مقالات

المعادلة العراقية (1)

C:\Users\f\Downloads\fashest.jpg

أنزل الله تعالى دين الإسلام بصورته الخاتمة ليكون ديناً عالمياً صالحاً للامتداد زماناً ومكاناً. ولكي يتحقق هذا المقصود في عالم من طبعه التغير المستمر، اتسمت الشريعة الإسلامية بالمرونة خارج نطاق العقيدة والعبادة؛ لكي تواكب هذا التغير وتتعاطى معه وتحتويه؛ وبهذا تحافظ على مرجعيتها، وتعبر عن قدرتها على قيادة الحياة وحل مشكلاتها. لهذا كانت ثوابت السياسة في الشريعة قليلة، والأمر فيها يجري على نسق القاعدة التالية: (الأصل في المعاملات الجواز حتى يرد نص بالمنع)، وذلك على عكس الأمر في العقائد والعبادات. والسياسة أوسع المعاملات باباً. وفيه وفي مثله من شؤون الدنيا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) [رواه مسلم وغيره، وقد اختلف في صحة هذا اللفظ وإن ورد معناه بألفاظ أُخرى].

من شواهد الدين والتاريخ .. و .. دلائل المنطق

في أزمنة الحروب تتسارع الأحداث، وتتخذ ألواناً وصيغاً عديدة، تحتاج إلى ملاحقة سريعة في معادلات تتعامل بإيجابية مع تلك المتغيرات. لا سيما في بلاد احتلت من قبل أعتى وأشر الأعداء في الأرض قاطبة، وأكثرهم مكراً وخبثاُ وتحايلاً وتلوناً: إيران وأمريكا وربيبتها بريطانيا.

من طبيعة الحرب: الكر ثم الفر، والاقتراب ثم الانسحاب، والتلاحم ثم التهادن، والتطرف ثم القبول بالحلول الوسط. وفي انسحاب خالد رضي الله عنه من معركة مؤتة درس بليغ؛ فلو أصر على الاستمرار في مقاتلة الروم على اعتبار أن الثبات في المعركة (ثابت) من ثوابت الجهاد لا يفرط فيه إلا الجبناء أو الخونة أو الضعفاء لفني الجيش عن آخره دون فائدة تذكر.

كيف تصرف القائد خالد بن الوليد؟

نظر إلى مستجدات الموقف فقدّر أن الحماس وتلبية نداءات الاستشهاد ليست هي الموقف السديد، إنما العقل والتروي والنظر في العاقبة إزاء جيش يعدلهم عشرات الأضعاف. فقرر الاحتفاظ بما تبقى من جيشه والانسحاب به إلى فئته، وإن قال عنهم من قال من أهل المدينة: (أيها الفُرّار) ورموا الحصباء في وجوههم! هذا والرسول – كما ورد في السيرة – يقول: (بل هم الكُرّار إن شاء الله).

وفي زماننا صنف من البشر مستعد للتضحية بآلاف البشر ممن هم بذمته خوفاً من أن يقال عنه ما يقال، وطمعاً في أن يقول عنه التاريخ: (فلان أخو هدلة بقي ثابتاً في مكانه لا يتزحزح عن موقفه) وإن فني الناس جميعاً!

وقبل ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وما شابهه من مواقف، رغم انطلاق صيحات المتحمسين: (ألسنا على الحق)!

تغيرات هائلة منذ 2003 وما زال البعض إزاءها جامدين ؟

على مدار ثماني سنين ونيف من الاحتلال يقتضي الحال أن تحكمه معادلات متعددة تمتاز بالمرونة وقبول التعديل والتغيير وحتى التبديل، لا معادلة واحدة متخشبة ربما تكون الدابة قد أكلت لبها. وفي الوقت الذي يعترف فيه رئيس أكبر دولة أنهم ارتكبوا آلاف.. (نعم آلاف!) الأخطاء التكتيكية في العراق وجدنا أصحاب المعادلة الواحدة يقولون مستنكرين: ما هي أخطاؤنا؟ سمعت ذلك بأذني من رئيس منظومة معروفه في جمع من الناس وقد انتفخت أوداجه لأن أحد وجوه القوم من الحاضرين قال: كلنا أخطأنا بمن فينا أنتم!

المعادلة التي دخلت العراق مع الاحتلال كانت تتكون من ثلاثة عناصر: المحتل والمقاومة والشيعة.

في البدء كان الشيعة أضعف العناصر، والعنصران الآخران أقواها.

فماذا حصل؟

ضربت المقاومة المحتل وضرب المحتل المقاومة، وما زالا على هذا الحال والشيعة يتقوون بالمحتل وينمون على حسابه وحساب العنصر الآخر حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه اليوم مما سأبينه في نهاية المقال.

الخلل في السكة .. والقطار أيضاً ………..!

في سنة 2005 رفعنا شعار (إنقاذ المقاومة)! رغم أنها كانت تلك الأيام في أقوى عنفوانها. لأننا وجدنا أن التحدي الآكبر أمامها أصبح من داخلها، ولأننا كنا إذا مددنا خط سيرها إلى الأمام سنوات قليلة جداً كان يصل بنا إلى نتائج مخيفة ما لم يُعدل المسار.

وكنا ندعو إلى تحويل جزء منها كبير إلى منظومة مدنية تتبنى الفكر والسياسة. فالنمو الطبيعي لأي عمل عسكري هو الانطلاق من حضن عمل مدني

وراحت الصيحة في وادي الحماس.

نقاط ومفاصل ستراتيجية عديدة وقفنا عندها ودعونا الأخرين بقوة للتوقف معنا. من ذلك السؤال التالي: ما هو هدف المقاومة؟ وكان الجواب الحاضر الساذج: إخراج المحتل! وكنا نبتسم بمرارة؛ فالعراق ليس شعباً واحداً كالسعودية أو الأردن أو مصر أو ليبيا أو الإمارات، ليكون هذا الهدف مساراً يسقط من خلاله العنقود أينما سقط في حضن السلة الواحدة. نحن في العراق – على الأقل – شعبان مختلفان متحاربان: سنة وشيعة، لكل منهما سلته. فهدف إخراج المحتل لا يحل المشكلة، بل يخرجنا من احتلال خارجي إلى احتلال داخلي شر منه.

لا بد إذن من تعديل الخطة بما يتناسب وواقع الحال.

وتوجهنا بهذا السؤال إلى كل المؤسسات العاملة: ما موقفنا من الشيعة الآن وفيما لو انتصرت المقاومة؟ فلم نجد جواباً! وإن وجدنا صوتاً من هذه الجهة لم نجد له صدى في مسار المنظومة التي انطلق منها ذلك الصوت. حتى بتنا نقول: إلى أين يتجه بنا القطار؟

ولما سألنا عن الهوية؟ ولماذا نخفي صبغتنا السنية؟ أيقنا أن الخلل ليس في السكة فقط، وإنما في القطار نفسه!!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: