التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

اعتصامات السنة

ما زال الربان على حاله .. ولا بوصلة

تطور اعتصام أهلنا في الموصل كمياً، وجرى استنساخه عددياً: فاعتصام في صلاح الدين تلاه مثله في الأنبار. وسرت منه نفحة حياة في قلوب الرافضين للوضع البائس في العراق، والمتطلعين والمتململين لتغييره، تبشر بهبوب رياح لا يُهم إن تأخرت قليلاً بسبب ظروف خاصة، ولكنها قادمة بإذن الله تعالى.

في الرمادي نسمع هتافات، ونقرأ لافتات:

  • نعم نعم لرحيل المحتل (بعضها يفصل فيذكر المحتل الأمريكي، وبعضها يضيف إليه المحتل الإيراني، وهناك من يجعله ثالوثاً بإضافة الكيان الصهيوني إليهما
  • التمسك بالوحدة الوطنية ونبذ الطائفية (بعضها ينادي برفض الفدرالية والأقاليم)
  • اخوان سنة وشيعة
  • كلها تصيح الثار الثار بصرة ونجف والانبار
  • الإفراج عن المعتقلين
  • محاسبة الفاسدين

تعالوا نتمعن في المشهد بعد 8 سنين

دخل الغزاة قلب العاصمة بغداد في يوم الأربعاء 9/4/2003…! ومن يومها تشكلت ثلاث قوى رئيسة: 1. المحتل 2. المقاومة الجهادية العربية السنية 3. الحكومة الشيعية (وإلى جانبها حكومة إقليم كردستان).

كان المحتل والمقاومة يتصارعان كلاهما ويستنزف أحدهما الآخر، وفي ظل هذا الوضع كانت الحكومة تقوى وتتجذر شيئاً فشيئاً وبمرور الوقت، مستغلة هذا الصراع بين الطرفين، ومتخذة دور الاصطفاف إلى جانب أحدهما وهو المحتل ضد الآخر وهو المقاومة، بينما كان المحتل والمقاومة يضعفان شيئاً فشيئاً وبمرور الوقت أيضاً.

بعد سبع سنين بدأ المحتل رسمياً بالرحيل، وآلت المقاومة إلى ما آلت إليه من ضعف وتفكك لأسباب كثيرة منها داخلية، وأخرى خارجية يأتي على رأسها اجتماع القوى العالمية كلها ضدها، وعدم تهيؤ قوة إقليمية لها قدرة على مناكفة أمريكا وتحديها لتكون حاضنة للمقاومة ومنطلقاً لعملياتها العسكرية وممثليتها السياسية كما هو الشأن في بقية المقاومات التي استمرت وانتصرت كفيتنام وأفغانستان.

نعم.. ما زال لفصائلها وجود وهياكل وخلايا، يمكنها في أي لحظة مواتية استعادة عافيتها وضرب من يريد استباحة بيضتها. لكننا نتكلم في معطيات اللحظة الحاضرة.

أفصح الوضع أخيراً عن القوة الأكبر من هذه القوى الثلاث، ألا وهي قوة الحكومة. وبصرف النظر عن عوامل الضعف التي تعاني منها، والفرص العديدة التي يمكن استغلالها للإطاحة بها في المستقبل القريب أو البعيد نسبياً، لكننا – وأكرر القول – نتكلم في معطيات اللحظة الحاضرة.

ثمة جزء مكمل للصورة ألا وهو العنصر الإيراني وموقعه في المعادلة. إيران وشيعة العراق هما اللذان جاءا بالمحتل إلى أرض الرافدين، وكل له حساباته التي ليس من الضرورة أن تكون متطابقة: فهي تلتقي في أشياء وتفترق في أَخرى. لعبت إيران لعبتها القديمة الجديدة وهي (الحرب بالنيابة) فقاتلت العراق وأفغانستان بالأمريكان، وفي الوقت نفسه هي قاتلت الأمريكان بالعراق وأفغانستان. وفي تقديري الراجح أن الرابح الأكبر لحظياً من كل ما جرى هو إيران. أما الخاسر الأكبر فهو أمريكا. وإيران لها تجربتها العريقة قديماً وحديثاً في مسألة (الحرب بالنيابة): فهي التي قاتلت وأسقطت الخلافة العباسية، ولكن بالمغول، وهي التي حاربت بريطانيا التي كانت تحتلها، ولكن على أيدي العراقيين في (ثورة العشرين).

انتهى دور الأمريكان في العراق بالنسبة لإيران بعد إسقاط الدولة العراقية بقليل، لتتحول إلى خطر مجاور لا يؤمن جانبه. وفي تقدير بعض المتابعين – وأنا لست بعيداً عنهم – أن أمريكا لو تركت وشأنها لحركت إيران عملاءها في العراق لإخراجها.

جملة القول أن التحدي الأكبر لنا اليوم ليس الأمريكان وإنما مخلفات الأمريكان، أي الحكومة الشيعية العميلة التي عرفت كيف تلعب لعبتها الخسيسة لتنمو على دماء وأشلاء وآهات الضحايا، وتربو على تضحيات المجاهدين الذين أخرجوا المحتل عنوة صاغراً شاء أم أبى. ومن باب أولى إيران كعدو استراتيجي تاريخي أبدي يحتل المرتبة الأولى على الدوام.

شيء آخر يضاف لتكتمل الصورة أكثر : عند بداية الاحتلال وإلى أوان كتابة الدستور في 2006 كان الشيعة ما زالوا مسكونين بهاجس الخوف الجمعي إلى حد الرعب، فكانت صيحاتهم تتعالى مطالبة بالفدرالية، وقسم منهم ينادي بالتقسيم.

اليوم……. اختلف الحال؛ فالشيعة صاروا يشعرون بالأمان تدريجياً، سيما بعد انحسار المقاومة، فعاودتهم حماقتهم وصاروا يطمعون بالعراق كله ليعملوا على تشييعه والسيطرة عليه كلاً لا جزءاً، سيما وأن مصلحة إيران تقتضي ذلك، وكذلك الأمريكان، على الأقل في الوقت الحاضر، ولو كان الأمريكان جادين في تقسيم العراق لما خرجوا إلا بعد إنجاز هذا الهدف.

نعم على المدى البعيد هو هدف من أهدافهم، ولكن الظروف الموضوعية للهدف لم تنضج بعد، وتحتاج إلى زمن.

هل صارت الصورة واضحة؟ أو أفلحت في تقريبها إلى الناظر الأريب؟

مجمل القول

باختصار أقول:

– المحتل في طور الخروج، والخروج النهائي

– المحتل لم تخرجه هتافات الشيعة ولا غيرهم، إنما أخرجته المقاومة، فضرب الطبول بعد موت العروس بأسبوع لماذا؟

– خروج المحتل ليس أولوية ملحة لنا – نحن السنة – الآن؛ فإننا بحمد الله تعالى بذلنا جهدنا وأخرجناه بقوة السلاح، وما تبقى فآيل إلى اندثار، وسيخرج حتى لو لم نقاتله.

– خروج المحتل أولوية بالنسبة لإيران لترتاح منه؛ فهي متخوفة من تأخر خروجه إن لم يستمر الضغط العسكري عليه، أو يخرج ولكن ليس بالصورة التي تريدها فيما لو ترك على راحته. وكذلك هو أولوية بالنسبة لشيعة العراق طمعاً في إحكام قبضتهم عليه قبل أن تفلت الأمور من أيديهم، وإمعاناً في تهميش وإقصاء وإذلال السنة العرب، وأملاً في تشييع من أمكن تشييعه منهم.

– تقسيم العراق غير وارد، ولا ممكن، ولا هو مطلوب من أي جهة: لا دولياً، ولا إقليمياً، ولا داخلياً. ربما يطمح إلى ذلك ويتمناه الأكراد فقط داخل العراق، والكيان الصهيوني خارجه. ولكن ذلك ليس في متناول أيديهم.

– الفدرالية اليوم بعبع يخيف عموم الشيعة ويرعب حكومتهم، ويزعج إيران التي تخشى أن تنتقل إليها التجربة بالحث والعدوى، كما أن ذلك سيقف حاجزاً أمام مشروعها ومشروع الحكومة الطائفية في تشييع المناطق السنية.

– إن المشروع (الوطني) وشعار (إخوان سنة وشيعة هذا الوطن منبيعه) جربناه على مدى ثمانين عاماً، لينتهي بنا – نحن أهل السنة العرب – هذه النهاية المأساوية البائسة! فالوطن باعه الشيعة نقداً ليربحوه نسيئة ونحن نفتش عنه وكأننا خارج الخريطة. والأخوة بين الفلسطينيين واليهود أقرب من أخوة السنة والشيعة! والواقع أفضل وأتعس شاهد، فضلاً عن التاريخ. وإذا كان أحد تعاريف الجنون هو (الاستمرار في فعل الشيء نفسه مع توقع نتائج مختلفة)([1]) فلا ينتظرنَّ المجنون من وراء الاستمرار في هذا المشروع غير المزيد من الخسائر والخيبة والمآسي والبؤس؟

من هو العدو الأخطر ؟ وما هو الشعار الأكبر ؟

والآن أعيدوا النظر في تلك الشعارات والهتافات واللافتات ألا تجدون ما يلي:

  • بعضها أقد صبح مستهلكاً لا ناتج له
  • وبعضها هو تحصيل حاصل
  • وبعضها حماسي ساذَج
  • وبعضها ضار مهلك
  • وبعضها غائب ينبغي استحضاره والعمل على تحقيقه ؟

في ضوء ما سبق بيانه يحق لنا أن نسأل: إذا كانت الصورة على ما رسمت، والأمور على ما ذكرت، فمن هو إذن العدو الأخطر الذي ينبغي أن ننادي بإخراجه ومقاومة تمدده بكل ما هو متوفر ومسموح به؟ وما هو الشعار الأكبر الذي ينبغي رفعه والمناداة به؟

سؤال أطرحه على عقلاء السنة في زمن لم نعدم فيه من عقلاء، وإنما احتار فيه الحلماء! ولا حيرة ما تمسكنا بحبل الله جل في علاه، وعدنا إلى هدي مصطفاه صلى الله عليه وسلم.

_________________________________________________________________________________

  1. – إدارة الأولويات ، ص35 ، ستيفن ر. كوفى . ترجمة د. السيد المتولي حسن . مكتبة جرير . الطبعة العاشرة 2010

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: