التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

وجوه المومسات

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\f\Downloads\لثق.jpg

ضحكت وأنا أرى اسم المجرم الدولي حاكم الزاملي على شاشة بعض القنوات الفضائية العراقية، وأرى صورته للمرة الأُولى في حياتي. قد يستغرب البعض من أنني لم أر صورته من قبل، والحقيقة أنني لم أحرص على رؤية صورة أي واحد من هؤلاء الوضعاء يوماً من الأيام، وأتذكر دوماً قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحكي قصة العابد جريج وكيف دعت عليه أمه حين انشغل عن أمرها بالصلاة قائلة: (أدعو الله أن لا يميتك حتى تنظر إلى وجوه المومسات)([1]).. أتذكر هذه العبارة كلما اقتحمت عليّ سكينتي صورة من تلك الصور الشائهة.

أما لماذا ضحكت؟ فلأن هذا المجرم اختير في مجلس النواب العراقي لرئاسة لجنة التحقيق في التفجير الذي استهدف المجلس قبل أيام قليلة! كيف لعتل عاتٍ من عتاة جيش المهدي، المتهم بارتكاب جرائة إبادة جماعية بأدلة لا تقبل النقض، مستغلاً منصبه كوكيل لوزير الصحة زميله في الإجرام في أسوأ فترة للقتل الطائفي، كيف لمثل هذا أن يلعق تلك الدماء ويمسح سكينته بلباسه ليعود نائباً في البرلمان عن التيار الصدري، ويترأس لجاناً تحقيقية؟!

لا عجب إذن أن تأتي نتيجة التحقيق على تلك الصورة المضحكة! وحسب الفصال الذي يناسب المالكي!

من هو حاكم الزاملي ؟

هو حاكم عباس موسى الزاملي، من أبرز قادة فرق الموت التابعة لجيش المهدي، قضى سنوات في ايران وتلقى هناك دورات تدريبية في العمل الاستخباري. تولى منصب وكيل وزير الصحة في حكومة المالكي الأولى سنة 2006. المتهم الأول بتصفية مدير صحة ديالى النائب عن كتلة التوافق د. علي المهداوي والمرشح لمنصب الوكيل عند مجيئه إلى مقر الوزارة ببغداد لاستلام منصبه صباح يوم الاثنين 12/6/2006 فاختفى داخل مبنى الوزارة مع ثلاثه من مرافقيه أحدهم شقيقه، وفقد الجميع هناك ولم يعثر لهم من لحظتها على خبر!

باتت وزارة الصحة في أيامه تعرف لدى العراقيين بالوزارة الأمنية الثانية بعد الداخلية. تحولت مستشفيات بغداد في عهده، والمؤسسات والدوائر التابعة للوزارة إلى أقبية ومصائد للموت تتلقف أبناء السنة رجالاً ونساء، وأما سيارات الإسعاف فقابضة لأرواحهم وأجسادهم، تنقلها إلى أوكار القتل في حي الثورة وغيره من الأحياء الشيعية، موزعة إياها على المزابل ومجاري الصرف.

كان الزاملي يشرف على سجن تابع لوزارة الصحة، ولديه تنسيق مع النائب عن الائتلاف العراقي جلال الدين الصغير إمام جامع براثا الذي يضم معتقلا جرى تصفية عدد من العراقيين المناوئين للسيطرة الإيرانية فيه ودفنهم في مقبرة جماعية تحيط بالجامع.

اعتقال الزاملي

بعد أن فاضت جرائم حاكم الزاملي وأضحت روائحها تزكم الانوف، وبعد ان رفض نوري المالكي اعتقال هذا المجرم، قامت القوات الامريكية بدهم وتفتيش منزل الزاملي في 30/10/2006 واعتقاله ثم تسليمه الى القضاء العراقي بتهمة اختطاف العشرات من الأبرياء. ولكن توقفت الاجراءات ضده بتدخل المالكي لدى الامريكيين بعد تلقيه اتصالاً من مقتدى الصدر الذي يعد الزاملي عينه السرية في الاجتماعات التي لا يستطيع حضورها! أسفرت تحقيقات الجيش الامريكي عن حقائق خطيرة جاء بعضها في بيان له، منها:

  • قيامه بتعيين أعداد كبيرة من أعضاء ميليشيا جيش المهدي الموالية لمقتدى الصدر في وزارة الصحة.
  • تمويل ميليشيا جيش المهدي، وتحويل ملايين الدولارات الامريكية اليها. (وتابع البيان الامريكي: أفادت تقارير أن أعضاء الميليشيا هؤلاء يستهدفون مدنيين عراقيين مستخدمين منشآت وزارة الصحة وأجهزتها في أعمال خطف وقتل طائفية).
  • اعترف الزاملي بعد اعتقاله مباشرة بمشاركة وزير الصحة له في جرائمه، وقدم للمحققين الأمريكان أسماء (61) من قادة فرق الموت في بغداد والنجف والسماوة.
  • اعترف باستخدامه عربات الإسعاف لنقل الأسلحة والمطلوبين من أفراد جيش المهدي، ونقل المختطفين الى منطقة خلف السدة (في حي الثورة) لقتلهم هناك([2]). إ.ه.

وزير الصحة علي الشمري شريك حاكم الزاملي

ما من شك في أن المسؤول الاول في وزارة الصحة عن هذه الجرائم الإنسانية هو علي حسين الشمري وزير الصحة في تلك الفترة عن التيار الصدري. من جرائم هذا الشخص أنه وافق على استخدام جثث العراقيين المغدورين في ثلاجات الموتى على يد المليشيات في عمليات التشريح والدراسة لكليات الطب في بغداد والمحافظات، وأمر بالموافقة على الاستفادة من أعضاء هذه الجثث واخفاء اية معلومات عن ذوي الضحايا. حمل أمر الوزير الرقم 7598 في 17/9/2006 تحت عنوان “سري للغاية”، وتم توزيعه على دوائر الطب العدلي والمستشفيات العراقية. وكان هذا أحد أسباب استمرار ضياع جثث العراقيين المغدورين، وقد أسست لذلك شبكة لبيع الجثث، المتورط فيها الوزير ونائبه الزاملي اللذان يشرفان على شبكة أخرى استخبارية في المستشفيات لاصطياد الجرحى والمرضى وتصفيتهم على أساس طائفي. كما أنهما على صلة بشبكة استخراج الجثث من المشرحة مقابل مبالغ مالية حيث يضطر ذوو الضحايا الى استئجار عناصر من المليشيات التابعة لوزارة الصحة لتسليمهم جثث ابنائهم المقتولين والمرميين في المشرحة، التي يعني الوصول اليها من ذوي الضحايا تصفيتهم الفورية، وهي تجارة تدر مئات الآلاف من الدولارات على اصحابها شهرياً.

في وقتها كتب الصحفي الشيعي سمير عبيد في موقعه: “كشفت مداهمة الأمريكان لمقر الوزارة، واعتقال (الزاملي) عن تقارير وسجلات وخطط مرعبة كانت تقوم بها وزارة الصحة، ولصالح بعض القوى التي توالي إيران، حيث تبين أن وزارة الصحة عبارة عن مسلخ بشري، ودكان لبيع الأعضاء البشرية من خلال عصابات خاصة مهمتها المتاجرة بالأعضاء البشرية التي يتم سرقتها من الأبرياء قبيل وبعد قتلهم. ولقد اعترف الزاملي بأن وزير الصحة (الشمري) كان يقوم بتحويل الأموال، المخصصة رسمياً لميزانية الوزارة، إلى عصابات الموت التي تشرف إيران على توزيعها وانتشارها، من خلال مجموعات الحرس الثوري الإيراني المتسللة في العراق. واعترف كذلك بأن الوزير كان على علم بتوزيع الجثث على المستشفيات والمشرحة. وأنه كان على علم أيضاً بأن تلك الخلايا توالي إيران، وتنفذ توجيهات الحرس الثوري الإيراني حسب التصريحات التي أدلى بها لنا أحد نواب البرلمان العراقي المقرب من لجان التحقيق الخاصة بهذه القضية. لهذا شعر الوزير بالخوف فتمكن من الهرب ليلة الأحد المصادف 17/2/2007 الفائت نحو إيران، خوفاً من الاعتقال والتحقيق على ضوء المعلومات التي أدلى بها وكيله الزاملي، والذي ادعى أيضا بأن الوزير كان يوقع على شيكات كبيرة لصالح عصابات الموت”([3]).

وكانت سرعة اعترافه، وانتشار تفاصيل تلك الاعترافات جعل الأمريكان يعلنون عن أن لجنة تحقيق أمريكية برئاسة الكولونيل مارك مارتنيز أحالت حاكم الزاملي واللواء حامد الشمري قائد حماية وزارة الصحة، إلى محكمة علنية وصفت بأنها ستكون أهم من محاكمة مسؤولي النظام السابق. لكن لأن ميليشيات جيش المهدي تحكم سيطرتها على القضاء والمحاكم ومراكز الشرطة، فقد تم اسقاط التهم الموجهة ضد حاكم الزاملي ومن ثم اطلق سراحه بعد أن عجز الشهود وأصحاب الدعاوى عن الوصول إلى المحكمة للادلاء بشهاداتهم!

وهكذا تم اطلاق سراح حاكم الزاملي في أسرع عملية اطلاق سراح، حيث لم تتجاوز فترة اعتقاله السنة الواحدة، رغم أن أمريكان صرحوا بأن محاكمته ستكون “محاكمة القرن”! وها هو اليوم في مجلس النواب العراقي عضواً في مجلس الأمن والدفاع([4])!

نقض قرار الإفراج

أخيراً أصدرت محكمة التمييز الاتحادية بعددها المرقم/141 /هيئة عامة /2008 في 30/3/2010 قراراً تمييزياً يقضي بنقض قرار الأفراج الصادر من محكمة الجنايات المركزية في الرصافة ذو العدد/224/ ج1/ 2008 في 3/3/2008 والذي يقضي بالأفراج عن المجرم حاكم عباس موسى الزاملي وجماعته..! وقد طلبت محكمة التمييز الاتحادية بقرارها من محكمة التحقيق التعمق بالتحقيق مع المجرم حاكم الزاملي ومجموعته كونهم متورطين بجرائم موثقة لعمليات الخطف والقتل والتسليب، وهناك شكاوى مقيدة ضدهم من قبل المدعين بالحق الشخصي التي تؤكد قيامهم بهذه الجرائم([5]). ومع ذلك أصبح الزاملي عضواً في مجلس النواب العراقي رغم أنه يحمل على صدره أوسمة بهذا العيار من أوسمة الجريمة!

ترى!

كم في حكومة المالكي ومجلس نوابه ودوائر دولته من أمثال الزاملي؟!

المضحك أن هؤلاء الحمقى ربما اطمأنوا إلى أنهم سيظلون طلقاء دون دفع استحقاق ما اقترفته أيديهم من جرائم ضد الإنسانية في حق سنة العراق!

خابوا وخسئوا.. وإن غداً لناظره قريب.

_________________________________________________________________________________

  1. – روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم وصاحب جريج وكان جريج رجلا عابدا, فاتخذ صومعة فكان فيها, فأتته أمه وهو يصلي فقالت يا جريج! فقال يارب أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته فانصرفت, فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت يا جريج! فقال أي ربي صلاتي وأمي فأقبل على صلاته, فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت يا جريج! فقال أي ربي أمي وصلاتي. فأقبل على صلاته. فقالت اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات. فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته. وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت إن شئتم لأفتننه. فتعرضت له فلم يلتفت إليها . فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها، فحملت، فلما ولدت قالت هو من جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه. فقال ما شأنكم؟ قالوا زنيت بهذه البغي فولدت منك, قال أين الصبي؟ فجاءوا به فقال دعوني حتى أصلي فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من أبوك؟ قال فلان الراعي . فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب فقال لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا) الحديث.
  2. – يلاحظ على البيان الأمريكي أنه لم يتهم جيش المهدي، وإنما يقيد تهمه إليه بكلمة “المارقين من جيش المهدي”!
  3. – موقع سمير عبيد الإلكتروني ، في 23/2/2007.

    هرب د. علي الشمري بعد ذلك إلى أمريكا، أو قد يكون هرب إلى أمريكا رأساً دون المرور بإيران، فيكون خبر هروبه إلى إيران غير دقيق. وأخبرني صديق لي طبيب نهاية سنة 2010 أن الشمري عاد إلى العراق، وهو الآن يتولى منصباً في وزارة الصحة، ويتصل به هاتفياً لأغراض تتعلق بالعمل الطبي. علماً أن الشمري من مواليد 1962 ومتزوج وله 6 اطفال. وهو خريج كلية طب الكوفة عام 1987، وسبق ان تعرض الى مجلس تحقيقي فصل على اثره من التدريس في مستشفى النجف التعليمي (مستشفى الصدر حالياً) ومن طب الكوفة عام 2000 بعد ان باع أسئلة الامتحانات الى طلبة فلسطينيين وافدين ما اضطره الى المغادرة الى الاردن والعمل في وزارة الصحة الاردنية سنة 2000-2002، ومن ثم غادر الى قطر حيث عمل في مؤسسة حمد الطبية في قطر قسم الطوارئ من 2002 حتى -21 /5/2006. وكان المالكي قد تجنب في الحملات الامنية السابقة مليشيا المهدي الداعمة له في الحكم ولكنه اضطر الى السكوت عن الاجراءات الامريكية.

  4. – انظر عن الزاملي الرابط التالي: http://spaislam.com/vb/archive/index.php/t-8523.html في 25/8/2011 كتابة أسعد عبد الله إحسان.
  5. – موقع الرابطة العراقية على الرابط التالي:

    http://www.iraqirabita.org/index.php?do=article&id=28222 راجع صورة قرار النقض الصادر من محكمة التمييز الاتحادية.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: