مقالات

الكي .. أول الدواء

في الذكرى الثامنة للغزو ( الصليبي – الإيراني ) للعراق

استيقظت باكراً للصلاة. كان النسيم منعشاً خارج الدار صبيحة ذلك اليوم وهو يلامس أطراف السنابل التي ما زالت خضراء والربيع في أيامه الأولى. السكون سيد الموقف، إلا من سقسقة قُبَّرة ترسل آخر تسبيحاتها المعتادة أولَ كل صباح.

كل هذا كنت أراه ولا أراه.. أسمعه ولا أسمعه. وأتلفت هنا وهناك والقلب يبعث برسائل مريبة.. لقد توعدنا العلج قبل ساعات، وسحبت الأمم المتحدة لجانها من العراق يوم أمس.. إنها نذر الحرب التي باتت وشيكة، وعلى إثرها نقلت العائلة عجلاً إلى حيث بيتنا القديم في ذلك الريف المحمودي الجميل، تاركاً بيتنا في اللطيفية دهشاً مذهولاً.

سلمت التسليمة الثانية والصبح قد أسفر، وقبل أن أستدير إلى أفراد عائلتي وعائلة أخي الذين كانوا يأتمون بي دوى الفضاء بأصوات كثيراً ما دوى بها من قبل. واهتزت السنابل في الخارج أكثر، ولكنها هذه المرة ليست طرباً بمغازلة النسيم، ولا خشوعاً لتسبيح القبَّرات التي طارت خائفة مرتعدة.

هذا ما حدث يوم الخميس (17/محرم/1424 – 20/3/2003)..! ومن يومها لم يعد الربيع إلى ديارنا.

مَن جاء بمَن ؟

في حين أصم الكثيرون آذانهم كنا ندرك أنها حرب فارسية، ولكنها بيد رومية؛ فنحن أعرف بأعدائنا من غيرنا. وها هو التاريخ يعيد نفسه؛ فلقد احتلت بغداد قبل سبعة قرون بحرب فارسية أيضاً وإن كانت بيد مغولية! وهذه مرة من مرات تجاوزت العشرات.

نعم تلتقي المصالح، ويجتمع الأعداء كل ينظر من زاويته إلى مصلحته التي تداخلت مع مصلحة حليفه، ولكن تبقى الحقيقة هي الحقيقة، والعدو هو العدو. ونختلف في: مَن جاء بمن؟ ومن استدرج من؟ هل إيران جاءت بأمريكا وأشياعها إلى العراق؟ أم أمريكا هي التي استخدمت إيران وشيعتها ليسهل عليها الدخول إلى هذا البلد العظيم؟

أما أنا فأقول: هذه وهذه. ولكن….. تبقى الحقيقة هي الحقيقة، والعدو هو العدو.

وإذا كنت في حاجة لشرح هذه العبارة أكثر فأقول وباختصار ممل: إن إستراتيجية أمريكا والغرب استقرت على تقوية الأقلية الشيعية في المنطقة وإثارتها في وجه المارد العربي الإسلامي القادم؛ أملاً في تعويق حركته وتأخير قدومه. وهذا سر ترك أمريكا البوابة الشرقية مفتوحة على مصاريعها بعد الاحتلال أمام إيران، وتمكين الشيعة من حكم العراق على حساب السنة.

استبشر كثير من إخواننا العرب بما حدث فرحاً بزوال صدام! وكنا نعجب ونقول: كيف؟! والمسلسل لن يتوقف عند هذه الحلقة، وقريباً ستزول الفرحة، عندما تبدأ الشاشة بعرض المسلسل بحلقاته المتتابعة. وتصحو دول الإقليم على أن الخطر الأكبر شرقي لا غربي، وتتعرض ما تسمى بـ(الثوابت) إلى الاهتزاز، وتتحرك الأفكار، وتبدأ الشعوب بمراجعة المسلَّمات، وتتساءل: لماذا إذن كان يقال: إن فلسطين هي القضية المركزية، والخطر الأول هو خطر اليهود؟!

باتجاه إشارة البوصلة

ما حصل في البحرين الأسبوع الماضي من دخول قوات (درع الجزيرة) إليها لردع الغوغاء هناك، ووضع السبابة العربية على الفم باتجاه إيران.. شاهد إثبات، وخطوة صحيحة على الطريق.

ها هي الأمور والحقائق تعود إلى نصابها شيئاً فشيئاً، ويظهر الصراع في جانبه الأخطر على حقيقته يوماً بعد يوم: فارسي عربي، مجوسي إسلامي في عمقه ونبضه، وشيعي سني في تعبيره ووجهه. وها هي الأشياء تسمى بأسمائها على رؤوس الملأ.. أسمائها التي طالما حاول تجنبها المحاولون. و…….

جزى اللهُ يومَ الرَّوعِ عنّا فإنهُ
أرانا مصوناتِ الحجالِ ولم نكنْ
أرانا على علاتِه ( أمَّ ثابتِ )
نراهُنَّ إلا عندَ نعتِ النواعتِ

هذا أوان الكَي

أقولها وآمل أن لا يكتفي إخواننا بهذا.. بالحل العسكري وحده. وأتمنى أن لا يترددوا من اتخاذ خطوات أكثر جرأة وعمقاً. وأطمع أن يعلموا أن المناعة المدنية – كما يقول الأستاذ محمود الملاح رحمه الله – أهم من المنَعة العسكرية؛ فإن إيران حين تفشل في معركتها العسكرية لا تقعد مكتوفة الأيدي، إنما تخوض معركة أُخرى مدنية، قوامها تخريب الصف من الداخل، تهاجم فيه خلايا المناعة الفكرية والعقائدية والخلقية والاقتصادية والاجتماعية لدى شعوبنا. معتمدين على أشخاص من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا. وهؤلاء أقسام، يأتي على رأسهم:

  • الشيعة العجم المتجنسون بجنسية الدول التي يقطنونها. وليعتبروا بما حل في العراق، فإن أحد أسباب الكارثة فيه تعود إلى أن نسبة كبيرة من شيعته وبالملايين هم إيرانيون متجنسون. وليس من خلاص من خطر هؤلاء دون أن توضع آلية مناسبة لإعادتهم إلى جحورهم التي جاءوا منها.
  • الشيعة العرب، وهؤلاء – بحكم العقيدة والعقدة – ولاؤهم لإيران. إلا القليل النادر.
  • الموالون العرب، وهؤلاء أنواع: منهم من كان التومان الإيراني هو السبب في ولائهم لإيران. ومنهم المخدوعون بشعاراتها عن فلسطين.

وعلاج الصنفين الأخيرين بوضع قانون حكيم لمحاسبة ومعاقبة كل من يثبت ولاؤه لإيران، سيما أولئك الذين يستلمون أموالاً مقابل ذلك. يترافق ذلك بحملة توعية وتثقيف ديني وفكري على جميع الصعد. وإذا كان الكي آخر الدواء، فإن الزمن والأحداث والتجارب كلها تقول: إن هذا الآخر قد بات اليوم أولاً في وصفة العلاج؛ فنحن في الحلقات النهائية للمسلسل، والعاقل يبتدئ من حيث انتهى العقلاء.

ليست العروبة نسباً دون ولاء .. ولا الإسلامية إطاراً دون مضمون

وهنا أتوجه بالنصيحة لإخواننا (القوميين) أن لا ينظروا إلى العروبة على أنها لحم ودم ونسب، كما رأيناهم في العراق، ومن هنا دخل علينا البلاء، وأصبنا في مناعتنا رغم منعتنا. إنما العروبة شعور وانتماء، وسلوك وولاء. والشيء نفسه أقوله لإخواننا (الإسلاميين): أن لا ينظروا للإسلام كإطار فضفاض، وإنما هو مضمون مصون. فإيران الشيعية لم تكن في يوم من الأيام (إسلامية)، ولن تكون؛ عقيدتها تمنعها، وعقدتها وأحلامها تدفعها بعيداً عن الإسلام والمسلمين خصوصاً العرب منهم.

مقدمات لغزو صليبي للشقيقة ليبيا

يزيدني ألماً أن تتزامن هذه الذكرى مع مقدمات لغزو صليبي للشقيقة ليبيا؛ فنحن نخشى أن يحل بها ما حل بالعراق قبل ثماني سنين، وإن كانت الحجج والأسباب والظروف والبيئة الداخلية والخارجية مختلفة. هكذا بدأ الغزو عندنا: رمي بالصواريخ من البوارج الجاثمة في البحر، وقصف بالطائرات. وعاد المشهد المزعج إلى ذهني وأنا أرى وميض المقاومات الأرضية، التي لا تغني شيئاً، نفسه الذي رأيناه في بلدنا من قبل! والجامعة العربية ليس لها من اسمها إلا اللفظ؛ فلو كانت جامعة حقاً لتقدمت بمبادرة لحل النزاع والاحتراب الدائر هناك قبل أن يستفحل فيكون ذريعة لتدخل الآخرين الذين لا يريدون بنا إلا سوءاً. ولا أدري ما هو موقف الثوار الآن وهم يرون بلدهم يغزى؟ وهل يتوقعون أن هذا يجري لسواد عيونهم؟ أم لعيون سوادهم؟

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: