التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الهوية السنية

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\f\Downloads\anasunny (1).jpg

إخواني أبناء القادسية!

إليكم هذه الكلمات المهمة.. الجديدة على الفكر التقليدي العقيم، والموروث الثقافي القديم. أملي أن تضعوها موضعها من بؤرة نظركم الحصيف، ودائرة عملكم السديد.

قبل بضعة أيام.. وفي الباحة الخلفية للمسجد النبوي الشريف، كنت أتمشى جيئة وذهاباً مع أحد الإخوة الفلسطينيين الذين هجرتهم المليشيات الشيعية من العراق، ونتحدث عن همومنا المشتركة وكيفية مواجهتها، وجرنا الحديث عن (الهوية السنية) والحاجة إلى الانضواء تحت رايتها، والتكلم باسمها كضرورة من ضرورات هذه المرحلة. قلت له: في عام 1948، العام الذي قسمت فيه فلسطين وتأسست (دولة إسرائيل)، كانت بلدان العرب ترزح تحت نير الاستعمار. فلو افترضنا أن الفسطينيين لم يتكلموا بقضية فلسطينية؛ متوهمين أن ذلك يتعارض مع قضية الأمة العربية، فكانت مطالبهم كلها باسم العرب دون ذكر ما يتعرض له الفلسطينيون من ظلم، والمطالبة بما لهم من حق: هل يمكن أن تكون لهم قضية يستحصلون بها ما يمكن أن يستحصل من حقوق، ويتلقون من دعم عربي وعالمي، وتقف معهم دول ومنظمات عالمية؟ قال: أبداً؛ فإن الحقوق الخاصة تحتاج لأخذها إلى اسم وهوية خاصة. قلت: هذا هو السر في أن (السنة العرب) في العراق بذلوا أعظم الجهود والتضحيات، وتحملوا وحدهم ضريبة الاحتلال، لكنهم في النهاية لم يحصلوا على شيء! والسبب أن (السنة العرب) تكلموا وعملوا ودافعوا باسم (العراق) وليس باسمهم الخاص. لم نجد أي مؤسسة أو حزب أو هيئة أو فصيل رفع راية (السنة العرب) وتكلم باسمها وتصرف على أساسها. بينما الشيعة تكلموا باسم الشيعة ورفعوا شعار المظلومية الشيعية، والكرد – كذلك – تكلموا باسم الكرد ورفعوا شعار المظلومية الكردية. فحصل الطرفان على ما يريدان، أما نحن فبترت أطرافنا العليا والسفلى، ولم نحصل على ما نريد؛ لأنه لم يشاهد أحد لنا من راية ولم ير من هوية، سوى هوية العراق الذي سيطر عليه الشيعة اليوم، وصاروا يتكلمون باسمه فأصبحت الثمار السنية والشيعية كلها تسقط في سلة العراق.. أي في سلة الشيعة. لقد بلعَنا العراقُ نحن السنة العرب، وإذ بلع الشيعةُ العراقَ فقد صرنا نحن في بطن الشيعة كتحصيل حاصل. أما الكرد فبسبب من تمسكهم بهويتهم الخاصة لم يستطع الشيعة ابتلاعهم باسم العراق.

عندما رفع السنة العرب هوية العراق العامة متناسين هويتهم الخاصة، ورفعوا صوتهم عالياً في المحافل الدولية عن (العراق المحتل)، وقاوموا الغزاة دفاعاً عن (العراق) وباسم (العراق)، تكون لدى العالم أجمع قريبه وبعيده انطباع مؤداه أن أزمة العراق تكمن في الاحتلال فإذا جلا عنهم عولجت الأزمة وانتهت المشكلة، بل هذا ما صرح به عموم السنة. فماذا ترتب على هذا الانطباع؟

لقد قرر المحتل الأمريكي الانسحاب من العراق، وأعلن عن اكتمال جلاء قواته بنهاية سنة 2011، وها هو يتهيأ لسحب آخر جنوده. إذن وصلت محنة العراق في تصور العالم إلى شوطها الأخير وقد قاربت نهايتها، وعندها سيغلق ملف مأساة العراق بعناوينه الرئيسة. حتى إن بعض الدول بدأت تأمر اللاجئين العراقيين فيها بالعودة إلى بلدهم. وهذا شاهد على صحة أن العالم يتصور أن محنة العراق تنتهي بانتهاء الاحتلال.

فهل هذه هي الحقيقة؟ هل انتهت محنة (السنة العرب) بانتهاء محنة (العراق) كما هو مفترض كنتيجة طبيعية لذلك؟ أم إن محنة (السنة العرب) الآن بدأت؟

ما عاد ( العراق ) يعبر عن (السنة العرب ) ..!

والسؤال الجوهري: إذا كانت محنة العراق تزول بجلاء المحتل، فلماذا لا تزول محنة السنة بهذا الجلاء، أي بانتهاء محنة (العراق)؟

أليس معنى هذا أن (العراق) بمفهومه الحالي ما عاد – إذا غادرنا مجال التنظير إلى ساحة الواقع الملموس – يمثل السنة أو يعبر عنهم؟ فعن أي عراق دافع السنة وقاموا المحتل وضحوا بخيرة شبابهم؟

هناك افتراق إذن قد حصل دون أن ندري بين مفهوم (العراق) ومفهوم (السنة) بحيث أصبح العراق شيئاً آخر ليس (السنة العرب) من مكوناته، ولو كانوا كذلك لشملهم غُنمه كما عمَّهم غُرمه!

أما الغُرم فقد جلبناه على أنفسنا لتخلف ثقافتنا وتخلخل فكرنا. وأما الغُنم فقد حرمنا منه؛ لأن الحقيقة تفرض نفسها، حقيقة أن (العراق) ما عاد يمثلنا.

فهل فطن السنة لهذه المفارقة الكارثية؟

وهل عندهم من فكر جديد يرسم معادلة جديدة لحل هذه المفارقة العجيبة؟! أم سيظلون غائبين في سمادير الكهوف الخربة لذلك الموروث الثقافي القديم والثقافة (الوطنية) البالية؟

آن الأوان ليتحدث السنة العرب ويعملوا تحت عنوان (الهوية السنية) تخصيصاً، ولا يكتفوا بـ(الهوية العراقية) تعميماً.

إن جهود وتضحيات السنة لأكثر من ثماني سنين أريقت هدراً بسبب فقدان هذه الهوية التي من دونها لا يمكن جني ثمرة أي جهد لصالحهم.

لا تعارض بين الهوية الخاصة والهوية العامة

يتوهم الكثيرون أن الانتساب للسنة والاحتماء بالهوية السنية نوع من الطائفية يتناقض مع الهوية العراقية.

وهذا وهم لا يستند إلى أساس علمي سوى الثقافة القديمة التي ما عادت تلبي حاجة التطورات الجديدة والتغيرات والتبدلات السياسية والاجتماعية. بل تحولت إلى عبء، علينا أن نسارع إلى مراجعته والنظر فيه من جديد كي نلقي الضار وما لم يعد نافعاً ولا نحن في حاجة إليه منه، ونبقي على ما سوى ذلك، ثم نضيف إليه ما يتطلبه الواقع الجديد بمتغيراته وتبدلاته.

إن الهوية العامة أو الأكبر – متى ما روعيت الضوابط المطلوبة – ليست في حاجة إلى إلغاء الهوية الخاصة أو الأصغر.

فالهوية الشخصية لا تتعارض مع الهوية العائلية، والتحدث باسم العائلة لا يتناقض والانتسابَ إلى العشيرة، والهوية العشائرية لا تقف بالضد من الهوية الوطنية، إلا إذا أردناها كذلك. أي إن الأمر من حيث الأصل لا إشكال فيه ولا غبار عليه. وهكذا يمكن أن تتعدد الهويات ما دامت تسير في نسق متجانس باتجاه واحد: فالهوية العراقية لا تتضارب مع الهوية العربية، وكذلك الهوية العربية مع الهوية الإسلامية.

فلماذا نحن نؤمن بكل هذه الهويات ولا نشعر بالحرج من الجمع بينها، حتى إذا وصلنا إلى الهوية السنية تصورنا تناقضها مع الهوية العراقية؟! هل من علة سوى الموروث الثقافي الجمعي أو الثقافة الجمعية القديمة؟

حين يعمل أبناء العراق لمصلحة العراق، ويتكلمون باسمه، ويرفعون علماً خاصاً به، ويسنون دستوراً له، ويؤسسون المشاريع المختلفة لخدمته: هل يمكن لأحد أن يدعي أن هذا يتناقض مع الهوية العربية؟ أبداً.. إلا إذا كان القصد مبيتاً لجعل الهوية القطرية عوضاً عنها. وكذلك العمل لأجل الأمة العربية وباسمها لا يقف حائلاً أمام العمل للأمة الإسلامية. بل إن هذا هو السياق الصحيح والتسلسل الطبيعي للأمور خصوصاً ما تعلق منها بالحركة والعمل.

ولذلك قيل: (فكّر عالمياً وتصرّف محلياً). فالمحلية لا تتناقض مع العالمية، وإنما تُسندها وتساندها. بل إن نجاحك عالمياً لا يمكن تحقيقه قبل نجاحك محلياً. والقطر الضعيف المجزأ لا يمكن له العمل على توحيد الأمة – خارج نطاق الفكر والحلم – قبل لملمة أجزائه وتكوين ذاته واستعادة قوته. وفي مثل هذه الحالة يكون التوفيق بين الهويتين باتباع قاعدة: (فكر عربياً وتصرف قطرياً) هو الحل.

فكّر عراقياً وتصرّف سنياً

كذلك الحال بالنسبة لنا نحن (السنة العرب): علينا أن نتصرف سنياً وإن كنا نفكر عراقياً، كما أن علينا أن نفكر عراقياً وإن تصرفنا سنياً. بذلك نجمع بين الأمرين، ونحصل على الحسنتين. وهكذا نتجنب ما يبدو لأصحاب الثقافة القديمة من تناقض بين (السنية) و(العراقية). بل لا تناقض من الأساس كما أنه لا تناقض بين العراقية والعربية، ولا العربية والإسلامية، ولا هذه مع الإنسانية. بل لا يمكننا أن نشارك في تدعيم وحدة العراق المهددة قبل أن نلتفت إلى داخلنا السني نلملمه ونكونه ونقويه.

على أن هناك عاملاً آخر في غاية الأهمية، هو أن الشعور بالهوية الخاصة والتحدث باسمها والتصرف على أساسها، يصبح ضرورة كضرورة الحياة حين تكون الهوية الأكبر نافية ومهدِّدة للهوية الأصغر. فلو افترضنا أن عائلة ما اجتمعت على ظلم أحد أفرادها لشخصه، وكانت تتوزع خيراتها التي تحصل عليها باسم العائلة فيما بينها دونه، ففي هذه الحالة يصبح من حق ذلك الفرد أن يعلن عن نفسه ويتكلم باسمه، ويطالب الآخرين أن يفرزوا له حصته من الخيرات التي ما عاد يحصل عليها باسم العائلة. وكذلك لو اجتمعت عشيرة على ظلم بيت منها. والشيء نفسه مطلوب لو اجتمع مكون أكبر على ظلم عشيرة ومطاردتها ومحاولة محوها.. عند ذاك يصبح السكوت عن الدفاع عن المكون الأصغر بحجة احترام المكون الأكبر نوعاً من الهبل والخبل والسذاجة التي لا يستحق صاحبها الاحترام، بل لا يستحق الحياة! ولو افترضنا أن العشيرة الظالمة لتلك العائلة وقع عليها ظلم وتعرضت لغزو أصابها بالضرر وطالبت بتعويض لها باسم العشيرة، وزعته على بيوتها دون ذلك البيت، وأن أفراد ذلك البيت طالبوا بتعويض العشيرة الظالمة لهم دون المطالبة بما لبيتهم من حصة باسمه، ثم لم يحصلوا على شيء، ومع ذلك ظلوا ملتزمين بالاسم الأكبر مع استمرار الظلم والسحق: فإن هؤلاء ليسوا أكثر من مجموعة حمقى لا محل لهم إلا في الهامش السفلي من الحياة.

هل أدركتم الآن – أيها السنة العرب – قيمة الهوية السنية، ومدى حاجتكم إليها؟!

فهل ستسارعون للصدع بها قبل فوات الأون؟ أم ما زالت في يدَيكم بقية من ثمار.. وترغبون بتسليم (ذمتها) إلى (إخوانكم) الشيعة؟

في يدَيكم بقيةٌ من بلادٍ فاسكتوا كي لا تظلَّ البقيةْ

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: