مقالات

الموسيقي العاشق

من هذه القصص …

قصة موسيقي وقع في حب عذري… كانت نهايته أنه اعتزل الدنيا؛ وعزفت نفسه عن ملذاتها ونسائها وهجر أحب الأشياء إليه وآثرها لديه … واستمر كذلك حتى ذوت زهرة شبابه!. وامتدت به الحياة فتجاوز الثمانين وهو لا يزال يعيش وفياً لذكرى فتاته التي أحبها من أعماقه حباّ زهَّد في عينيه كل جميل … ونغَّص عليه كل لذيذ.

وما إن انتهيت من قراءة سطور القصة حتى استبد بي الشوق… وعاودني الحنين … فرحت أذرف دموعي تلك الحارة المدرارة. وأنا أقول : كيف إذن لو رأى هذا المسكين واحدة من … الحور العين ! تطل بوجهها ضاحكة الى السماء الدنيا ! وهي لو أطلَّت بمعصمها لاختفى ضوء الشمس والقمر؛ ولملأت ما بينهما أريجاً .. وإن نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها !!

بل كيف لو رأينا نحن أو شهدنا منظراً واحداً من مناظر ذلك الجمال الأخاذ الرائع البديع !!

هذا العاشق الهيمان: رجل تركي من (القسطنطينية) أيام السلطان عبد الحميد – رحمه الله – انتهت له رياسة (العود) فيها. وله اسطوانات عند الموسيقيين هي كرسائل الجاحظ عند جماعة الأدباء. ويبدو أن لهذا الرجل نصيباً وافراً من اسمه ! فإن اسمه (شوقي بك).

يقول الطنطاوي عن صديقه حسني الذي حدثه عن هذا الرجل وعبقريته في فن الموسيقى:

[وقام الى (الحاكي) فأداره. ووضع اسطوانة عتيقة؛ فسمعت شيئاً ما حسبت مثله يكون ! وبدا لي كل ما سمعت الى اليوم من ضرب الموسيقيين كأنه إلى جانبه لعب أطفال؛ وخربشة مبتدئين.

قلت ويحك قم بنا إليه الآن.

فقمنا وذهبنا إليه].

ويصف محدثنا شعوره حين ذهب الى ذلك الرجل ، ودخل بيته فاستمع الى ألحانه من أنامله مباشرة دون حاجز من زمان أو مكان! فيقول:

[أخذ قيثاره (كمانه) وقسم (تقاسيم) هزت حبة قلبي ؛ فأحسست بلذة ما عرفتها من قبل. ومع اللذة شيء من السحر يجعلك تطلع الى المجهول ؛ وتسمو إلى عالم الروح. ويوقظ فيك ذكرياتك وآلامك كلها دفعة].

هل تدرون أيها الأحبة ! إن لساكني الجنان لمجالس طرب وسماع بين تلك الخمائل التي تتدفق من تحتها الأنهار وتموج ما بينها الورود والأزهار .. تغني فيها الحور ألحاناً لم يأت في الأثر ماذا تفعل في القلوب؛ وإنما الذي ورد إلينا فيه : أن الشجر الذي لا قلب له ولا روح إذا سمعها اهتز لها طرباً ؛ وأخذ يتمايل نشوان يضرب أغصانه بعضها ببعض! فتصدر منها ألحان لا يدرى أيهما أجمل : ألحان الحور ؟ أم ألحان الشجر وهي تهتز وتصطفق من النشوة والسرور ؟!

فإذا كانت هذه حال ما لا قلب له ولا روح … ولا يعقل … ولا يدرك .. ولا يشعر … فيا لله ما حال الولهان إذا استمع إلى تلك الألحان من شفاه الحور وهي في زينتها وحليها وحللها التي تشف عما وراءها من السحر ؟! هل يبقى عنده مسكة من عقل ؟ أم فضلة من شعور ؟ أما القلوب فقد رفرفت … وأما الأرواح فقد طارت .. ]وَمَا يُلقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[ .

ونرجع إلى محدثنا وهو يواصل حديثه ليقول: [فلما انتهى عرض عليه حسني العود فأبى واعتذر وقال: إنه لا يضرب عليه.

قال حسني: كيف وأنت سيد من جس عوداً. وأنت إمام الضاربين!

قال : إني لا أستطيع !

فلما ألحفنا عليه وألححنا قال:

إن لذلك قصة ما قصصتها على أحد  فاسمعوها. ولو أني وجدت ما أكرمكم به لما قصصتها عليكم. ولكني لا أملك شيئاً ولن أجمع عليكم حرمان السماع وكتمان السبب.

كان ذلك منذ أمد بعيد نسيه الناس ، وأدخلوه في منطقة التأريخ المظلمة ، فلا يرون منه إلا نقطاً مضيئة مثلما يرى راكب الطيارة من مدينة يمر بها ليلاً ، أما أنا فلا أزال أحس به بجوارحي كلها ، ولا يزال حياً في نفسي ، بل أنا لا أزال أحيا فيه ، وما عشت بعده قط إلا بذكراه . لقد مرَّ على قصتي زمن طويل عندكم لأنكم تقدرونه بعدد السنين ، نصف قرن … أما أنا فأقدره بذكراه الحية في نفسي فأجده ساعة واحدة … لحظة .

إني أنظر الآن الى عينيها ، وأشم عطرها، وأجلس في مجلسها.

إن ما أراه حولي ظلال ، وتلك المشاهد هي الحقيقة .. أفعلمتم من قبل أن ذكرى قد تضح وتظهر حتى تطمس المرئيات ، وتغطي على الحقائق ، هذه هي ذكرياتي …

كان أبي من الباشوات المقربين من السلطان ، فلما علم أني اشتغلت بالموسيقى كره ذلك مني وصرفني عنه ، وعاقبني .. فلما أصررت عليه أهملني واطَّرحني .. وطردني من داره .

فلبثت أتنقل في بيوت أقربائي وأصدقاء أبي ، أمارس تعليم الموسيقى لأبناء الأسر الكبيرة. وكان (فلان) باشا من الآخذين بأسباب الحياة الجديدة . يحب أن يقبس عن أوربا طرائقها في معيشتها ويقلدها في السير عليها لا يدري أنه لا يأخذ عاداتها لحياته. بل سمومها لدينه وخلقه. ودعاني لأعلم ابنته . وكنت يومئذ في الثلاثين ، ولكنهم كانوا يقولون عني : “إنه أجمل شاب في حاضرة الخلافة” … وأحسب أني كنت كذلك ، ولكني – ولست أكْذِبُكم – ما عرفت طريق الحرام . والحلال ما استطعت سلوك طريقه!

قابلت الباشا، فأدخلني على ابنته لأعلمها. فنظرت إليها فـإذا هي ملتفة بـ(يشمق) من الحرير الأبيض لا يبدو منه إلا وجهها . وإنه لأشد بياضاً وليناً من هذا الحرير . لا البياض الذي تعرفونه في النساء ، بل بياض النور . لا . لم أستطع الإبانة عما في نفسي . إنه ليس كذلك. هو شيء ثمين عذب مقدس ، يملأ نفسك عاطفة لا شهوة،  وإكباراً لا ميلاً ، وتقديساً لا رغبة .

كانت عيناها مسبلتين حياءً وخفراً . تظهر على خديها ظلال أهدابها الطويلة فلم أرَ لونهما. وكانت في نحو السادسة عشرة من عمرها ، مثل الفُلة الأَرِجَة إبّان تفتحها …

وانصرف أبوها بعد ما عرّفني بها وعرَّفها بي .

وبدأ الدرس على استحياء مني ومنها .

ورفعت عينيها مرة . فمشى بي منهما مثل الكهرباء إن لمست سِلْكتها…

عينين واسعتين. فيهما شيء لا يوصف أبداً . ولكنك تنسى إن رأيتهما أن وراءك دنيا … إنها تصغر دنياك حتى تنحصر فيهما . فلا تأمل في شيء إن رأيتهما في شيء بعدهما … العفوَ يا سادة: أنا لست أديباً . ولا أحسن رصف الكلام . ففسروا أنتم كلامي . وترجموه الى لسان الأدب . وأين الأديب الذي يملك من الكلام ما يحيط بأسرار العيون ؟

أعندكم في وصفها إلا أن تقولوا عينان سودوان أو زرقاوان . واسعتان أو ضيقتان . حوراوان دعجاوان . وتخلطوا ذلك بشيء من تشبيهاتكم ؟ اعرضوا عيون الفتيات تروا أنكم لم تصفوا شيئاً ..

هاتان عينان متشابهتان في سعتهما ولونهما وأهدابهما . ولكن…

في هذه الجمال الوادع الحالم ..

وفي تلك الجمال الشرس الأخاذ ..

وفي أخرى العمق والرهبة ..

وفي هذه الأمل ..

وعين فيها فتنة ..

وعين فيها خشوع ..

وعين… فيها شيء لا تعرف ما هو على التحقيق. ولكنه يبدل حياتك. ويقلب عليك دنياك باللمحة الخاطفة!

ولما تكلمت سمعت صوتها كأنما هو … مالي وللتشبيهات التي لا أحسنها ؟

وأين ما يشبَّه به صوتُها ؟ وفيه الخفر وفيه الرقة وفيه فتنة وفيه رفاهية .

لا تعجبوا  ! فإن من الأصوات الصوتَ المهذب والصوتَ الوقح . والصوت المرفه والصوت البائس. وصوتاً خليعاً وآخر صَيِّناً .

وإنك لتستطيع  أن  تتخيل  المرأة من صوتها . ولم يكن في زماننا هذا الهاتف (التلفون) ولكني أعذر من أسمع عنهم أنهم يعشقون بالتلفون . فالأذن تعشق قبل العين أحياناً.

لم أجاوز الدرس.. ولم أقل فوقه كلمة واحدة.

وكنت أشد منها حياءً وخجلاً. ولم يكن أبناء زماننا أولي وقاحة وجرأة كهذه الجرأة التي نراها اليوم . وندر فيهم من كان مثل (الباشا) يسمح لابنته الناهد أن تتلقى العلم عن الرجال وهو يعلم أن الشاب والشابة في الطريق أو المدرسة يتخاطبان بلغة العيون خطاب الرجل والمرأة قبل أن يتحرك اللسانان بحديث المعلم والتلميذة .

وانقضى الدرس بسلام …

ولكني لما فارقتها رأيت كل شيء قد تبدل ..

فقد تعلقت بالحياة وكنت بها زاهداً .

ورأيت ضوء الشمس أشد نوراً . وأحسست بالوجود من حولي وقد كنت أنظر إليه غافلاً. وكان لي أصحاب لم أكن أعدل بمجلسهم وصحبتهم شيئاً ففارقتهم تلك الليلة وهربت منهم وذهبت إلى غرفتي فلم أطق فيها قراراً ولا اشتهيت طعاماً ولا شراباً . ووجدتني أخرج على الرغم مني فأؤم دارها فيردني بابها فأهيم حولها أوغل السير في التلال الشجراء عند (بيوغلي) لا أستطيع النأي عن دارها . صارت هي كوني ودنياي.

قد تبدلت قيم الأشياء في نظري فعزَّ ما كان منها يمت بصلة إليها ،، وهان كل شيء سواه. وانطويت على نفسي أفكر فيها وأتصور أدق حركة أو سكنة منها . وكلما ذكرتها يهز شيء قلبي فيخفق كجناح طائر علقت رجله بالفخ . ثم يندفع الشيء إلى عيني فيفيضان بالدمع . ولا أدري كيف أمضيت ليلتي!

حتى إذا أزف موعد الدرس الثاني شعرت كأني عدت إلى جنتي التي خرجت منها.. وعشت ساعة في لذة لو جمعت لذاذات الأرض كلها ما بلغت نقطة من بحرها !!

وعندما ودعتها نظرت إليَّ نظرت شكت ( وحرمة الحب ) كبدي ،، وزلزلتني زلزالاً . وكدت من سروري بها أطير فوق رؤوس الناس خفة وفرحاً . فقد علمت أن لي عندها مثل الذي لها عندي . على أني ما كلمتها في غير موضوع الدرس كلمة.. ولا لمست طرف ثوبها. وما هي إلا نظرة واحدة ،، ولكنها … قالت فأبلغت .. وحدثت فأفهمت!

***

وسكت الموسيقي وجال الدمع في عينيه.

ثم قال وهو يكاد يشرق بدمعه وقد ضاع في رنة البكاء صوته:

أتدرون ما عمري اليوم ؟ أنا فوق الثمانين . وقد مرَّ على هذا الحب دهرٌ .. ولكني أراه كأنه كان أمس ، وكأني لا أزال شاباً ينطوي صدره على قلب صبي . ولقد حسبت أني أستطيع أن أتحدث عنه كما يتحدث الشيوخ عن ماضيات لياليهم فوجدتني لا أستطيع .. لا أستطيع فاعذروني . إن هذه الذكرى قد خالطت شغاف قلبي .. ومازجت لحمي وعظمي .. وإني لأحس وأنا أحدثكم أني أمزق جسدي لأستل منه هذه الذكريات .

قلت : فأخبرنا ماذا كان بعد ذلك؟

قال : كان ما أخشى التحدث عنه …

إني لا أحب أن أهيج الذكرى وأثيرها . إنكم لا تدرون ماذا تصنع بي ؟ إنها تحرقني .. تنتزع روحي !!

كان يا سادة أني تدلهت بحبها .. وهمت بها ..

وجعلتها هي كل شيء لي .. إن كنت معها لم أذكر غيرها . وإن فارقتها لا أملك إلا أن  أغرق في ذكرها .. وأستغرق في التفكير فيها .. فهي ماضيِّ وحاضري ومستقبلي .. وهي ذكرياتي كلها وآمالي . أراها طالعة عليَّ من كل طريق أسير فيه . وأرى صورتها في صفحة البدر .. وفي صحيفة (النوطة) إن جلستُ إلى (البيان) . ومن سطور الكتاب إن عمدت إلى القراءة في كتاب … فإذا جلستُ إليها والعود في حجري .. وعيناها في عينيَّ .. وأذناها إلى عودي ! تخيلت أني معانقها هيَ لا العود .. وغِبتُ عني.. وسمَت روحي إلى عالم أعرفه ولا أعرف ما اسمه ؟ فرجعت منه بالسحر .. فجرت به يدي على العود . فمن هناك تلك (الاسطوانات) التي كنتم تعرفونها لي .

لا . لا تلحفوا عليَّ سألتكم بالله .

لن أذكر لكم هذه التفاصيل .. إنني أنتزعها من لحمي ودمي .

فدعوها لي .. إنها حظي من حياتي .. أتعلل بها وحدي . لا أحب أن تلوكها الأفواه ويتلهى بها قرّاء المجلات .

لقد كانت الخاتمة : أن أصدقاء أبي عطفوا عليَّ فخطبوها لي . وكان العقد وصارت زوجتي .

ولكن الله لم يشأ أن تتم سعادتي .. فمرضت ثم …

وغلب عليه البكاء ،، فلم يستطع أن يخرج الكلمة فأدّاها بإشارة مبتلة بالدمع .. محروقة بأنفاس الألم !

وسكتنا … فقال بعد هنية :

وقد ذهبت أودعها فأخذتُ يدها بيدي …. كأني أنازع الموت إياها .. وأسحبها منه .. فقالت لي :

إنك غداً تحب غيري .. وتضرب لها على عودك .

قلت : لكِ عليَّ عهد الحب لا نظرت بعدك إلى امرأة … ولا أجريت يدي على عود !!!

 

***

 

وسكت.. ونظر إلى العود كأنه يريد أن يعتنقه لينطقه بالمعجزات .. ويترجم به لواعجه.

ثم … غلبه البكاء مرة ثانية فقام .. وانسللنا نحن واحداً بعـد

واحد . وأغلقنا الباب ونحن نسمع نشيجه].

 

***

وغلبني البكاء فلم أستطع قراءة المقاطع الأخيرة من القصة !!

وسرحت بذهني إلى عالم آخر.. عالم مليء بالورود والرياحين. تطوف فيه الولدان بالأكواب والأباريق . وتطوف كذلك … الحور العين !

وهنا وقعت المفارقة الهائلة في نفسي بين حال هذا الذي رأى حورية من حور الطين .. وحال من يرى حورية حقيقية من الحور … العين !

وبين جمال هذه .. وجمال تلك !!

عادت إلى ذاكرتي قصص عديدة عن الحور .. همت بها زمناً .. وعللت بها نفسي سنين عددا . منها قصة (العيناء المرضية) .. وهي من أجمل القصص فاسمعوها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: