التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

فكيف هي محبته للمقبلين عليه

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\f\Downloads\graaam-2ccef8e716f.jpg

هذا الصباحَ..

كنت أقرأ كلمات عن التوبة في كتاب لولدي (محمد) قبل ذهابه إلى المدرسة. فشدتني هذه العبارة شداً، وأطربت قلبي إطراباً:

تقول كلمات تلك العبارة الرائعة: أوحى الله إلى داود عليه السلام:

(يا داود! لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم، وشوقي إليهم، لماتوا شوقاً إليّ، وتقطعت أوصالُهم من محبتي…)

وقبل أن أكمل العبارة صاح قلبي واختلجت أجزاؤه وهو يقول: فكيف إذن هو حب الله للمقبلين عليه؟!

فإذا تتمة العبارة: (يا وداود! هذه إرادتي في المدبرين عني، فكيف إرادتي في المقبلين عليّ)؟ فقلت: الله الله!

وبينما فرحي بهذا المعنى اللطيف يتدفق كالسلسبيل، ولساني يتسلسل بالتسبيح، اعترضني هاجس يقول: وما صحة هذا القول؟: ما مصدره؟ وما هو سنده؟ قلت: هذا والله هو الحق! وديننا دين التحقيق والتوثيق. ثم كان مني هذا الجواب:

المأثور غير المسند على أضرب:

منه ما هو معارض لما صح من المنقول: فهذا مردود. وكذلك ما عارض صريح المعقول.

ومنه ما لا نعلم له معارضاً ولا موافقاً، فهذا نتوقف فيه، أو نستشهد به في لطائف الأُمور بما لا يؤسس حكماً شرعياً، ولا يبطل ما قامت الشواهد على صحته: شرعاً أو عقلاً.

ومنه ما وافق الشرع في معناه: فهذا لا بأس بروايته والاستفادة منه. على أن لا نجزم بنسبته إلى من روي عنه.

كل هذه القواعد دارت في ذهني خلال لحظات. ثم تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته. فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)([1])!

بلى والله!

بل قال ربنا جل في علاه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)! فما نبغي بعد هذا؟!

وتداعت آيات سورة (الزمر) إلى خاطري: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحان الله! ما هذه العظمة! (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). هل تصورت المشهد: الأرض قد أشرقت لا بنور الشمس ولا القمر ولا النيران ولا البراكين: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ…………… رَبِّهَا)! وجيء.. جيء بمن؟ (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ………الشُّهَدَاءِ): مشاهد تخرق القلوب، وتتصدع لها الجبال خُشَّعاً! وتنثال الآيات كالنهر المترقرق حتى يكون ختامها:

(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)!

قلت: يا محمد! اكتب الأثر والآية والحديث في ورقة، وخذها معك إلى المدرسة لتحفظها. وقعدت أنا أسطر لجنود القادسية هذه الكلمات.

_______________________________________________________________________________

  1. – رواه الشيخان عن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: