مقالات

حرامية التاريخ و الجغرافية والوطنية (1)

كيف استقبل

شيعة العراق جنود الاحتلال في نيسان/2003

محافظة القادسية (الديوانية)

“خمسون شاحنة مليئة بالأشخاص تتوجه من محافظة الديوانية في الجنوب إلى ساحة (الفردوس) في بغداد للتنديد بالمحتل والدعوة لرحيله”. خبر تناقلته بعض الفضائيات العراقية في اليوم السابق للذكرى الثامنة لاحتلال بغداد.

وضحكت.. باشمئزاز..

“ضحكت”.. من عقول هؤلاء الذين تأبى عقولهم مغادرة الماضي ولا تقبل التجاوب مع المتغيرات.. يتصورون أن ذاكرة التاريخ قد أصابها الخرف فما عادت تذكر رقصهم وأهازيجهم في الساحة نفسها ترحيباً بجنود الاحتلال قبل ثماني سنوات “فقط لا غير”!

و”باشمئزاز”.. لأنهم حرامية يسرقون في وضح النهار، ولا يدرون أن الناس كلهم يتفرجون عليهم ويسخرون من حمقهم!

من يجهل أنهم هم لا غيرهم راودوا المحتل لدخول العراق، واشتغلوا “كالكلاب السلوقية التي تتشمم الأرض لتدل الأمريكان على مداخل الطريق” على حد تعبير إياد علاوي([1])! ثم استقبلوه بالزغاريد والورود. ومن بعدها حاربت كلابهم وبكل شراسة مقاومتنا الجهادية، مقدمين للمحتل أقصى ما يمكن أن يقدمه خائن لمحتل بلده. ثم ها هم اليوم يستعرضون زيفهم يريدون سرقة التاريخ، بعد أن سرقوا الجغرافيا، ومعه الوطنية.. وهيهات هيهات؛ لقد ذهب ذلك الزمان الذي كنا فيه نصنع التاريخ وهم يكتبونه.

نحن نصنع التاريخ.. نحن نكتبه.

أثار هذا الخبر شهيتي للكتابة من أجل كشف زيف هؤلاء، وبيان الحقيقة، مستعيناً بما لدي من مذكرات وكتابات واكبت الأحداث([2]).

قبل أربعة أعوام

قبل أربعة أعوام، وبالمناسبة نفسها كتبت مقالاً تهكمياً بعنوان (بعد أربع سنين..! الشيعة يهتفون: اخرج أيها المحتل..!) جاء فيه: “شاهدنا أمس على شاشات الفضائيات حشود الشيعة من أتباع مقتدى وغيرهم، وهم يتظاهرون في مسيرات صاخبة، تتجه إلى النجف، يرفعون أعلام العراق، ينددون بالمحتل، مطالبين بخروجه. تتخللها لقطات (استعراضية)، من مثل عجوز مقعدة تلتحف بعلم العراق، تدفع كرسيها امرأة تتشح بالسواد. لافتات تحمل شعارات رنانة. وشيخ معمم بلحية وخطَها الشيب، وهي تدنو من الستين، في وسط تلك الحشود، أمام المكرفون يصرخ بأعلى صوته، فاتحاً فمه على مصراعيه، وقد ضيق كل نافذة ممكنة في جسمه: اخرج أيها المحتل! وعادت بي الذكرى إلى هؤلاء أنفسهم في يوم (9/4) أيضاً، ولكن قبل أربع سنين: على أي حال كانوا؟ وماذا كانوا يفعلون؟!!

لقد ظهرت عمائمهم – تسندها في السر عمامة كبيرهم الذي علمهم السحت – على السطح قبيل احتلال بغداد بأيام قلائل وهي توصي الناس وتدعوهم إلى عدم المقاومة. ودخل في الوقـت نفسه عميل بريطانيا المقبور عبد المجيد الخوئي مدينة النجف يُخذّل الناس ويدعوهم إلى الترحيب بـ(المحررين)، وعدم مقاومتهم. ويكذّب فتوى السيستاني بالجهاد، التي أخرجها خوف الحكومة قبيل بدء المعركة، ويقول عنها: إنها مكذوبة عليه. وصدق – وهو الكذوب – في هذه من حيث لم يصدق قط في غيرها”.

وعمل حزب الدعوة بقيادة نوري المالكي احتفالاً بالمناسبة يوم 9/4/2007 مطلقاً عليه اسم (يوم تحرير الإرادة العراقية)!

ها؟ أما قلت لكم قبل قليل: “لقد ذهب ذلك الزمان الذي كنا فيه نصنع التاريخ وهم يكتبونه. نحن نصنع التاريخ.. نحن نكتبه”؟

محافظة الديوانية بداية الاحتلال

هؤلاء الذين يتوهمون أن بإمكانهم وضع التاريخ والجغرافيا والوطنية جميعاً في شاحنة، ثم القيام بسرقتها دون حياء.. تعالوا معي أقص عليكم خبرهم يوم الاحتلال، ثم نأتي من بعد على خبر إخوانهم في المحافظات الأَخرى.

لم تصمد مدينة الديوانية سوى ستة أيام فقط، وكان ذلك على يد المجاهدين العرب خصوصاً السوريين، الذين قاتلوا بكل بسالة وقوة ومنعوا الأمريكان من الدخول الى المدينة طيلة الأيام الستة. كانت معنوياتهم مرتفعة، ولديهم القدرة على الاستمرار.. يحدثني صديق لي من شيوخ المساجد السنة في الديوانية فيقول: لكن الذي حصل هو خيانة أهالي الديوانية لهم وطعنهم من وراء.. لقد صاروا يهاجمونهم، ويقتلونهم. ويجهزون على جرحاهم. رأيت أحد المجاهدين، في الأيام الأخيرة للمعركة، وقد أصيب في قدمه، وجاء إلى المستشفى العام لغرض العلاج، فإذا عامة الناس يجتمعون عليه، ويقومون بسبه وشتمه وضربه، ورفض الأطباء تقديم العلاج له! ولم أتمكن من متابعة ما حدث لأعرف ماذا كان مصيره بعد ذلك.

وحدثني شيخ آخر من شيوخ الديوانية فقال: زرت أحد المجاهدين السوريين في مستشفى الديوانية الكبير – مستشفى صدام سابقاً – كان الأطباء يضمدون له جراحه وهو يهتف مخاطباً الحضور: “لا تهتموا يا عراقيين! نحن اخوانكم” غير مبال بجروحه. بينما كان رجل شيعي كبير السن يهز يده وهو ينظر إليه بازدراء ويقول: “كافر يقاتل كافر”! يقصد بـ(الكافر) ذلك المجاهد السوري الذي أصيب بجرح كبير من قبل الامريكان. كان هذا يوم الجمعة (27/3/2003)، أي بعد المعركة بأسبوع، وقبل دخول بغداد بأسبوعين!

توزيع فتوى للسيستاني بعدم مقاتلة الغزاة

يستمر صاحبي في روايته لي فيقول: كذلك قاوم عدد قليل من العسكريين، ومعهم بعض البعثيين، لكن الأكثرية إما هربوا أو جلسوا في بيوتهم. كما وقعت معركة بين (جيش القدس) الشعبي والقوات الأمريكية عند أول جسر في الطريق السريع المؤدي إلى قضاء عفك. ولم تستمر المعركة طويلاً؛ وذلك بسبب أن آمر جيش القدس (شيعي) أوعز إلى جنوده بأن يوقفوا القتال ويلقوا بأسلحتهم وينسحبوا فوراً! وقد تبين فيما بعد أن سبب ذلك هو أن السيستاني قد أصدر فتوى وزعت على الناس في المحافظة بحرمة القتال مع البعثيين أو مع الأمريكان.

ولقد رأينا كيف أن أفراد الجيش لما وصلت القوات الأمريكية أطراف الديوانية قد خلعوا الملابس العسكرية وأبدلوا بها الدشاديش أو الثياب المدنية. ولقد قص لي أحد الشيعة كيف أنه وبقية أهل المنطقة من جيرانه – وكان متحمساً أشد التحمس لما كان يرويه لي – أنهم كانوا ينادون الجنود ويحثونهم على ترك أماكنهم والانسحاب من مواقعهم. حتى إنه وجيرانه قد أعطوا عدداً من الجنود ثياباً مدنية ليلبسوها وينزعوا الثياب العسكرية، ويتوجهوا إلى بيوتهم.

كان سقوط الديوانية يوم 6/4/2003 ليلاً. وحين استيقظنا صبيحة ذلك اليوم رأينا الجنود الأمريكان يتجولون في داخل المحافظة، وليس هناك من عسكري أو مدني يحمل سلاحاً.

أهالي الديوانية يستقبلون المحتلين :”ﮔود ﮔود” مع إمضاءة إصبع

كما كتب إلي أحد معارفي شاهد عيان من الديوانية يقول عن (أصحاب الشاحنات): استقبل أهالي الديوانية المحتلين بالورود والتصفيق! وكانوا ينادونهم فرحين، يلوحون لهم بأيديهم، وأحياناً مع ضم أصابع الكف ورفع الإبهام قائلين: (good .. good)!. وترى مجاميع الصغار والكبار يطوفون حول همراتهم ومدرعاتهم. أحدهم يسأل الجنود (سيجارة)، والآخر يريد مالاً، وثالث يطلب قطعاً من الحلوى، وعلب البيبسي!

ويقول: رأيت مدرعة أمريكية تتوقف عند نهاية الجسر مقابل المكتبة العامة، فيتجمع حولها الناس. فاجأني مشهد امرأة كبيرة السن تجري فرحة مبتهجة، وهي تحمل صينية فيها أعواد آس، يظهر أنها اقتطفتها على عجالة وأتت بها كي تناولها الجندي الأمريكي الذي يظهر رأسه من برج المدرعة. تقدم بعض الشباب لأخذ الصينية منها وإعطائها الجندي، لكنها أبت وببسالة إلاّ أن تسلمها العلج بنفسها. وهكذا كان.

بل إن أهالي ناحية سومر قبيل سقوط النظام بثلاثة أيام أو أكثر استقبلوا جنود المحتل بالورود والاهازيج؛ ما جعل الجنود يشعرون بالارتياح، وعبروا عن ارتياحهم بتوزيع الحلوى على الأهالي. نقل الخبر إلى الرئيس صدام حسين! فقام باستدعاء أمين سر فرع الحزب “عدنان أبو الدخن”. لكن الأخير رفض الاستجابة؛ لأنه علم انه سيعاقب على هذه الفعلة.

علماء الشيعة في الديوانية..!

استقبل علماء الشيعة في الديوانية جنود الاحتلال بحفاوة بالغة جداً. حتى إن السيد محمود العوادي وكيل السيستاني في الديوانية، كان يعمل للأمريكان الولائم الكبيرة في بيته، وفتح مزرعته الفارهة لخزن الماء والمواد الغذائية لهم. وكذلك فعل غيره من السادة. كما أن محمود العوادي هذا كان قد اتصل بالأمريكان في الساعة (3.30) عصر يوم (4/4/2003)، وذهب إليهم بنفسه؛ من أجل التبليغ على البعثيين والمجاهدين السوريين ودلالة الغزاة عليهم.

واشترك أغلب الناس بسرقة دوائر الدولة وممتلكاتها، ونهب الأسواق وغيرها، يشاركهم في ذلك السادة المعممون ويدعونهم إليها حتى اشتهر ذلك عند الناس. وأذكر أن أحدهم – وهو من السادة الفؤادية المعروفين في المدينة – قام بسرقة مكيفات المحكمة الشرعية. منهم الشيخ حامد من التيار الصدري.

الوجهاء ورؤساء العشائر

أما الوجهاء ورؤساء العشائر: فقد استقبلت عشيرة الخزاعل في قضاء الحمزة في الديوانية الأمريكان بحفاوة عالية. وكان منهم حازم الشعلان وأخوه حسين الشعلان جاءا مع المحتلين، وخصوصاً البريطانيين. وقد حصل بعد عام أن حازم الشعلان صنع وليمة كبيرة جداً لـ(بول بريمر) وحاشيته. وقد أخبره في حينها أنه سيكون وزيراً للدفاع، حتى إن الطعام الفائض قد أطعم أغلب الحي.

من طريف ما يذكر أن آل بدير يذكرون لأنفسهم – ولا فخر – أنهم قبل الأمريكان والاحتلال كانوا يخرجون في مظاهرات يرددون فيها: (ها يا مخبِّر قل للريِّس خلي بلير على آل بدير) فلما دخل المحتل ديارهم إذا بهم يقلبون الأهزوجة لتكون: (ها يا مخبر قل للريس، توني بلير من آل بدير)! .إ.هـ. قول الديواني.

وما زلت أذكر – وقد رأيناهم من خلال الشاشات الفضائية – كيف استقبل شيوخ العشائر في محافظة المثنى (السماوة) الجنود اليابانيين، وقد نصبوا لهم السرادقات الكبيرة، وهم يميسون بملابسهم (العربية) الفاخرة، ويحملون بأيديهم صواني (أواني) الطعام الكبيرة، وفوق كل إناء خروف بتمامه! ليطعموا أكلة الكلاب والقطط!

_________________________________________________________________________________

 

  1. – العقيد سليم الإمامي/قناة البغدادية في 10/4/2011 في برنامج عن احتلال العراق. قال فيه: (اتصلت بإياد علاوي وسألته: ما هو دورنا الآن؟ فأجاب وقد صدق في جوابه، وهي مرة من المرات القليلة التي صدق فيها: “دورنا الآن كدور الكلاب السلوقية التي تتشمم الأرض ندل الأمريكان على مداخل الطريق”)!
  2. – راجع كتابي ( البادئون بالعدوان ) ، المنشور على موقع القادسية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: