مقالات

حرامية التاريخ والجغرافية والوطنية (4)

كيف استقبل الشيعة جنود المحتلين في مدينتي المحمودية

يقع قضاء المحمودية على مسافة ( 25 ) كم جنوبي العاصمة بغداد الحبيبة. يسكنه أكثر من ( 500,000 ) نسمة. أكثر من ( 90٪ ) منهم من أهل السنة. والباقي من الشيعة، الذين يتركزون في مركز القضاء بنسبة ربما تصل إلى النصف. ويتوزع الباقون على المناطق الريفية المحيطة به. وهي مدينتي التي نشأت فيها وترعرعت، ومستوطن أهلي وأجدادي قبل نزوحهم من الفلوجة قبل قرن من الزمان.

عندما احتلت مدينة المحمودية كنت خارجها تحسباً مما سيقع لي على يد مجرمي الشيعة؛ لأني كنت المطلوب (رقم 1) لهم من أهلها. طلبت من أحد الإخوة الموثوقين أن يكتب لي عن مشاهداته في أيام الاحتلال الأولى للمدينة فكتب إلي يقول:

يوم الخميس الثالث من نيسان من عام ( 2003 ) ليس يوماً عادياً كباقي الأيام!

لم نكن نظن أن العمر سيمتد بنا حتى نرى دبابات الأمريكان تشق طريقها وسط مدينتنا تمزق حصوننا، وتدك أسوارنا, التي لم يكن لها من وجود. دخلت قوات الشر والعدوان القضاء من جهته الشمالية عن طريق الشارع الذي يربطها بناحية الرشيد؛ إذ كان دخولها من الطريق الرابط بناحية ( جرف الصخر ) التابع لقضاء ( المسيب ) في الحلة، متقدمة في زحفها حتى وصلت جنوبي المحمودية، ثم اتجهت غرباً لاحتلال ( ناحية اليوسفية )، وشرقاً لتحتل في الوقت نفسه ناحية ( الرشيد ). وتابعت تقدمها تخترق الشوارع دون مقاومة تذكر, وهي تطل بوجهها القبيح على بيوتنا الآمنة. حتى وصلت إلى ( حي البعث ) في ( ناحية اللطيفية ) الذي يقع على بعد ( 5 ) كم جنوبي مركز القضاء. وتقدمت أكثر لتدخل مركز الناحية على بعد ( 4 ) كم من الحي المذكور. ليكتمل احتلال القضاء بنواحيه الثلاث: (اللطيفية واليوسفية والرشيد) إضافة إلى مركز القضاء نفسه.

معمم شيعي في مقدمة الرتل الأمريكي

كان في مقدمة الرتل الأمريكي, معمم شيعي يدعى (محمود الشافعي)! وهو من أهالي القضاء, هرب إلى إيران عام ( 1979 ), ولم نره بعدها. كان يتمتع بتاريخ خلقي من نوع خاص! ويشاء الله جل في علاه أن يعود بعد ربع قرن على ظهر دبابات العدو. والحمد لله الذي جعل احتلال البلد على أيدي هذه النماذج، لا غيرها. أخذ هذا الصعلوك – بكل فخر وسرور – يوزع علب الحلوى, وقناني البيبسي كولا على أبناء جلدته، الذين كانوا لحظتها يهتفون ترحيباً بجنود المحتل الى أرض الوطن!

C:\Users\DR\Desktop\Untitled.jpg

خطب ( عصماء ) في ساحة المدينة

وفي مساء ذلك اليوم المشؤوم, قام ذلك القزم القميء، ومعه (ياسين عزاوي) – وهو سني كان قد تشيع أول شبابه – يرافقهم شخص ثالث بارتقاء منصة نصبت في الساحة المعهودة في وسط المدينة، التي يسميها الناس عندنا (الفلكة)[1]. وصاروا يخطبون بأعلى أصواتهم وهم يوجهون ألفاظ السب والشتم الصريح لأهل السُنة والجماعة! ويتوعدونهم بأشد أنواع الانتقام, وأقسى ألوان العقاب! وخصوا بالشتم إمام وخطيب جامع المحمودية الكبير (طه الدليمي ) ونعتوه بألفاظ لا تليق إلا بهم. وكتب اسمه على الجدران مقروناً باسم صدام حسين، وقامت مظاهرات ابتهاج هتفوا باسمه متوعدين، لكن البعض حذرهم من عاقبة هذا التصرف وخوفهم من عشيرته فانتهوا عن هذه التصرفات الصبيانية.

ذلك أنه كان من أكثر الناس تحذيراً، وتصدياً لمشاريعهم الفارسية، التي تبغي إعادة بناء أمجاد الفرس على أنقاض العراق.

من صور الطائفية

وكمكافئة له على جهوده، تم تسليم محمود مسؤولية إدارة القضاء من قبل قوات الاحتلال. فما ترك أمراً إلا وعاث فيه الفساد! فقام بتعيين عصابات الشرطة والحراسات على أساس طائفي. كما قام بتأسيس مجلس بلدي في القضاء برئاسته، فكان نموذجاً للسرقة والفساد الإداري، ومثالاً للطائفية وتهميش الآخر، والتعبير عن الأحقاد والإحن.

النهب والسلب

بعد سقوط بغداد الحبيبة في التاسع من نيسان كشرت ضباع الجيف عن انيابها النتنة، فهبت من كل جحر عفن, تعيث في أرض العراق فساداً وإفساداً, تنهب وتسلب الممتلكات العامة في كل أنحاء البلاد. لكن حصة قضاء المحمودية كانت أكبر من غيرها؛ إذ يمتاز هذا القضاء بكثرة المنشآت المدنية والعسكرية، مثل: منشأة حطين, ومنشأة القعقاع, ومنشأة القادسية، ومنشأة بدر، ومنشأة ام المعارك. كما تعرضت بناية المحكمة، ومعها دائرة الطابو إلى السلب والحرق. كذلك نهب مركز الشرطة, ومكتب البريد والهاتف، ونهبت واحتلت كافة بنايات فرق وشعب الحزب في القضاء([2]).

اللافتات الطائفية وصور الغربان الحوزوية

C:\Users\ththth44\Desktop\خان السبيل.jpg

لم يتوان هؤلاء الأقزام – وهم سكارى بنخب (الانتصار) الموهوم – من التعبير عن أنفسهم، والكشف عن خبايا حقيقتهم، فصاروا يعلنون عن قبائحهم, ويسطرونها على اللافتات التي لطخوا بها وجه مدينتنا وغزت شوارعنا وأرصفتها. بل وكادت أن تدخل علينا بيوتنا، ومضاجعنا، صور الغربان الحوزوية بعمائمهم السوداء والبيضاء، ما لا يدع مجالاً للشك في أن الأمر قد حيكت خيوطه قبل زمن طويل، في دهاليز لم تر نور الشمس لحظة. ومما يلفت نظرك, ويزيدك حسرة وحيرة, ما كتب تحت بعض تلك الصور والملصقات من عبارة (ولي أمر المسلمين)؟! يقصدون به السيستاني.

وانتشرت في تلك الأيام عبارات على الجدران تعبر عن الحقد الطائفي, والمخطط الفارسي. منها: ( لا لحكم الأقلية ) . يقصدون أهل السنة. كذلك شعارات ( نعم .. نعم للمرجعية الناطقة بالحق في النجف الأشرف).

تمزيق لافتات الهجرة النبوية والمولد النبوي

وحينما زحفت بعد أيام من الاحتلال جموع المشاة إلى كربلاء في الزيارة التي يسمونها بزيارة ( مرد الراس ) أو ( العشرين من صفر ), قام أفراد منهم بتمزيق لافتات أهل السنة والجماعة، التي علقوها احتفاء بذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانوا – أثناء المسير – يطلقون العبارات الاستفزازية، والشعارات المنددة بأهل السنة، الممزوجة بالألفاظ الفاحشة البذيئة!

وبعد أيام كان أهل السنة يعلقون لافتات بمناسبة المولد النبوي. فأغاضت بعض الشيعة عبارة ( بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم انشق إيوان كسرى وانطفأت نار المجوس )، فأعلن عن غضبه واستنكاره وهو يمزق اللافتة.

تغيير أسماء الشوارع والأحياء

وسرعان ما غيرت أسماء الشوارع والأحياء، إلى مسميات طائفية: فأمسى ( حي 17 تموز ) يسمى بـ( حي الربيعي ). ثم سمي فيما بعد بـ( حي محمد الحارس ). وهو أحد أفراد عصابات جيش الدجال الذي قُتل لاحقاً حينما شارك – مع بقية افراد العصابة – في قتل الشهيدين ( عمر ومصطفى ) أولاد الحاج ( حسين الجنابي ). وسمي ( مجمع القادسية ) السكني بـ( مجمع الزهراء )؛ ذلك أن كلمة ( القادسية ) لها وقع مؤلم على أبناء المجوس. كما سمي ( حي القادسية ) بـ( حي المرتضى ).

وخضع مستشفى المحمودية لسيطرة الشيعة, فقاموا بتغيير الجدارية التي كانت موجودة داخل المستشفى, وعليها آيات قرآنية كريمة, ووضعوا مكانها صورة ابن العلقمي (محمد باقر الحكيم). حتى جامع (علي بن ابي طالب) الذي كان قيد الإنشاء، سلب، وأطلق عليه اسم (جامع وحسينية الوصي). وتحول فيما بعد إلى زنزانة لقتل وتعذيب أهل السُنة والجماعة.

منشورات من منظمة بدر تدعو للتضامن مع الأمريكان وإيران

ووزعت بين الشيعة في تلك الأيام منشورات صادرة من قوات بدر، تتضمن تعليمات خاصة لهم. لا زلت أذكر منها هذه العبارات أو ما يقاربها لفظاً ويتفق معها معنى:

1. عدم قتال القوات الأمريكية؛ لأنها جاءت لتخلص الشيعة من حكم الدكتاتور.

2. تخزين أكبر كمية ممكنة من الأسلحة.

3. سلب ونهب ممتلكات الدولة.

4. احتلال الأبنية التابعة للدولة من قبل العوائل الشيعية.

5. تسمية الشوارع والمناطق والمدارس والمستشفيات بمسميات شيعية.

6. رد الجميل لإيران؛ لأنها ساعدت في إسقاط الحكومة في العراق. وذلك بصهر المعادن كالنحاس الثمين وغيره، وشحنها إلى ايران.

هذا غيض من فيض ما شاهدته من أفعال الشيعة الطائفية، وتصرفاتهم الاستفزازية ضدنا نحن أهل السنة في مدينتنا الحبيبة المحمودية. هذا وأهل السنة لا يطمعون بأكثر من السلامة على أنفسهم، دون أي ردة فعل طيلة الأشهر الأولى للاحتلال.

  1. – الفِـلكة نلفظها في العراق بكسر الفاء، والأصل فتحها. في (لسان العرب): “والفَـلْكة قطعة من الأَرض تستدير وترتفع على ما حولها”. وهي مرتفع دائري مصنوع في منتصف الشارع تستدير حوله السيارات لتنظيم أولوية السير. ويسمى في الشام بـ(الدوار).
  2. 1- شارك بعض عوام أهل السنة في حركة النهب والسلب للممتلكات العامة. ولكن فروقاً جوهرية بين ما فعله الشيعة وما فعله السنة من ذلك. أول هذه الفروق هو أن الفعل الشيعي كان في أصله منهجياً موجهاً، تسنده الفتوى المسبقة، والدفع الآني، والتوجيه الموقعي من رجال الدين. وكانت كثير من المنهوبات تجمع عند رجال الدين هؤلاء ليتصرفوا بها بمقتضى دينهم المحرف. على عكس الفعل السني الذي كان عشوائياً ارتجالياً، لم يشترك فيه علماء الدين، ولا أحد من المعروفين بالتدين، ولا وجهاء المجتمع إلا من ضعفت نفسه. وكان العلماء يفتون بحرمته، وينهون عنه. وحافظ أهل السنة على الدوائر الرسمية في جميع المناطق التي يغلبون عليها، وتبرعوا بحمايتها؛ فبقيت على حالها. حتى في المناطق المختلطة التي استطاع بعض أهل السنة حمايتها بالقوة كما فعل د. أحمد الدباش إمام وخطيب جامع الدباش في حي الحرية ذي الغالبية الشيعية، الذي قاد ثلة من الأقارب والأتباع وحافظ على مخازن الدباش الطبية الشهيرة بقوة السلاح من ضباع الشيعة. سوى (14) سيارة حديثة الصنع من ذوات الدفع الرباعي، تمكن اللص أحمد الجلبي من الاستيلاء عليها بتأثيرات وضغوط معينة، كما أخبرني الشيخ أحمد بذلك. على عكس المناطق الشيعية. لقد أحرقت أبنية الوزارات والدوائر الحكومية الواقعة في مناطق الأغلبية الشيعية مثل وزارة التعليم العالي، ووزارة التربية. فلما تشكلت الحكومة بعد ذلك لم يجدوا لهذه الوزارات من أماكن إلا في المناطق التي يغلب عليها أهل السنة، فاتخذوا من بعض الأبنية الحكومية التي حماها أهل السنة مقرات لها. ووزارة التربية التي حولت من الباب الشرقي إلى منطقة الأعظمية شاهد من الشواهد على ذلك.

    فحسبُكمْ هذا التفاوتُ بينَنا وكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: