مقالات

مقبرة العبادي في المحمودية (2)

من شواهد الإبادة الجماعية للسنة في العراق

البطل سعد حمزة

وأما الثاني فهو (سعد حمزة بعيوي). كان أهله يسكنون حي الجزائر المقابل للحي العسكري المشهور بالمقابر الجماعية. وكنت أسكن الحي نفسه سنين عديدة. أذكر أنني زرتهم مرتين أو ثلاثاً مع خالهم، وهو صديقي، كان بيته يجاور بيتهم، فكنت أرى على جدار حجرة الاستقبال صورة لوالدهم الأسير في إيران. فنشأ الأولاد كاليتامى حتى شبوا وكبروا. كان سعد غلاماً صغيراً يوم ترك التشيع الفارسي وانتمى إلى الدين الصحيح.

وحين عينت خطيباً في مسجد (التيسير)، المسجد الوحيد في الحي سنة 1994، كان سعد شاباً صغيراً يتردد على المسجد. كان يغلب عليه الحياء، وعلى وجهه الأسمر البشاشة وهو يتحدث، لكنه يتحفنا بأحاديث تغلب عليها الطرفة، وتشيع الارتياح وترسم البسمة على وجوه السامعين.

وحين حلت بنا كارثة الاحتلال، لم يقف سعد موقف المتفرج، بل كان ابناً باراً للمحمودية العزيزة وبطلاً من أبطال العراق.

في (23/7/2006) افتعل السفاح العقيد فوزي آمر الفوج الثاني المسؤول عن حماية المحمودية – كما سبقت الإشارة إلى ذلك على لسان النائب حسن ديكان الجنابي في حديثه السابق عن مقابر المحمودية – افتعل هذا السفاح معركة شارك فيها الجيش وعناصر من جيش المهدي التابعين لشرطة المحمودية، يساندهم طيران الجيش الأمريكي، وشن الجميع هجوماً على عشيرة الغرير في منطقة الراكوب شرقي حي الجزائر. كان البطل سعد حمزة السعيدي أحد الذين تصدوا للدفاع عن المنطقة أمام هذه الهجمة الشعوبية الصليبية. وأثناء المعركة جرح جرحاً بليغاً أقعده عن القتال فالتجأ إلى ضفة ساقية يلوذ بها من رمي الأسلحة وقصف الطائرات، ولما أراد أحد إخوانه المقاتلين إخلاءه رفض بشدة قائلاً: أما أنا فقد قربت نهايتي، فلا أريد أن تفقد حياتك معي، فانج بنفسك. ومات على هذه الصورة المشرفة. وبقيت جثته محتجزة في مستشفى المحمودية، ولم يسلموها لأهله إلا بعد مفاوضات ووساطات وأخذ ورد. لتنقل بعدها إلى ذلك الشاهد الكبير على حقبة من أشد حقب العراق حلكة.. إلى (مقبرة العبادي) في المحمودية. وعزاؤنا في هؤلاء الأعزة جميعاً قوله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:169-171).

كم من عثمان وسعد ؟!!!

كل قبر يضم بين طياته قصة مأساة، ومأساة قصة لإنسان لم يكن يدري أنه حين مر من ذلك الدرب كان يحمل على جسده، أو في جيبه شاهد إدانة، الموت أهون عقوبة جزاءً لها! فالسعيد من نفذ فيه حكم الإعدام دون تعذيب يشيب لهوله الصبيان!

حميد سهيل علي الغريري أحد أولئك المدانين بلا إدانة . إنسان لم تسعفه الأيام لدخول المدرسة، فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. قضى حياته بين الحقل والمسحاة وسوق الخضار. قادته خطاه إلى خارج المحمودية ليس بعيداً عنها، كي يستلم حصة (حاصودته) من الكاز، هذه المادة التي كانت أرخص من الماء قبل الاحتلال، وأكثر توفراً من التمر في العراق.. فذهب إلى (المحطة العالمية) قرب حي (أبو دشير) الشيعي عند أطراف بغداد الجنوبية. كان معه ابن أُخت له اسمه مالك فيصل نجم الغريري، مثله فلاح وأمي أيضاً. هذا آخر العهد بهما من أهلهما! ثم اتصل الخيط بمكالمة هاتفية نصها – كما أخبرني أحد أقربائهما- بعد ترجمتها من اللهجة العامية إلى اللغة الفصحى: “يا أبناء السنة! يا أبناء الحمير! هلموا فاسمعوا صراخ أبنائكم”!!! كانت أصواتهم من خلال الهاتف تتعالى يستغيثون: “الحقوني.. الحقوني” أي أغيثوني. شيئ مروع مذهل في منتهى الترويع والذهول أن تسمع بأذنيك صراخ أخ لك أو أب أو ابن وهو يعذب حتى الموت، وأنت لا تملك له شيئاً، ولا تعرف أين هو؟ ومن خلال أرقام الهواتف الموجودة في هاتفي الضحيتين اتصل القتلة بالعشرات من أصحاب تلك الأسماء يسبونهم بالألفاظ نفسها، ويدعونهم لسماع صرخات واستغاثات الضحيتين. وبعد مساعٍ وتوسلات تمكن علي سهيل أخو أحد الضحيتين من استلام جثتي أخيه وابن أخته بوساطة شخص شيعي. كانت الجثتان مقطعتي الأوصال تقطيعاً! لحظتها كانت (مقبرة العبادي) تفتح ذراعيها ترحيباً بمقدم وافدين جديدين. كان للفقيدين سيارتان سلبهما القتلة.

لم تمر فترة طويلة حتى كان علي سهيل علي الغريري في سيارته البيك آب مشحونة بالطماطة، ومعه ابن عم له، متجهين إلى علوة (سوق) الخضار لبيع المحصول. في الطريق إلى السوق كان هناك على اليمين في منطقة ناحية الرشيد عند علوة الرمل المعروفة سيطرة (نقطة تفتيش) عسكرية. وبينما كان الرجلان يمران من أمام السيطرة تم اعتقالهما. وبعد تحقيق قصير ومحكمة في الهواء الطلق استمرت بضع دقائق، وُجه فيها إلى المتهم ثلاثة أسئلة فقط – كما روى أحد أفراد السيطرة – سؤال عن الهوية المذهبية: هل أنت سني أم شيعي؟ والإجابة الطبيعية معروفة. وحتى يتم اختبار صحة الجواب بدأوا بتوجيه أول الأسئلة في قائمة الاختبار. لم يكونوا في حاجة إلى أكثر من سؤالين. فبعد أن تمت الإجابة بنجاح مقبول عن أحد السؤالين وهو: أرنا كيف تصلي صلاة الشيعة؟ كان الرسوب في السؤال الثاني: عدد لنا أسماء الأئمة المعصومين؟ الأعوام التي نافت على السبعين من عمر الرجل كافية لإصابة ذاكرته بالعطب فلم يعد بوسعها الاحتفاظ بتلك السلسلة الطويلة من الأسماء المتشابهة. ومع الرعب والترويع لم يتمكن الرجل من ذكر غير واحد منهم فقط هو (المهدي)! قالوا له: والبقية؟ فقال: لا يحضرني سوى اسم المهدي. والراجح أن زمرة جيش المهدي التي كانت تحيط به في تلك اللحظة هي التي أوحت إليه بهذا الاسم. وبعد الإعلان عن الفشل في الامتحان سلموهما لتلك الزمرة، التي طافت بالسيارة المحملة بالخضار علناً في شوارع حي الجزائر ينادون على سكان الحي من خلال مكبرة صوت يدعونهم لاستلام ما في السيارة مجاناً. وأما الرجلان فقد قتلا، ويرجح أنهما دفنا في أحد المقابر الجماعية في مسجد من مساجد السنة في المدينة. ومحي أثرهما.

وإذا كانت (مقبرة العبادي) قد فاتها هذان الوافدان فإنها كانت بانتظار وافدين آخرين بدلهما. إذ سرعان ما داهمت مجموعة ترتدي زي الشرطة وتستخدم سياراتها الخاصة، بيت كريم علي الجبر الغريري، الواقع خلف حي الجزائر قبل منطقة الراكوب، وقبضت على ولده رائد الشرطة سعد كريم، والذي يحمل شهادة دكتوراه في الإعلام. كان بالقرب منه رجل يحرث الأرض بواسطة ماكنة تراكتور من عشيرة الغرير أيضاً، فخذ العمران، قبضوا عليه. ثم داهموا بيتاً مجاوراً فاعتقلوا اثنين من أهله. واصطحبوا الجميع إلى مكتب الصدر في الحي العسكري. تبين أن الرجلين الأخيرين شيعيان من عشيرة (الكريط)، فأفرج عنهما بوجود المدعو (سيد خضير)، وهو رجل معروف يسكن حي الجزائر، وله يد طولى في عمليات الإبادة. أما د. سعد وصاحبه فيحدثني من قام بتغسيلهما أنهما تعرضا للتعذيب الشديد وقد كانت أوصالهما مقطعة. غني عن القول أن الحصول على الجثث لم يكن سهلاً. ثم ابتلعت (مقبرة العبادي) جثتي الفقيدين، وهي تقول: (هل من مزيد)؟!

قريباً من مكان الحادث، وفي منطقة (الراكوب) توجد مجموعة من البيوت شيعة ينتسبون إلى عشيرة الكريط. لعبت هذه المجموعة دوراً خطيراً في عمليات الإبادة الجماعية للسنة. وكان أحد مفردات هذا الدور، بالتنسيق مع (سيد خضير)، أنها كانت تؤدي مهمة الرصد للغادين والرائحين من السنة خصوصاً الغرير المجاورين لهم، والاتصال بالمليشيات عن طريق الهاتف لتنفيذ عمليات الاختطاف بحقهم. تبين أن علي سهيل وصاحبه تم رصدهما من هذا المكان قبل أن يلقى عليهما القبض عند علوة الرمل بالطريقة التي سبق الكلام عنها.

لقد وصل الإجرام بأولئك القتلة أنهم حين يتابعون الضحية يتصلون بالهاتف على أي سيطرة قريبة يساومونهم على المبلغ المدفوع مقابل هذا الصيد الثمين. فإذا لم يكن الثمن مغرياً اتصلوا بسيطرة أخرى. وهكذا!

في الوقت الذي كانت تتكون فيه مقابر السنة الجماعية بصورة تلقائية. كانت مقابر زائفة مصطنعة تقام على الطرف الآخر! كان كثير من الجثث في بغداد وضواحيها تنقل إلى مقبرة كبيرة في كربلاء بلغ عدد قبورها عشرات الآلاف، أغلبهم من السنة. ويدفنون هناك وتقام لهم شواخص على أنهم قتلى شيعة قتلوا بيد السنة. وهكذا يتم خديعة الأجيال اللاحقة من أجل إدامة المظلومية التي تقوم على أساسها القضية الشيعية، خدمة لإيران الشعوبية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: