مقالات

جماهير بلا قيادة

من دروس ( الربيع العربي )

أكتب هذه الكلمات عند شاشة التلفاز وهي تعرض صورة – وتكررها – لمقتل الرئيس الليبي (معمر القذافي) في مسقط رأسه مدينة (سرت)، مع مظاهر ابتهاج واسعة: فهنا مجاميع تطلق النار في الجو، وآخرون يؤدون سجود الشكر، وأصوات تردد تكبيرات العيد، وجماهير تنزل للشارع تهتف مكبرة مبتهجة. العلم الأخضر يحرق، والعلم الجديد مرفرفاً بألوانه الأربعة يتوسطه الهلال والنجمة يرفع على بعض الشواخص، والناطق باسم الثوار يعلن النبأ بقوله: “نزف نبأ ذهاب الطغيان إلى غير رجعة”. هناك من يقول، ومنهم فرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا: “انتهت الحرب في ليبيا”. ومنهم من يقول: “انتهى الظلم والاضطهاد والاستبداد”.

فهل صحيح أن الحرب انتهت؟ نتمنى ذلك وندعو لإخواننا بالسلم والسلام والأمان.

وهل انتهى عهد الظلم والاضطهاد والاستبداد؟ التحليل النفسي الجمعي يرفض التوقيع على القول الأخير بهذه البساطة.

بين أمواج العاطفة وإشراقة العقل

يحصل هذا في مسلسل بدأت حلقاته بالتداعي منذ كانون الثاني/يناير الماضي في تونس عندما انفصلت الحلقة الأولى، في حدث كبير امتد ليشمل مساحة واسعة من المنطقة العربية أطلق عليه ما عرف بـ(الربيع العربي)، وصلت أطراف موجته أخيراً إلى أمريكا في (وول ستريت).

هل هذه هي صورة الحدث ظاهراً وباطناً: جماهير تثور، ورؤساء يتهاوَون، وعهد انتهى ليبدأ عهد مشرق جديد؟ أم إن ذلك هو الخطوة الأولى في طريق قد لا تكون خطواته حسبت بدقة!

في هذه الأجواء المشحونة بالعاطفة – ليس في ليبيا فحسب وإنما في المنطقة كلها؛ فنحن أمام ظاهرة جمعية – ما أحوجنا إلى إشراقات للعقل تمنحنا قدراً من التماسك ضرورياً للصمود في الميدان الأهم، ألا وهو ميدان الفكر. فالفكر هو الأصل وهو الأساس. والمعادلة تقول: لا بد من الرجوع إلى نقطة التوازن بين العاطفة والعقل؛ إذ الابتعاد عن هذه النقطة يميناً أو شمالاً يجعل أي إضافة لطرف حذفاً من حصة الطرف الآخر من المعادلة.

بذلك يمكننا التأسيس للثورات كي لا تسرق، وللجهود أن لا تتسرب.

حراك الربيع العربي .. معضلة فقدان الصلة بين المحرك والمتحرك

لاحظنا على حراك (الربيع العربي) أنه انطلق من حدث عفوي (حرق أبو عزيزي التونسي لنفسه)، وأن الجماهير (غير المنظمة) هي التي قامت بهذا الحراك الكبير، الذي تمكن من تحقيق أهداف عجزت عنها المؤسسات والأحزاب والجماعات المنظمة!

لكن هل الوصول إلى السلطة غاية بحد ذاته؟ وهل الوصول إلى السلطة بهذه الطريقة يلغي القواعد السياسية والاجتماعية الصحيحة؟ وأهمها أن العمل غير المنظم، هو عمل فاقد لـ(المشروع)، ومن لا مشروع له كان ضحية لمشاريع الآخرين؟ أم إن هذه القواعد فقدت صلاحيتها؟

يقول الحكماء: أزمة الثورة تبدأ من لحظة النصر. بمعنى أن أخطر طور من (أطوار استحالة) الثورة هو طور النصر! فقبل هذه اللحظة يكون الخصم سبباً أساسياً من أسباب توحد الفرقاء، فإذا زال الخصم التفت بعضهم إلى بعض يسأل: من هو معي؟ ومن هو ضدي؟

في لحظة النصر (وصول الثورة إلى هدفها من إسقاط النظام)، ومن هذه النقطة تحديداً يبدأ الخلاف، وتبدأ تداعياته بالظهور بين الجمهور الذي تتملكه – بعد زوال نشوة النصر – حالة من التلفت والتوجس وهو يرى خيوط الحدث قد صارت تتفلت من يده إلى أيد أخرى ويتساءل: مَن مِن هؤلاء يمثلني؟ ومن منهم يمثل غيري؟ أو يمثل نفسه؟ دون أن يعلم أن هذه هي نتيجة طبيعية للحال الفاقد للنظام، للقيادة، للمشروع.

حين أنظر إلى هذا الاختلاف والتناشر في ألوان الطيف الليبي الذي اجتمع لإسقاط القذافي فأرى الإسلامي عبد الحكيم بلحاج، والعلماني محمود جبريل، وأرى أنماط جمهرة الثوار أضع يدي على قلبي وأدعو لهم قائلاً: اللهم سلّم سلِّم! لكن هل هذا يلغي السؤال الجوهري: ما الذي جمع بين كل هؤلاء؟ وما الذي سيبقيهم مجتمعين بعد ذهاب فورة الثورة التي مزجتهم إلى حين؟

قد يبدو أن الثورة في ليبيا لم تكن جماهيرية عشوائية، بل نظمت نفسها، وكان لها قيادات معروفة عملت ضمن خطة. ولكن هذا في ظاهر الأمر فقط. هذه هي الصورة. أما الحقيقة – بناءً على أن الجماهير هي صاحبة الكلمة – فتُظهر أن الجماهير انطلقت بحكم (دافعية المجموع) وأدت ما عليها وسط ظرف صعب من المعارك المتلاحقة المتصلة لا يتهيأ لها فيه التوقف لاختيار من يمثلها. والذين تولوا القيادة لم يكن للجمهور رأي واضح حاسم في الموافقة عليهم. والقيادة ليست منسجمة في منطلقاتها الفكرية ولا أهدافها الاستراتيجية، ولا حتى وسائلها وخططها. فكيف سيتم التفاهم بين هؤلاء بعد زوال الهدف الجامع (إسقاط النظام)؟ وأقل ما يقال هنا: إن قسماً مهماً من القيادات ثاروا وثار معهم جمهورهم لتأسيس دولة دينية، وقسماً مهماً آخر يريدون دولة مدنية، وحلف الأطلسي ليس جمعية خيرية.. فماذا بعد؟

الحالة العراقية

إذا أسقطنا ما يجري على الحالة العراقية (وغيرها من الحالات الحاضرة في بقية الدول العربية) نجد تشابهاً في أصل الأمر، ألا وهو فقدان القيادة المنطلقة من الجماهير، والملتحمة بها. كما نجد تناشزاً أعظم وأعقد بين الجماهير التي نزلت إلى الشارع العراقي شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. وأقل ما يقال فيه أن هناك ثلاثة مكونات هم: السنة والكرد والشيعة، وهؤلاء لا يجمع بينهم جامع سوى البؤس الذي توزع عليهم بصورة غير (عادلة). أما المنطلق الفكري والعقائدي، والهدف والخطة والوسيلة فغاية في الاختلاف والتناشز والخلاف! فكيف تبني مشروعاً وطنياً جامعاً على مثل هذه العناصر أو المكونات المتناشزة؟

نجد أيضاً أن الشيعة لهم قياداتهم والكرد كذلك، لكن السنة لا قيادات لهم. علماً أن المظاهرات بدأ بها اليساريون في بغداد والسليمانية وكانت ضعيفة ومشتتة، حتى دخل فصيل معروف من فصائل المقاومة إلى ساحة (الفيسبوك) فولد ما عرف يومها بـ(ثوار بغداد) فكانت الانطلاقة الكبيرة. وهنا ترد جملة أسئلة: هل كانت الجماهير التي نزلت إلى الشارع تعرف هذه المعلومة؟ ولو عرفت هل كانت ستقوم باتباع توجيهات أشباح الفيسبوك وتستمر بالتظاهر؟ وإذا افترضنا – جدلاً – أن ذلك حصل، فهل كان في قدرة الفصيل المذكور، وغيره ممن دخل بعده تلك (الساحة) الشبحية، قيادة تلك الجماهير؟ وكيف؟ والسؤال الأهم: هل المهم إثارة الجمهور وتثويره ثم تركه يلاقي مصيره؟ أم لا بد من قيادته حتى الوصول إلى الهدف الاستراتيجي؟ فما هذا الهدف؟ وهل هناك هدف متفق عليه بين هذه الجموع التي لا يجمع بينها جامع لا من عقيدة ولا غيرها؟!

هذه نقطة جوهرية مفصلية. على أساسها نقول: إننا – في العراق – نحتاج ضرورةً إلى تأهيل قيادات ميدانية واعية، على هوية سنية واضحة، بإمكانات وكفاءات قادرة على قيادة الجماهير المتحركة منعاً لسرقة الحراك وتفلت الزمام وانحراف السكة.

غني عن القول أنني أقصد بذلك ترشيد الحراك لا تجميده، سيما ونحن في العراق لم يبدأ حراكنا الحقيقي بعد. فلدينا فسحة من الوقت للتمهيد والتهيؤ. وسينطلق– بإذن الله تعالى – متى ما أدركت الجماهير السنية هويتها الأساسية، وانطلقت لانتزاع حقوقها على هذا الأساس، بعد أن تهيأت لها القيادات الكافية على استيعاب الجماهير المثورة الثائرة.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: