مقالات

انفصال جنوب السودان

بعيداً عن الحماس والفكر القديم

أذكر أنه في أواخر سنة 2005 وافقت حكومة السودان على منح حق تقرير المصير بالنسبة لإقليم الجنوب، تلك الدِّمَّلة المتكررة الانفجار في جنب ذلك القطر الشقيق، الذي يمتلك أكبر مساحة جغرافية من بين الدول العربية على الإطلاق. يومها لم أكد أصدق ما رأيت على شاشات الفضاء! وقلت مباشرة ومن دون تأمل: سينفصل الجنوب لا محالة.

أظنني اليوم أمتلك بعض الرؤية لإدراك شيء مما جرى ويجري، يمكنني بها أن أتفهم موقف الحكومة السودانية في اتخاذ هذا القرار الجريء، كما أُسميه اليوم، بينما اعتبرته في ذلك الوقت قراراً غير مفهوم، وربما اعتبرت الحكومة بسببه تريد التناغم مع المشروع الأمريكي التقسيمي. أقول “التناغم” تخفيفاً للهجة التي كانت تحكم ثقافتي تلك الأيام، وقد كانت حينها في منتصف طريق الانسلاخ من أوضار الماضي، الذي تشيع فيه مصطلحات “العمالة” و “التخوين” و “المؤامرة”.

كانت صدمات الاحتلال شديدة، بما ترافق معها من مواقف كشفت المستور القديم وأظهرت عواره، تحرك لها وسط الثقافة الراكد بمفاهيمه ومصطلحاته. ولكنني كنت في حاجة إلى صدمات أشد، ومدة أطول لأواصل الانسلاخ والتغير.. والتكيف أيضاً. ولكي أملأ الفراغات والتجاويف الحاصلة ببديل أجتهد أن يكون أفضل.

قيل ويقال

كثير قد قيل، وكثير يقال.. سينفصل الجنوب، ويضعف السودان. سيتمزق إلى دويلات.. دارفور هي المرشح القادم. سيتحكم الجنوب المسيحي بمياه النيل. وتحصل حروب وصراعات.

هذا كله وارد، وممكن الوقوع. وبعضه قد يكون مبالغاً فيه، وقد لا يقع أصلاً.

لكن ثمة من يقول: على العكس، ورغم التأثيرات الجانبية للانفصال فإن الوضع الجديد سيريح الدولة من عبء كبير، ويمنح الحكومة فرصة التخفف من هذا العبء الثقيل؛ للانصراف إلى إدارة بقية البلاد وتحسين أوضاعها بشتى نواحيها المعاشية والاجتماعية والسياسية، وحتى العسكرية. بل هناك من يؤكد على أن الدول الصغيرة أسعد حالاً، وأوسع رفاهاً وأكثر استقراراً من الدول الكبيرة. وكلها وجهات نظر تستحق الوقوف والتأمل، وربما حتى التبني. ولا أجدها تشكل محرمات فكرية أو عقائدية عند من لديه قابلية احترام الرأي والرأي الآخر، ويمتلك المرونة المطلوبة للتعامل مع مستجدات الحياة ومتغيراتها.

أنا كعراقي

بالنسبة لي كعراقي أعيش كارثة احتلال مركب (إيراني– شيعي– أمريكي) لا أجد في قلبي ولا فكري مساحة كافية للاستغراق في مشاكل وقضايا إخوة لي آخرين، لم يعطوا قضيتي من قلوبهم وعقولهم ما تستحق من الاهتمام، وإن نظروا إليها فمن خلال منظار قضاياهم فقط. وبعضهم يريدني ضحية تسحق لأجل قضيته أو فئته أو حزبه، أو – حتى – ذاته! وقد علمتني الرزايا والتجارب أنه لا وجود لأمة (عربية كانت أم إسلامية) خارج نطاق الذهن، وتحت فضاء الأحلام، ودون خط التطلعات والغايات البعيدة. إذن ليحمل كل واحد منا حمله على ظهره دون أن ينتظر من الآخرين شيئاً كبيراً، ثم……. لا بأس – بعد ذلك – من تبادل الشعور، وتلامس العواطف، وتطيير رسائل الحب.. شعوراً بشعور، وعاطفةً بعاطفة، وكلاماً بكلام. أما المواقف فلا تكون إلا مقابل مواقف.

هذا هو مقتضى العدل، بل هو العدل نفسه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (لأنفال:72).

كعراقي – هذه حيثيات قضيته، وهذا إطار تفكيره – يمكنني أن أسجل بعض الملاحظات على حادث انفصال جنوب السودان المتوقع، والاستفتاء ما زال في يومه الخامس:

  1. الدول في شكلها الحالي لم تكن على ما هي عليه الآن قبل مئة عام مثلاً. وما آلت إليه هو نتيجة تراكمات وتفاعلات سياسية واجتماعية وعسكرية، وقرارات دول ذات نفوذ وتحكم في شؤون السياسة والقوى العالمية. وليست خرائطها المرسومة نازلة من السماء. وإنما رسمت في الأرض، على الأرض، وللأرض.
  2. تتكون الدول عادة من شعوب مختلفة في أعراقها وأديانها ومذاهبها ومشاربها. والذي يجمع بين هذا الخليط، غير المتجانس – أحياناً – إلى حد بعيد، هو (عقد وطني) يفترض أن يكون قد تواضع عليه الجميع بمحض اختيارهم.
  3. العقد الوطني كأي عقد (عقد الزواج والبيع والإيجار… وغيرها من العقود) لا يقوم على الإكراه، وإنما على التراضي بين الأطراف المتعاقدة. ومن دون هذا الشرط يمسي العقد لاغياً، وإن كان مطلوباً ومرغوباً من طرف واحد. فالشعوب لا تتآخى بالإكراه، والدول لا تستقر بشعوب جمعت دون أساس صالح للاجتماع.

كما أنه لا ينبغي النظر إلى مصلحة فئة دون فئة أو على حساب فئة، أو النظر إلى مصلحة البلد ووحدته وقوته ككل غير مجزأ، مع انسحاق فئة من المجتمع ثمناً لوجود الكل. لا بد من توازن يحفظ الحقوق. وإلا فالواجب الانتباه إلى صوت تلك الفئة والاستماع إليه بموضوعية، بعيداً عن تنظيرات (المصلحة العليا)، ونظريات (المؤامرة).

لا بد من ذلك سيما ونحن في بلدان الشرق المتخلفة ثقافياً وسياسياً، ولا تعرف جيداً مفهوم التوازن بين الأطراف المختلفة فضلاً عن آليات وتنفيذ تطبيقها، ولا تدرك من الديمقراطية – في أفضل المستويات – سوى المعرفة العلمية للمصطلح، بينما الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون معرفة سابقة، وممارسة لاحقة. فأين شعوبنا – جماهيرَ ونخباً – من ثقافة الديمقراطية؟ هذا على افتراض التسليم بكونها هي الحل السليم شرعاً ووضعاً.

  1. ثقافتنا في العموم ثقافة أُحادية النظرة. وسياستنا تقوم على الحماس والعاطفة، مسكونة بهاجس المؤامرة، ووصم العمالة لأدنى شبهة. أفرزت هذه الثقافة تصورات مضطربة كثيرة وشائكة.

منها اعتبار أي حل أو خطوة أو مشروع يمكن أن يخدمنا، لكن يطرحه العدو، أو يحقق مصلحة له، فهذا ليس له غير معنى واحد هو المؤامرة! فيواجه بالرفض دون طرح البديل الواقعي (وأؤكد الواقعي؛ فما أكثر البدائل الحالمة!)، أو حتى مجرد التفكير فيه. وننظر إلى مشروع كهذا على أن الدخول فيه مع العدو ما هو إلا عمالة وانشباك في المؤامرة!

التعاطي السياسي لا يتم دون وجود مصالح مشتركة بين أي طرف وآخر حتى لو كان الطرفان – خارج نطاق ذلك التعاطي – أعداءً. لا يمكن بحساب المنطق والواقع لأي طرف أن يدخل في مشروع لا مصلحة له فيه؟! وقد كانت سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحلاف والمعاهدات بينه وبين أعدائه تراعي هذا الجانب. هذا مع قوته وتمكنه. فكيف ونحن اليوم ضعفاء؟! كيف يمكن لي أن أنتزع حقوقي من أيدي الأقوياء وأحصل على بعض مصالحي دون أن ألوح لهم بأن مشروعي يقدم خدمة ما لهم؟

الانطلاق الصحيح في عالم السياسة يكون كما يلي: أنظر إلى مصالحي أين هي؟ ثم أفكر بخطة للوصول إليها، فإن كانت مفردات الخطة، أو بعضها، لها مساس وتقاطع مع العدو، أفكر كيف أستدرج عدوي لتحقيق هدفي. وهذا يستلزم تلقائياً إقناعه بأنني مهم بالنسبة له في دفع ما يضره، وجلب ما ينفعه. إن هذا يتبعه – من الطرفين عادة – تقديم تنازلات وتقبل خسارات جزئية، يجتهد الكل على أن تكون الأرباح الكلية من الاتفاق تغطي تلك الخسائر. وهذا كله – بالنسبة لأهل الحق – يخضع لضوابط شرعية ووطنية واجتماعية.

انظر إلى الثقافة السائدة تخون كل من يعقد اتفاقاً مع الأمريكان فمن سواهم، وتصفه بالعميل والمتآمر! إنها ثقافة من لم يمارس السياسة، ولم يعان الأمور واقعياً. ومما لا شك فيه أن أصحاب هذه الثقافة يتناقضون عند الممارسة، ويقعون عند الامتحان في مطب التشطير بين النظرية والتطبيق، فتراهم يجيزون لأنفسهم ما كانوا يحرمونه من قبل على غيرهم بل وأنفسهم، أو يلجأون إلى سياسة التبرير والتصنيف ليخرجوا تصرفهم من الوصف المدان قُدماً طبقاً لنظريتهم التجريدية السابقة. فإيران – مثلاً – رغم عدائها المستحكم ضد العرب والمسلمين، وكونها خطراً لا يقل عن خطر أمريكا وإسرائيل: تصنف لديهم على أنها “دولة مسلمة” يتعاملون معها ويستلمون منها الأموال، ويعقدون بينهم وبينها الأحلاف، بينما ذلك كله محرم حين يتم مع أمريكا، حتى وإن كان ضمن الضوابط السليمة! وسيأتي يوم – عندما يوضع هؤلاء على المحك ويكونون في مقدمة أصحاب القرار – تجدهم فيه يرتكبون الشيء نفسه الذي كان مصدراً للوصف بالعمالة والخيانة والمؤامرة. وتجربة أمثالهم في العراق شاهد.

  1. النظر إلى الأحداث من زاوية المنظار العام الذي يذوب المشكلة الخاصة في مشكلة (الأمة)، والأُمة لا وجود لها خارج نطاق الذهن، غير مقبول ولا منصف. لا يصح أن يسحق الخاص الموجود من أجل عام مفقود. وليس من العدل ولا الواجب أن تلغى المصالح الخاصة لأجل المصالح العامة دون أدنى اعتبار يوازن المعادلة ويلطف الحكم العام لصالح الخاص، وأن يدفع الخاص الثمن لأجل عام هو أشبه بالوهم أو الحلم.
  2. ومثله النظر إلى مشاكل بلدان الأمة ودولها من زاوية نظر خاصة، أو أنانية قاصرة. فينظر أهل كل بلد إلى مشكلة البلد الآخر بما يرونه يحقق مصلحة بلدهم هم، ويتوافق مع تفسيرهم للحدث، وإن كان ذلك على حساب ذلك البلد الآخر. كما هو الحاصل عند الفلسطينيين في تعاملهم مع أزمات ومشاكل العالم العربي وغيره. وتعاطيهم مع القضية العراقية خير شاهد على ما أقول.

بعد هذا، وفي ضوء ما سبق بيانه أقول كلمتين:

  1. لم أجد أحداً تساءل عن الأسباب الموضوعية التي حملت الحكومة السودانية على السباحة ضد منطق الأحداث، فترحب بالقرار الذي سيفصح عنه الاستفتاء، حتى وإن كان هو الانفصال! إذ من المعلوم بداهة أنه لا توجد حكومة في الأرض قديماً وحديثاً لا تريد توسيع رقعة وطنها لو حصل بيدها، فكيف تفرط فيما هو حاصل أصلاً لولا أن أسباباً عميقة حملتها على ذلك؟ هل تعلمون كم تحملت السودان من دماء ومال وتضحيات في سبيل الحفاظ على الجنوب ضمن الجسم الكلي للسودان الحالي؟ وقد عبر الرئيس عمر حسن البشير عن هذا الحمل الثقيل بقوله: (لقد كانت الجنوب عبئاً ثقيلاً على السودان). فلماذا ننظر إلى السودان من زاوية النظر العام بإطلاق دون اعتبار لنظر الحكومة نفسها، التي هي أعلم بالأسباب الدافعة والعلل الحاملة؟ كل ما نقوله: نريد توحيد الأمة فكيف نرضى بتمزيقها؟ مع أن الأمة غير موجودة أساساً. الأمة ممزقة، وتوحيدها غاية بعيدة لا يمكن الوصول إليها على مدى عشرات السنين القادمة، بل ربما تجاوزت هذا القدر. والله أعلم بالغيب متى وكيف ذلك سيكون؟ فدعوا الأمر حتى يتحقق، وعند ذاك يكون التوحد نافعاً للجميع، والتمزق ضاراً للجميع. أما الآن فكل بلد له حالته ومصلحته ومشاكله، التي تُلح عليه بإيجاد حل لها، ولا تنتظر من (الأمة) شيئاً في سبيل ذلك؛ لسبب بسيط جداً، هو أن (الأمة) لا وجود لها. الأمة حلم جميل، وهدف بعيد. فلنعشه حلماً لا واقعاً. هذا هو مقتضى المنطق والشرع والسياسة.
  2. الدول المتقدمة (ومنها الدولة الإسلامية في قمة مجدها) تبنت حلولاً لهذا التنوع أو الاختلاف الحاصل بين مكوناتها الوطنية، وعلى رأسها الحكم اللامركزي، وأقرب نظام إليه بلغة المعاصرة هو (الفدرالية). وأنا لا أحب التنظير للآخرين من مكان بعيد، وأكون أعلم منهم بهم. ولكن أقول الكلمة التالية بناء على كلام مفكرين من السودان الشقيق نفسه. يقول أحدهم([1]): (الفدرالية حل حضاري، ويحفظ وحدة العلم، والتراب). ثم يقول رداً على من يتخوف من الفدرالية أن تكون قنطرة للانفصال: (وحدة التراب، والجيش حق يضمن وجوده كل أعراف الفدرالية).

بناء على هذا تكون الفدرالية أساساً للتوحد، وليس سبيلاً للانفصال. فلو أن الحكومة السودانية تبنت هذا الخيار (الفدرالية) لكانت الفرصة أكثر في الحفاظ على وحدة السودان، وذلك خير من الإكراه الذي مارسته بحق الجنوب عشرات السنين، ذلك الإكراه الذي كان السبب في الانفجار الذي سيخلف الانفصال، وقد يكون مقدمة لانفصالات أُخرى على الطريق.

إنه درس بليغ لنا، علينا أن نطيل النظر فيه. والسعيد من اتعظ بغيره، فاحتاط لنفسه أن يكون جسده مشروعاً لمبضع التشريح.

_________________________________________________________________________________

  1. – (السودان وكارثية انفصال الجنوب) ، الدكتور حجازي إدريس.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: