) ما لم نقطع معهم الشوط إلى نهايته طبقا إلى المنهج القرآني لنغيرهم التغيير المطلوب فانهم يشكلون خطر مستقبلياً علينا لا يقل عن خطر الفرس حين دخلوا في الإسلام جملة واحدة واكتسبوا الهوية على عجرهم وبجرهم، فقاموا بأخطر الأدوار في هدم دولة الإسلام).

والآن قل لي: أيهما هو التحدي الأول: تسنين الشيعة؟ أم تحصين السنة؟ وهل تسنين الشيعة قبل تهيؤ السنة مشكلة؟ أم حل لمشكلة؟

أيها الإخوة! إن التحدي الأول هو تحصين السنة. وتسنين الشيعة سيكون تحصيل حاصل، حين يقع يكون المجتمع السني المحصن قد تهيأ لاستيعابهم وهضمهم دون تأثيرات جانبية خطيرة، هي أخطر بكثير من بقاء الشيعة على تشيعهم.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: