مقالات

أرقى الحـب.. وأحلى الرؤى

على موعد لرؤية الحبيب

أيها الأحبة !

وتمر بنا الأيام و.. الأعوام ، لنتعلم فناً آخر من فنون الحب .. هو أغلى وأرقى .. فصرنا نعرف كيف نتخلص من جاذبية الأدنى .. ونصعد بأرواحنا وقلوبنا إلى فلك العلي الأعلى .. وهناك نتركها تدور .. وتدور لترى من آياته الكبرى .. ( ما كذب الفؤادما رأى * افتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * اذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) !

هل تدرون – أيها الأحبة ! – ما خبرُ جنة المأوى .. التي هي عند سدرة المنتهى ؟

هل السدرة عند الجنة ؟ أم الجنة عند السدرة .. إذ يغشى السدرة ما يغشى ؟

ومع هذه المناظر الباهرة .. والآيات القاهرة ما زاغ بصر الحبيب المصطفى .. وما طغى .. ولسان حاله يقول : ( وعجلت إليك ربِّ لترضى ) !!

إنه على موعد مع الحبيب .. الذي ما بعده ولا قبله حبيب .. فهو عجل يعد الخطى يستبطئها متى يلقاه .. ويحظى برؤياه ؟ ويسمع كلامه.. وينزل عنده .. حيث لا حاجز ولا حجاب! سبحانه!! حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه من بصره.

ألا ما أعظم الآيات ! وما أروع المناظر !

ولكن … أين الآيات من صانعها ؟! والمناظر من مبدعها ؟!

ويا أيها العشاق !

هل أحسستم الآن بإحساس موسى عليه السلام ؟ حين استمع .. ومن وراء حجاب .. إلى كلام الرحمن .. فهاج به الظمأ .. واستبدت به الأشواق .. فقال مقالة من يتحنَّنُ بلهفة .. وكله توسل واستعطاف ورغبة : (رب أرني انظر إليك) !! وكأن موسى كان يقول :

إذا كان هذا هو سحر السماع .. فكيف سيكون وقع النظر ؟!

وإذا كانت هذه هي اللذة مع الحجاب .. فكيف اذا ارتفع فلا .. حجاب وأنا أنظر إلى رب الأرباب ؟!

أيها الأحبة !

وعلى قدر القوة والنشاط والعافية تكون المتعة ، وتكون اللذة .. فما بالكم بلذة صاحبها أثبت من الجبل ؟!

ألستم سترون الله ؟!

الله الذي لم يصمد لرؤيته الجبل حين تجلى له فـ(جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) !

قبل حوالي عام .. في آخر جمعة من رمضان الماضي 1423 خطبت عن رؤية الله تعالى خطبة تفاعلت معها القلوب .. وتجاوبت معها العيون . وكان مما جاء فيها :

كيف أصف لكم لقاء الله !!

ولكن إن لم يكن بد مما ليس منه بد فلنضرب لذلك مثلا .. ولله المثل الأعلى:

أيها الأحبة ! أيها المشتاقون !

هل شد أنظاركم يوماً منظر الطبيعة الخلاب في فصل الربيع الجميل ؟!

يوم أن تكتسي الأرض بأعشابها الخضراء .. وقد خرجت الأنوار والأزهار .. وتبرعمت الأوراق والأغصان .. وتدفق الماء أزرقَ ،، رائقا ، رقراقاً في الجداول وهي تتلوى بين الحقول .. تتراقص فوقها الفراشات .. وتحوم حولها بيض الطيور .. وتغرد في أفنانها البلابل ،، وتصدح في أفيائها وأفنائها الحمائم والعنادل .. وتزقزق السنونو وهي في أسرابها تعلو تارة وتنحط أخرى .

ثم صعّدتم بأبصاركم فإذا الجبال تتحدر الشلالات من قممها وسفوحها .. تنعكس على صفحاتها أشعة الشمس وأضويتها الزاهية البراقة .. فتنبعث من خلالها الأطياف والألوان التي تطرز بوشاحها حشود الكائنات .

ثم صوَّبتم بأبصاركم إلى الأفق ساعة الغروب ..

يا لله !!!

فاذا بالأوراد والأزاهير تكتسي من تلك الألوان والأطياف !! وهي تتماوج في تلك المروج .. تتلاعب بخدودها النسائم .. وهي تتعاقب موجة بعد موجة على امتداد ذلك الأفق المتلاشي تحت القبة الزرقاء الصافية ..

ثم ينعكس ذلك الجمال المتدفق ،، المترقرق ، المترفق .. على وجه الناظر وقد فرغ من المشاغل والمشاكل.. والأحزان والهموم.. والأتعاب والغموم : لا شغل ولا هم ، ولا تعب ولا نصب ولا غم، جالسا على صخرة من تلك الصخور .. بين تلك الأشجار الملتفة يستمع إلى خرير الماء .. وإلى شقشقة العصافير ،، وتغريد البلابل، وهديل الحمائم .. يستمتع بمنظر الطبيعة الخلاب ويعزف معها أجمل لحن في الوجود !

فإذا نظرت إلى وجهه … وجه ذلك الناظر المستمتع بتلك الطبيعة .. في ذلك الجو .. إذا نظرت إلى وجهه ..

فيا لله !! ما ترى من آثار الأنس والهناءة والسعادة والسرور.. والبهاء والنضارة والحبور .. تتفجر من وجه الناظر إلى …

إلى أي شئ ؟!

إلى جمال الكون ..

فكيف بوجه الناظر إلى جمال المكون سبحانه.. وهو ذات الجمال.. أو هو الجمال ذاته؟! سبحانه !! ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) .

( هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا اله إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).

هل أدركتم أيها الأحبة الآن .. ما معنى قول الرحمن : ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) ؟

وهل أدركتم لماذا قال سبحانه في آخر سورة الرحمن : ( هل جزاء الإحسان الا الإحسان ) ؟ بعد أن قال: ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) .

أتدرون ما الإحسان ؟

هو بتعريف أعرف العارفين : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك ) .

هل يمكن لك أن تتخيل وصف الرب وكيفية رؤيته ؟

كلا !!!

لقد وصف الله لك الممكن ، ثم ترك لخيالك أن يسرح ما يشاء لينقلب إليك وهو حسير .. إنه قاصر عن تخيل الكيف .. لأن الكيف مجهول ! فاكتفى بأن قال : ( هل جزاء الإحسان الا الإحسان ) !!

ولأن الجزاء من جنس العمل .. فإن جزاء الإحسان ، الذي هو عبادة الله كأنك تراه ، هو الإحسان الذي هو رؤية الله !!.

ثم تأمل كيف وصف الجنة الأخرى ليختمها بقوله الجليل : (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام)!

ودعني أتساءل فأقول لك: لماذا عبر هنا عن الجمال بالجلال ؟

ألأن الجمال أجملَ ما يكون.. حين يكون جليلا ؟!! وكذلك الجلال أجلَّ ما يكون.. حين يكون جميلا ؟!!

فربنا هو ذو الجمال … والجلال . سبحانه !

يوسف أيها الصديق !

تأملوا لماذا ابتلى الرب الجليل نبيه الجميل يوسف الصديق بامرأة العزيز ؟!

إنها ذات جمال و .. جلال !!

وهنا تكمل الفتنة .. ويتم الابتلاء !

فالجمال إذا كان عزيزا جليلا اشتد الطلب عليه .. وتسارع الخطو إليه ! وإلى ذلك الإشارة بقوله عن أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله : (ورجل دعته امرأة ذات منصب.. وجمال فقال اني أخاف الله ) متفق عليه.

والعلاقة واضحة بين المنصب والجمال !

ولله المثل الأعلى !

كيف اعبر لكم عن جلال الله بعد جماله ؟!

لم أجد لكم خيرا من قوله جل جلالـه وتناهـى ، بلا نهايـة ، جماله : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .

تأمل ماذا قال بعدها !!

( وأشرَقَتِ الأرْضُ… )… بأي شئ أشرقت ؟! ( بنُورِ رَبِّها ) .

سبحان الله !!!

ما هذا الجلال ! وما هذا الجمال !!

ربٌّ في يده السماوات والأرض جميعاً ،، تشرق الأكوان بنور وجهه !!

( السماوات مطويات بيمينه ) !!

هل تدري ما معنى أن تكون السماواتُ مطوياتٍ بيمينه ؟!!

هل يمكن أن يحيط الخيال بعظمة السماوات ؟ حتى يمكن ان يحيط بمن هو ( بكل شئ محيط ) !! سبحانه وتعالى .. ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) .

هذا الضوء يسير بسرعة مقدارها مليار وثمانون مليون كيلو متر / الساعة . السيارة إذا انطلقت بسرعة 150 كم / ساعة نشعر أنها قد تجاوزت السرعة الأمينة ، فيبدأ الخوف بالتسلل إلى نفوسنا ! هل يستطيع خيالك أن يتصور سرعة الضوء ؟!

هذا الضوء بهذه السرعة الخرافية.. يظل يسبح في هذه السماء الدنيا ملايين … ومليارات السنين قبل ان يتمكن من قطعها !!!

ما عظمة السماء الدنيا إذن!

فما عظمة السماء الثانية !! بل الثالثة!!! بل ..

ما عظمة السماء السابعة وهي تحيط بالسماوات جميعها ؟!!

أتدري ماذا فعل عمر بن الخطاب حين سمع قارئا يقرأ :

( والطور وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور ) ؟

لقد مرض شهرا يعوده الناس !

لقد فهم الفاروق ما معنى ( البحر المسجور ) ؟ وأدرك ما معنى (السقف المرفوع ) ؟!

أتدرون أيها الأحبة ما ( السقف المرفوع ) ؟

إنه عرش الرحمن !! على (البحر المسجور) الذي يحيط بالعوالم كلها !

والله جل وعلا قد استوى فوق هذه العوالم !

سبحان ذي الجلال

سبحان ذي الجمال !

سبحانه ! ما قدروه حق قدره !

هوتِ المشاعرُ والمداركُ عنْ معارجِ كبريائِكْ
يا حيُّ يا قيومُ قدْ بهرَ العقولَ سنا ضيائِكْ
أُثني عليكَ بما علمتُ فأينَ علمي منْ ثنائكِ

***

أنا من أنا يا إلهي ؟! سوى ذرةٍ فيْ رِحابِكْ أزفُّ ابتهالاتِ روحي خَشوعاً ذليلاً ببابِكْ أناديكَ أرجوكَ أبكي وأهوى رفيفَ ضيائِكْ

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: