مقالات

عد إلى رباطك يا خالد ..!

لا يذهبن بكم الظن بعيداً فتتصوروا (الرباط) شيئاً آخر غير (الكرفتة) بلغة أهل مصر وما جاورها من البلاد، ولا أنني قصدت بـ(خالد) ابن الوليد!

كل ما في الأمر أنني تذكرت مشهد المصالحة في القاهرة أمس بين فتح وحماس. قال عباس: “إن ورقة الانقسام السوداء بين فصائل الشعب الفلسطيني طويت إلى الأبد”. وقال خالد: “إن هذه الورقة أصبحت تحت أقدامنا”. ونحن نتمنى ذلك لإخواننا في فلسطين، وندعو لهم بالخلاص مما هم فيه من احتلال واعتلال بالفرقة وأصحابها. وإن كنا لا نخفي خشيتنا من انهيار هذه المصالحة أيضاً كسابقاتها.

أربع سنين من الاقتتال والصراع والخلاف المتأزم بين الحركتين مرت، لم تفلح خلالها كل المحاولات والوساطات العربية: سعودية ومصرية وغيرها في التوفيق بينهما. وحاولت تركيا وفشلت كذلك. وحاول الفلسطينيون فيما بينهم والنتيجة هي هي! وتظاهر أبناء فلسطين منددين بهذا الانقسام وداعين إلى التوحد ونبذ الخلاف.. ولا جدوى! وكانت آخر المحاولات المستهلكة ما كان في منتصف آذار/مارس الماضي.. ثم بعد شهر عصفت بالأجواء سيول اتهامات قاسية جرت بين الطرفين. قال فيها عباس: إن إيران هي التي تتحكم بواسطة أموالها بقرار حماس فتمنعها من ذلك، وردت حماس فقالت: إن قرار عباس بيد أمريكا واليهود، وهما اللذان يمنعانه من ذلك. يومها كتبت تعليقاً من كلمتين فقط على هذه التهم المتبادلة: “صدق عباس ….. صدقت حماس”.

ما الذي حصل في العشرين يوماً الماضية بحيث انقلب الاتجاه إلى العكس منه تماماً؟! لننظر في المشهد كي نرصد ما الذي تغير فيه لعلنا نعرف من الصادق؟ ومن… الأصدق؟

مثلث أمريكا وإسرائيل وعباس لم يحصل له شيء. لننظر في المثلث الآخر؛ فلعل الريح جاءت من هناك. فما الذي نرى؟

لقد تدهور الوضع في سوريا بصورة متسارعة، حتى بات خروج حماس منها أمراً شبه مؤكد. وهذا – لو حصل – سيضطرها للجوء إلى دولة عربية أخرى، وكل الدول الأخرى علاقتها بإيران ليست على ما يرام، اللهم إلا العراق، وذهاب حماس إلى هناك غير وارد البتة. وانسحبت تداعيات الحدث على الساحة بأكملها، حتى قناة الجزيرة شملها التغيير فاختلف اتجاه بوصلتها، وتوقفت بعض برامجها، كما طرد أو استقال العديد ممن انتهت فترة صلاحيتهم من موظفيها، ونتوقع أن يمسح التداعي على رأس مديرها (وضاح خنفر) وكثير من كادرها، الذين لم ينظروا إلى المقاومة العراقية إلا بعين المنافس – وهذا أمر يدعو للأسف والأسى – فكانوا يغطون على أخبارها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وما تركوا وسيلة للتهويش والنفخ في قربة “حزب الله” وتمطيط صورة صاحبه حسن إلا وفعلوها. أذكر أننا التقيناه في تركيا قبل أكثر من أربع سنوات وسألناه عن ذلك، فزادتني أجوبته المضطربة يقيناً بأن سفينة القوم تمخر في بحر من ظلمات بعضها فوق بعض. لقد وقع البغي وحصل الطغيان، ومرتع البغي وعاقبة الطغيان مشهودة للعيان.

اللطيف في الأمر أن أحد الظرفاء علّق على ما كتبت يومها بهذا التعليق: “صدقت حماس …. لكن الأصدق كان عباااس”! ومن لم يصدِّق فلينظر في حدث (المصالحة) الذي جرى في القاهرة أمس.

لفت نظري وأنا أنظر إلى الصورة المتحركة في التلفاز وجود وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو بين الحاضرين في حفل المصالحة. ابتسمت وقلت: أين وزير خارجية إيران؟ أم (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش فيما بينهم)([1])؟ صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، و (لع) الله الشيطان. وتداعت إلى ذهني معاني كثيرة لا يتسع لها المقام، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن فساد البين هي الحالقة.. لا أقول إنها تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)([2])!!! وهذا يعني أن أحدهم لو علمك الدين كله لكن علمك معه شيئاً واحداً لا أكثر هو الفرقة بينك وبين إخوانك المسلمين، فكأنه – والحال هذه – لم يعلمك شيئاً، بل أتى على ماعلمك إياه فحلقه من الأصل! يقول الله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13).

لقد أخذت حماس من إيران المال، ولكن أخذت معه الفرقة والاختلاف، وربما كان شيء من دين إيران ثالثهما، أعيذها وإخواني في فلسطين من ذلك بالله!

شيء أخير أقوله لخالد: (عد إلى رباطك يا خالد، فما عاد البعد عنه ذا معنى)! وبأي المعنيين كان الرباط فشيء رائع وجميل.

________________________________________________________________________________

  1. – رواه مسلم وغيره.
  2. – رواه أحمد والترمذي وأبو داود، وصححه الألباني عن أبي الدرداء.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: