مقالات

النساء شقائق الرجال

من وحي ندوة الشباب في دوار الشرفاء في البحرين

C:\Users\f\Downloads\VTS_01_1_VOB_000009036.jpg

لم أجد جواباً عما أثار تساؤلي مع نفسي وأنا أشاهد على قناة صفا البث التسجيلي لندوة ساحة الشرفاء التي حضرتها في البحرين، منشوراً على موقع القادسية: لمَ هذه اللقطات المكررة لمساحات محدودة من مشهد الحفل؟! حتى إني اتهمت المصور متوهماً أن العلة فيه. ولما أعدت في ذهني شريط الندوة المحفوظ عندي على القرص الليزري تنبهت إلى أن لقطات المشهد كانت منوعة وشاملة؛ ما الذي حصل إذن؟ ومن أهم الفروق بين الشريطين أن الشريط المحفوظ يُظهر التجمع النسوي الذي حضر الحفل، لكن المبثوث على القناة لم أكد ألمح فيه امرأة واحدة! ومع ذلك لم أهتد إلى سر هذه المفارقات التي ظلت تثير التساؤلات في ذهني. ربما لأنني لم أركز على الأمر كثيراً.

تطرقت إلى الموضوع عرضاً مع (أم محمد)، وتداولنا سريعاً بشأن ما ذكرته آنفاً. أعترف – دون تردد – بتفوق زوجتي عليّ أحياناً في لفتات ذكية، ولمحات توضح لي بعض ما يشكل عليّ. ولكن إنصافاً لنفسي أعترف – أيضاَ – أنها بمجرد أن فسرت لي سر التكرار وهو أن القناة (منتجت) الشريط بحيث اقتصرت على مشهد طويل نسبياً، ثم صارت تعيده، صحت قائلاً: ها! الآن عرفت السر الآخر، والعلاقة بين السرين: ذلك حتى لا يظهر أثر لامرأة على الشاشة، كما هو الراجح!

لا أكتمكم أنني ابتأست كثيراً لهذا.

كانت النساء جميعاً يرتدين الحجاب، ونصفهن يلبسن البراقع، فلا يظهر منهن سوى العيون، بل رأيت من تغطي وجهها جميعاً. ثم إن المصور لم يركز على جمعهن فتظهر تفاصيل صورهن. وكن بمعزل عن الرجال في صف مجاور لهم، لكنه مفصول عنهم. فهل – بعد كل هذه التحوطات الشرعية – من داع لحذف الوجود النسوي من المشهد؟

لماذا هذا التطير من المرأة، وإلى هذا الحد؟

هل هو الالتزام بالشرع؟ أم التقاليد؟ أم هو الخوف من طائفة من الجمهور تحمل الأمر على غير محمله؟

النساء شقائق الرجال

C:\Users\f\Downloads\VTS_01_3_VOB_000008766.jpg

هذا هو نص حديث نبوي شريف صحيح – كما جاء على موقع الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى – أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود. وهو يؤصل لمعنى عظيم ذلك (أن النساء مثيلات الرجال، إلا ما استثناه الشارع؛ كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة). وهو مصداق قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:228). والدرجة هي القوامة بما تعنيه من الرعاية والنفقة والحماية، ومن لوازمها التوسعة في المال وحسن العشرة والخلق، وعدم تكليفها بما لا يناسبها أو لا تطيقه. حتى إن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: “إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي”. وأرى أن أغلى كنز تمنحه للمرأة هي الكلمة، رغم أنها أرخص شيء!

الكلمة عند المرأة

المرأة تهيم بالكلمة، تسحر بها، وتسكر لها حتى تذهل عن نفسها! والكلمة حل لأغلب المشاكل البينية والبيتية. بل لو أحسنا صنع الكلمة وتسويقها لحلت المشاكل بين أغلب الرجال أنفسهم، بل الدول!

انظروا بماذا ختمت إحدى القارئات التي وقعت باسم (وردة السعودية) تعليقها على قصيدتي (أُحبُّكِ حُبَّ العراق) وقد عارضت فيها قصيدة (أودك طه) التي ذكرت في معرض روايتها زوجتي أم عبد الله: “… رسالة مع التحية لجميع رجالنا في السعودية”! تأثرت كثيراً لهذه العبارة؛ لقد عبرت بعمق عن حاجة المرأة إلى التحليق على أجنحة الكلمة الدافئة، والانغمار في أمواجها اللطيفة الباردة أكثر من حاجتها للمال والطعام واللباس والرياش. وفيها إشارة لطيفة، وإن كانت قطرات العتب تنضح من جوانبها، إلى إخواننا في الجزيرة للالتفات بقوة إلى هذه الناحية.

في أوائل 2006 سافرت زوجتي أم عبد الله إلى أهلها – وكنا في سوريا – ثم أبت أن ترجع. حاولت كل وسيلة وواسطة فما أجدَت. وبعد أن أعيتني الحيل تناولت الهاتف، قلت: لأجرب الكلمة. ذررت عليها شيئاً من مطحون السكر وأرسلتها على جناح الأثير، فلم تغب شمس اليوم التالي حتى استنارت بها جنبات الدار!

في ضوء الشرع

كانت النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والعصور الزاهرة من تاريخ المسلمين تصلي مع الرجال في مسجد واحد: الرجال في المقدمة، وهن في مؤخرة المسجد قريباً من صفوف الرجال. وكانت بعض النساء تعمل في السوق بائعة أو تاجرة، بل إن أكمل النساء أمنا خديجة رضي الله عنها كانت تضارب الرجال بمالها. وكن يخرجن في الحروب طبيبات وممرضات وساقيات، بل مقاتلات.

فما الضير في أن تحضر نساؤنا محتشمات ندوة جماهيرية في صفوف مفصولة عن صفوف الرجال؟ وما الضير في أن يظهرن وهن على هذه الحال من خلال شاشة التلفاز؟

تأمل ما يقول الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه (آداب الزفاف في السنة المطهرة) تحت عنوان (قيام العروس على خدمة الرجال): “(ولا بأس من أن تقوم على خدمة المدعوين العروس نفسها إذا كانت متسترة وأمنت الفتنة، لحديث سهل بن سعد قال: ((لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً، ولا قدمه إليهم، إلا امرأته أم أسيد، بلّت ( وفي رواية: أنقعت ) تمرات في تور من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته، تتحفه بذلك، [فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس])). البخاري ومسلم”.

لكن للأعراف سلطانَها

هذا وعندنا في أرياف العراق لا تجد مسجداً قط فيه مكان مخصص للنساء، أو تصلي فيه امرأة! ولو كلمتهم في ذلك لأنكروا عليك، وحسبوك (مستحضراً= حضري) متساهلاً. ولو أردت أن تبني حجرة ولو مفصولة تماماً لصلاة النساء لربما جالدوك عليها بالبنادق! ويخجل الرجل من ذكر اسم أُمه وزوجته وأُخته وقريبته، ويعتبر ذلك من العيب أو المحرمات! بينما يشير علم النفس إلى أن هذا ناشئ من احتقار خفي للذات يُرحِّله المصاب به لاشعورياً إلى أضعف شخص يليه. وهو ظاهرة جمعية تشيع في المجتمعات الاضطهادية؛ إذ (يجتاف) أو يتشرب المضطهَد (بفتح الهاء) إيحاءات التنقيص من مضطهده (بكسر الهاء)، ثم يقوم بـ(إسقاطها) على من يليه من الضعفاء أو الأتباع. يتم ذلك كله بعملية نفسية لا واعية. علماً أنه لا يشترط أن يعاني كل فرد في المجتمع من الاضطهاد ليصاب بذلك، بل يكفي أن تعاني مجموعة منه لينتقل المرض منهم عن طريق العدوى إلى بقية الأفراد. ومن آثار ذلك وجود الرموز الصنمية التي لا تستشير أتباعها ولا تأخذ برأيهم، أو تفعل ذلك مجاملة وصورة؛ لأن (الصنم) بسبب من إحساسه اللاشعوري باحتقار الذات، يرحل ذلك الإحساس إلى أتباعه ومن يليه. وأولهم المرأة. وهكذا يسلبها الرجل أهم عناصر شخصيتها، ولا يعود يأبه لرأيها، وعادة ما لا يحترمها. وبهذا تكتشف أن احترام المرأة هو في الحقيقة تعبير عن احترام الرجل نفسه. والعكس صحيح. وأنا أؤمن بصحة معنى الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح سنداً: (ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم). ويكفينا قوله الشريف عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) رواه الترمذي وصححه الألباني. وأشد ما يؤلمني أنني لم أكتشف هذه المعاني العظيمة منذ وقت مبكر. ولكنني أؤمن بقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة:160). فتخلصت من عقدة الذنب. ولذلك أدعو إخواني إلى دراسة علم النفس، أو شيء منه لتكوين ثقافة نفسية تكفي لإصلاح ذواتنا وذات بيننا. فالقضية نفسية أكثر منها علمية. وفي هذا يكمن سبب تفلتنا من النصوص بتأولها وحملها على ما يوافق ميول نفوسنا، ملتقطين فتوى من هنا، وكلمة من هناك.

ذات مرة قبل بضع عشرة سنة كنا ثلاثة أصدقاء راجعين من خطبة امرأة لأحدنا. أسرّ أحد الصديقين إليّ باسم الخطيبة وهو يبتسم بمكر لأنه يعلم أن حضرة الخطيب لا يرضى بتلاوة اسمها على مسمع أحد من الرجال. ولما كنت امرءاً يحب النكتة لاسيما إذا كانت من هذا العيار، فقد ضحكت وأنا أسأل صاحب الشأن عن اسم خطيبته. فاستغرب من سؤالي! ضحكت أكثر وأنا أتلفظ باسم مقارب لاسمها متسائلاً هل هذا هو اسمها أم لا؟ متظاهراً بعدم معرفتي به على الحقيقة مع تأليف بيت من الشعر على روي الاسم الموهوم. كنت أقود سيارتي على طريق مرتفع يحاذي شاطئ الفرات، وإذا بالرجل يندفع نحوي ويهجم بيديه الاثنتين على بطني يمغثها بقوة وغضب ويقسم إن لم أسكت فسيقلب السيارة بمن فيها! وتمايلت السيارة بنا يميناً وشمالاً، ثم استقرت بعد أن استسلمتُ بالكامل للتهديد والوعيد. لقد كدنا نذهب شهداء على مذبح نكتة!

أما في المدن فمصلى النساء في الطابق العلوي عادة، ومفصول بجدار يكاد يلامس السقف، وإن حصل – عن طريق الخطأ لا سمح الله- وضع شبابيك صغيرة بادروا إلى سترها بقماش سميك! وإن احتججت بفعل النبي قالوا: ذاك زمان وهذا زمان.

هذا بعض ما ورد في كتاب ربنا وسنة نبينا وسيرته العطرة. وهذا بعض ما وجدنا عليه أهلنا ومجتمعنا! فمن منهما الصحيح؟ وإني لأعجب – حين أقارن بين تواضعاتنا وتقاليدنا وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم – كيف حضرت النساء أخطر اجتماع سري في تاريخ الإسلام، ألا وهو بيعة العقبة الثانية! فقد شهدته أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وأم منيع أسماء بنت عمرو رضي الله عنهما، بينما نحن إلى الآن نستحي – بل نخجل – من إظهار نسوة في تجمع عام رغم مراعاة حدود الشرع وآدابه في الحجاب وعدم الاختلاط!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: