التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من دفتر الذكريات الأليمة (5)

اليوم الأخير في الأسبوع الثالث للحرب

وداعاً بغداد .. منصورة يا بغداد

وداعا بغداد..!

يا عروسة مدن الدنيا! كيف لطخوا ثوب زفافك بالرماد والوحل؟

هل يستحق وجهك الباسم الجميل أن يطرز بالرصاص والبارود؟

لمن التيجان تصنع إن لم يوضع تاج النصر على رأسك المرفوع.. المرفوع دوماً؟

رغم المحن.. وموجات المغول والتتر، والحقد الأسود والأصفر.. القادمة من الشرق ومن الغرب.. الدبابات تخترق أسوارك.. تجوب أزقتك.. تطوف كالسلاحف الكريهة في أحيائك.. والطائرات كأنها غربان الخراب تدك حصونك… والإذاعة التي تركت وحيدة ما زالت تصدح، وإلى الآن تنادي! نعم تخفت.. تختفي.. تضيع، لكنها تعود.. وتعود! الصوت الوحيد في العالم كله الذي بقي يقاوم بعز ويتحدى بشمم صولة الطاغوتية الأمريكية بكل ما فيها من استكبار وعنجهية، وقوة عمياء همجية!

قبل قليل كانت أصابعي تعبث لا على التعيين بزر المذياع تبحث عن خبر يمكن أن تثق به النفس أو يطمئن إليه الفؤاد.. لم أكن أتصور أن لبغداد قد بقيت إذاعة..! فلقد انتهى كل شيء.. كل شيء!

وفجأة …!

عثرت بها! نعم إنها هي!.. صوتها خافت يأتي من بعيد.. بعيد! وعرفتها! عرفتها من صوتها المثقل بالجراح، ونبرتها التي تقاوم الحزن، وتكابر الهزيمة، وتكذب الواقع المرير.. “منصورة يا بغداد”………!

عرفتها..! وكيف لا أعرفها ؟ ألا يعرف الحبيب حبيبته، و يميز صوتها من بين ملايين الوجوه الأصوات؟!

وكيف لا أعرفها؟

لا أعرف الصوت الوحيد العزيز من بين كل الأصوات!!

ويتسلل إلى نفسي ذلك الصوت الذي ألفته وسمعته مرات ومرات: “منصورة يا بغداد”…! هذا النشيد الندي، وكأنه قادم من أعماق الزمان، وأغوار التاريخ، وليس من عند سنوات معدودات أيام صولات العراقيين على جيوش الحقد الفارسي وموجاته المتعاقبة عساها أن تصل إلى طرف كعب بغداد لتنشب مخالبها في ذيل ثوبها الطاهر العفيف.

ويختفي الصوت.. وإلى الأبد، وكان آخر ما سمعته من إذاعة بغداد كلمة “منصورة يا بغداد.. منصورة يا بغداد”. وطافت في ذهني تلك اللحظات الأليمة صورة ذلك الأسير العراقي في إحدى زنازين القهر في إيران، الذي ظل السجان يعذبه ساعات وساعات. ما هي جريمته؟ وشى به أحد الأراذل بأن لديه خاتم ذهب! أين خاتم الذهب؟ أخرجه من مخبئه؟ من أين جئت به؟ يقول راوي الحكاية: وفي الصباح جاءوا به من حفلة التعذيب، ثم رأيته قد خلع ملابسه إلا من السروال الداخلي القصير، وتحامل على نفسه ثم قام.. لم يتماسك فاتكأ على الجدار، وبصوت خافت ضعيف أشبه بحشرجة الميت صار يهتف ويلوح بإحدى يديه ويردد أنشودة: “منصورة يا بغداد.. منصورة يا بغداد” ثم سقط أرضاً ولم يلبث أن لفظ أنفاسه الأخيرة بعد قليل! وفهمنا أنه خلع ملابسه لأنه لم يرد أن يموت وعلى جسده خرقة مصنوعة في إيران!

وتجاوبت العيون بلغتها المعروفة مع ذلك الصوت الشجي الأبي. أبالبكاء نودعك بغداد؟! كلا.. بل بالبارود والدماء حتى تعودي إلينا كما في كل مرة تعودين.

أللآن تقاومين؟ أعانك الله! جبرك الله! حفظك الله!

ما هذا الصمود؟ ما سر قوتك بغداد! وقد أنهكوك عشرات، بل مئات السنين.. منذ بدأت في الوجود قصة (الخليفة العربي والوزير الفارسي).

صبوا عليك ألوان التغيير والتغريب. حاولوا تغيير شكلك العربي وحقيقتك الإسلامية بالأفكار الغربية والشرقية، بالفساد والإفساد، بالحصار، بالتجويع، بالأمراض.

ثم ها هم أبناؤك رغم كل ما حصل ويحصل لهم، ورغم كل تلك المحاولات التغريبية يرجعون إلى أصولهم اليعربية، وينتخون بغيرتهم العراقية، ويستلهمون روحهم الإسلامية ليقاوموا الغزاة هذه المقاومة الأسطورية في زمن الذل والهزيمة والاستسلام!

أغير بغداد فعل مثل هذا؟

ربما….. ولكن طعم الجهاد والمقاومة شيء أخر في بغداد.. بغداد عاصمة الحضارات، وحاضرة العواصم، وموئل العز، ورمز الشموخ، وعبق التاريخ، وخيمة العشيرة، ورائحة الأهل والأحباب.

ورغم أن جيوش الغزاة تجتاح بغداد ومنذ ثلاثة أيام، ومن جميع الجهات.. ورغم أنهم احتلوا الكرخ، ودخلوا وسط بغداد واستولوا على القصر الجمهوري.. رغم أن السماء صارت ملكاً مباحاً لطائراتهم، والأرض لدباباتهم ومركباتهم..

رغم كل شيء..

وبغداد ما زالت تقاوم! لكنها مقاومة اليائس الذي لا أمل له.

كيف حصل ما حصل وقد كنا نقول: إن دخول بغداد أشبه بالمستحيل، فقد استعصت مدن أصغر وأقل أهمية كميناء أم قصر التي صمدت أسبوعين أو أكثر في وجه الغزاة الذين لم يجرؤوا إلى الآن على دخول أي مدينة أخرى؟ فكيف دخل الغزاة بغداد العاصمة.. ما سر هذا التداعي؟ وكيف دخلوا بهذه الطريقة؟! وبهذه السرعة؟!

وتحدث الناس عن خيانة، وخيانة كبرى. الدولة لم تجهز الناس بالسلاح المناسب. أكثرهم لا يملكون إلا سلاحهم الشخصي من بنادق ومسدسات لا غير. لم يزود منهم بالقاذفات المضادة للدبابات إلا القليل، واضطر البعض إلى أن يخوض المعركة بالبنادق!

وتحدث ثقات عن أن أغلب تلك القاذفات كانت منزوعة الإبر، فلم تغن شيئاً، بل كانت سبباً في مزيد من الخسائر!

والسؤال: من نزعها ؟! وكيف ؟!

الجسور لم تنسف: لا تلك التي حول بغداد ولا غيرها! ولم تحشد لها قوات كافية؟ كيف؟!

الأمر محير.. محير جداً!

إلى متى سنقاوم؟ وكيف سنستمر؟! وإلى أين المصير؟؟؟

اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس!

إلى من تكلنا يا الله؟!

لا تضيعنا ربنا!

لا اله إلا أنت سبحانك إنا كنا ظالمين.

الأربعاء – 9/4/2003

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: