مقالات

اعتصام الموصل مَنْ ……؟ يقود مَنْ …..؟

الثورات السلمية والعسكرية – تماماً كالكائن الحي – تمر بمراحل تطور أو ما يمكن تسميته بأطوار أو “أدوار استحالة”. أخطر ما في هذه الأدوار أن بعض حلقاتها حرجة تكون الثورة فيها على مفترق طريق: إما أن تنتقل بعده إلى أضعف ما هو كائن، أو إلى أقوى ما يمكن أن يكون.

على هذا المفترق دائماً يقف طائفة من الحرامية يتربصون، ينتظرون تلك اللحظة الحرجة لخطف أو سرقة الثورة من أصحابها، والجمهور في حومة الحماس لا يدري ماذا يخبأ له.

ساحة الأحرار في الموصل

في ساحة السجن المعروفة في الموصل، والتي صار اسمها اليوم (ساحة الأحرار) يعتصم آلاف الرجال والنساء من أهالي المدينة يتقدمهم رؤساء العشائر العربية، ومعهم عشائر صارت تتقاطر عليهم وتنضم إليهم من محافظات أُخرى. بدأ الاعتصام – يوم السبت من الأسبوع الماضي بمناسبة يوم 9/4 ذكرى احتلال بغداد – بتجمع قليل لعوائل المعتقلين يطالبون بالإفراج عن أبنائهم القابعين في السجون السرية والعلنية في بغداد، أو إعادتهم إلى الموصل للتحقيق معهم ومحاكمتهم فيها. كثير منهم لا يعرفون أصلاً مصير أبنائهم منذ اعتقالهم أو – بالأحرى – منذ اختطافهم على يد قوات الأمن الحكومية.

أحد المعتصمين يقول: “إن قوة أمنية مشتركة قادمة من بغداد داهمت منزلنا في 2008 واعتقلت ابني عدنان الطالب في كلية الترجمة السنة الثالثة بجامعة الموصل، ولا أعلم ما هو مصيره الآن”. وطالب الحكومة بالكشف عن مصير ولده وإطلاق سراحه إذا كان معتقلاً.

عجوز في الستين والدة لاثنين من المعتقلين، تقول: “إن قوات عراقية اعتقلت ولديَّ احمد وستار في عام 2009 لأسباب مجهولة”. ومما يقطع نياط القلب أنها أضافت تقول: “شاهدت عبر شاشة التلفزيون أنهما يتعرضان لأشد أنواع التعذيب”.

وبينما نفت وزارة العدل العراقية تعرض المعتقلين إلى انتهاكات من قبل منتسبيها، مؤكدة ان آليات حقوق الإنسان تطبق داخل تلك السجون! كانت منظمة هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، تصرح في تقاريرها بوجود انتهاكات بحق السجناء في السجون التابعة لوزارة العدل، وتطالب بإجراء تحقيق بشأن هذه الانتهاكات.

مشهد رائع

كنا ننتظر هذا ونؤمل أنفسنا ونحدثها به منذ زمن بعيد. والحمد لله تحقق المأمول. وانكسر حاجز الخوف، وبدأت هيبة الطاغوت الشيعي تتمزق، والخوف من زبانيته يتبخر كلما اتسعت دائرة المحتجين، وتعالت صيحات الغاضبين. وصار كلب الشيعة (السني) ناصر الغنام قائد الفرقة الثانية التابعة للمالكي لا يملك غير العواء، الذي يخفت فيتحول إلى رغاء، ويخفت فيكون فحيحاً أو ثغاء. ويعجب كيف يعصى له أمر، ولا يسمع له كلام! حاول منع عشائر الفلوجة فلم يقدر. هدد المعتصمين فراحت زعقاته أدراج الرياح. ذرف كلمات الخوف عليهم من وقوع تفجيرات تحصد أرواحهم فما أغنى عنه ذلك شيئاً. أخيراً أصدر أمراً بمنع التجول دون الرجوع إلى المحافظ، فواجهه أهل نينوى الحدباء بالعصيان المدني، وعلى رأسهم المحافظ أثيل النجيفي الذي حضر اليوم بنفسه إلى الساحة التي صارت مكاناً لتجمع المعتصمين.

من شعارات المتظاهرين والمعتصمين

طالب المعتصمون برحيل القوات الأمريكية. وشاركهم في هذا المتظاهرون في بغداد والرمادي وصلاح الدين، وكذلك المحافظات الشيعية. وبين حين وآخر يخرج صوت من بين الأصوات يندد بإيران، فأقول: الحمد لله؛ لقد وضعت الجماهير يدها على موضع الداء. بل ارتفعت النبرة حتى صارت الجماهير تطالب بإسقاط رأس الفساد في حكومة المفسدين.

وبين حين وآخر تختلط تلك الأصوات الطيبة الجميلة، لاسيما في المناطق السنية أو المختلطة، بصوت آخر يُذهب حلاوتها، ويعكر نداوتها: “إخوان سنة وشيعة.. هذا الوطن منبيعه”! وأنظر إلى ساحة الأحرار.. هذا وفد عشائري من الناصرية، وذاك من النجف، يرددون الشعار، ويرفعون لافتاتهم بصورها الطائفية المعروفة! (أسمع كلامك يعجبني.. أشوف أفعالك أتعجب).. وأضحك لأقول: المباع لا يباع. لقد بعتم البلد وقبضتم ثمنه، فأي معنى لما تقولون وتدّعون؟!

المشكلة أن جماعتنا السنة في حومة الحماس وأريحية الموقف يهتفون معهم، ويرفعون يافطات بالشعار نفسه! والمشكلة الأكبر أن الرؤوس مندفعة مع موجة الجمهور وقد تجاوز مفترق الطريق الذي يقف عنده المتربصون، والجميع لا يدرون في أي اتجاه هم سائرون!

إليكم هذه المشاهد أو النماذج السريعة:

  • حدثني صديق لي ( ع. الجنابي) من مدينة الحصوة شمالي الحلة يقول: ذهبنا في بداية الاحتلال إلى مدينة النجف وفي أيدينا ملصقات جدارية مكتوب فيها شعار “إخوان سنة وشيعة.. هذا الوطن منبيعه” وشعارات أَخرى مشابهة. وما إن بدأنا بتعليقها على بعض الجدران حتى تجمع حولنا الناس وتقدم بعضهم إلينا يسألنا: من أين أنتم؟ يقول: فتظاهرنا بأننا شيعة، ندعو إلى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية. يقول: فصاروا يسخرون منا ويقولون: الظاهر أنكم مغفلون، هل أنتم مصدقون بهذا؟ إذا كنتم جادين فاذهبوا إلى الرمادي ومناطق السنة وعلقوا هذه اللافتات هناك. ثم قاموا بإزالتها، وأنذرونا إن فعلناها هنا أو في أي منطقة شيعية مرة ثانية.

تأمل هذا الوعي الطائفي! وما يقابله من سذاجة عندنا!!

  • في بداية الاحتلال سنة 2003 أيضاً نظم الأخ البطل فلاح عجاج الجنابي بالتعاون والتنسيق مع الحزب الإسلامي تظاهرة كبيرة في مدينة الحصوة كذلك، انطلقت من مقر الحزب هناك. حدثني رحمه الله أنه ما إن انطلقت التظاهرة ووصلت طلائعها الشارع الرئيس حتى انضم إليها مجاميع من الشيعة يحملون منشورات، ويرفعون لافتات وصوراً خاصة بهم. وشيئاً فشيئاً صاروا يتقدمون الصفوف وتلك اللافتات والصور ترفرف فوق الرؤوس. يقول: فأدركت أن التظاهرة سرقت! وبسرعة قمنا بمصادرة المنشورات، وإنزال اللافتات والصور وسط اعتراضات الشيعة قائلين: نحن إخوة لا فرق بيننا فلماذا؟. قلت: صحيح، ولذلك نريد إنزال ما يعكر صفو هذه الأخوة، وإزالة ما يعبر عن التفرقة والطائفية. في الجمعة التي بعدها حاول الشيعة تنظيم تظاهرة في المدينة نفسها رداً على تظاهرة السنة، فكانت بحق تظاهرة بائسة لم يزد عدد المشاركين فيها على بضع عشرات رغم مشاركة ضباط ورجال الأمن والمسؤولين!

بعد مدة انتقل إلى رحمة الله تعالى الأخ فلاح الجنابي، وفقدنا هذا الوعي الطائفي ونحن بأمس الحاجة إليه، ليقودنا أناس ما زالوا يرددون “إخوان….. إخوان……”! فكان ما كان.

  • في هذه اللحظات أضحك من نفسي وأنا أستعيد مشهداً حصل لي في يوم 18/4/2003. فبعد أداء صلاة الجمعة ذلك اليوم في جامع أبي حنيفة في الأعظمية انطلقت جموع المصلين في مظاهرة حاشدة اتجهت إلى ساحة عنتر في وسط المدينة. كان بعض منهم يستقلون سيارات غصت بهم فصاروا يتعلقون بحواشيها، وآخرون يهتفون على سطوحها. لا أدري لماذا كلما استعدت المشهد راودت خيالي صورة الشيخ حارث العبيدي رحمه الله تعالى بغترته البيضاء وعباءته السوداء وقد أخرج يديه من ردنيها: إحداهما متعلقة بجانب ناقلة ركاب كبيرة، والأخرى يلوح بها مع الجموع. كان من بين الهتافات المدوية: “لا شيعية و لا سنية وحدة وحدة إسلامية” .. “إخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه”. أتدري لماذا أضحك الآن من نفسي؟! أكيد لا تدري.. سأقول لك. لما سمعت ذلك الهتاف صرت أصرخ وحدي: “لا .. لا .. لا، مو إخوان سنة وشيعة”! ترى من يسمعني في ذلك الضجيج والعجيج؟! وضاعت صرختي بين الأصوات. وما إن وصلت الشارع المؤدي إلى المقبرة الملكية على اليمين حتى فارقت المسيرة، وانتحيت جانباً مع بعض الأصدقاء.

لا ..! لكلمة حق يراد بها باطل

لسنا ضد الوحدة ولا شعاراتها. لكن إذا كانت الشعارات “كلمة حق يراد بها باطل” فنحن أسمى من أن نكون حميراً يعبر على ظهورها سفلة القوم في كل حين.

في بداية الاحتلال كان الشيعة ينادون بالتقسيم والفدرالية، وبذلوا كل ما بوسعهم لحرب المقاومة الجهادية والنيل من السنة.. واليوم ينادون بالوحدة الوطنية!

هل تدرون – أيها السنة! – لماذا؟

هذه الوجوه المكفهرة التي قدمت إلى محافظتكم هي نفسها التي انتخبت المالكي وصولاغ والحكيم والجعفري، وجاءت بهم مرة ثانية لسدة الحكم. وستجيء بهم – لا سمح الله – ثالثة ورابعة. لا تنسوا ذلك في حومة الحماس، وحمى العواطف. إنها (تعدد أدوار ووحدة هدف). يد تصافح وأخرى تطعن، ووجه يضحك لا لك بل عليك. وما شعار الوحدة الذي ينهقون به إلا مطية يصلون بها إلى ذبحكم ومحو دينكم واجتثاث وجودكم باسم المبادئ والقانون.

صدقوني..! لولا أنهم صاروا يطمعون ببلع العراق كله لما تركوا نداء التقسيم، وجنحوا لشعار الوحدة.

يا قوم! إن وطن الشيعي طائفته.

انظروا إلى حميتهم لمظاهرات البحرين، وخروج الحوثية، وضرب جنوب لبنان.. وسكوتهم عن سواها؟ فاحذروا أن يخطف الشيعة جهودكم للمرة الثالثة.

دور القيادة

هنا يأتي دور القيادة.. التي تنشر الوعي بين الناس، وتمسك له بيدها البوصلة ترده إلى الطريق كلما حرفه الشعار، أو جرفه التيار. وهذا لا يتم ما دامت القيادات أقل وعياً من الجمهور، أو تداهنه و تجاريه، ولا تكاشفه بالحقيقة حتى لا تفقد بعضه، أو جبانة مترددة تحسب كل صيحة عليها.

فمن يقود من: القيادة أم الجمهور؟

آن الأوان لبروز قيادة ذات مشروع هادف، وخطة محكمة، ومَكِنة مقتدرة. فهذه هي التي تحافظ على جهود جمهورها ومكاسب تضحياته، وتتابع حلقات “أدوار استحالة” ثورته دوراً دوراً حتى بلوغ الهدف المرسوم.

وإلا….. بقينا ضحية لمشاريع الآخرين، ولن يفيدنا صدق نياتنا، ولا حماس جمهورنا المسكين، ونزيف تضحياته يوماً بشيء.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: