التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

على هامش القمة ( العربية ) في بغداد

" حضر العرب .. وغابت العروبة "

د. طه حامد الدليمي

بعد طول ترقب واحتمالات متجاذبة، وتساؤلات كثيرة.. عقدت القمة (العربية) مؤتمرها ببغداد في موعده المقرر (29/3/2012).

ما يقال – مما ينبغي أو لا ينبغي – بهذه المناسبة كثير. وإذ يفرض الحدث الكتابة، فسأجنح إلى طرح بعض الأفكار والآراء التي أراها مهمة، أو تستحق التقييد لأسباب أُخرى، سالكاً طريق الاختصار، ومحاولاً تجنب الوقوف على الأطلال ما أمكنني ذلك.

بين الشكل والمضمون

أول ما لفت نظري في وقائع المؤتمر مدى التطابق بين الشكل والمضمون.

فالقمة اسمها (القمة العربية)، وتعقد تحت مظلة (الجامعة العربية)، ومن لطائف ما يضاف إلى ذلك أن الأمين العام للجامعة العربية اسمه (نبيل العربي)! فانظروا إلى كثرة (العربيات) في هذه القمة! وإذا كان لكل شيء شكل ومضمون. فمن حيث الشكل أسجل الملاحظتين الطريفتين التاليتين:

مع كل هذه (العربيات) التي انهالت علينا في بغداد، إلا أن العراق دستورياً ليس لديه ما يثبت أنه عربي! بل حذفت العبارة التي تقول بأن العراق جزء من الأمة العربية من الدستور القديم، ووضع محلها عبارة (العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الاسلامي، والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية)([1])! وهي عبارة فارغة غير منتجة؛ فأعلى ما يقال فيها أنها (فسرت الماء بعد الجهد بالماء)! إذ مما لا شك فيه أن عرب العراق جزء من الأمة العربية، وكرد العراق هم جزء من الأمة الكردية، والتركمان جزء من الأمة التركية، والفرس، والانجليز، واليهود… كل منهم هو جزء من الأمة الكبيرة التي ينتمي إليها. بل العصافير التي في العراق جزء من أمة العصافير في العالم، فالعصفور العراقي يأتلف مع العصفور التركي والإيراني وكل عصافير الدنيا. الحمام واللقالق والبلابل وأمثالها من الطيور خاضعة للحكم نفسه، والمثل الذي يقول: “الطيور على أشكالها تقع ” معروف للجميع. ولا أريد أن أتمادى أكثر فأذكر فصائل أخرى للحيوانات خشية أن أقع في محظور لا يليق؛ علماً أن الله سبحانه يقول في سورة (الأنعام:38): (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ).

أما الملاحظة الثانية فالعراق (العربي) لم يمثله في المؤتمر (العربي) شخص عربي!

فرئيس الوفد العراقي – الذي هو رئيس الجمهورية – ووزير خارجية العراق كلاهما كردي! وكلتا الشخصيتين بينهم وبين العرب والعروبة (ما صنع الحداد)! ومعلوم أن القمة كلها تقوم على شخصين هما: رئيس الوفد كممثل للبلد، ووزير الخارجية الذي يقوم بالتحضير وترتيب الأمور لعقد القمة. هذا مع احترامنا للكرد كقومية معتبرة؛ فحديثي خارج نطاق القوميات، إنما أنا أتحدث من الناحية الشكلية.

هل رأيتم كم هي عربية هذه القمة (العربية)!

أما المضمون، أي المادة التي طرحت في الاجتماع، فلم أجد فيها ما يهتم بالعروبة ويؤكد عليها في بلد عربي يراد له أن ينسلخ من العروبة، ويقطع جذوره العربية، متنازلاً عن هويته القومية (كرمال عيون) إيران وشيعتها. والكرد أيضاً. وثُبت ذلك في مادة دستورية!

كانت بغداد تسمى في أدبيات السياسة ولغة المؤتمرات (بغداد العروبة). أما اليوم فجنحوا إلى لفظ ناعم دسوه خفية كبديل لا بد منه لملء فراغ كلمة تعودت الأذن العربية والعراقية على نغمتها فلو قالوا (بغداد …) وسكتوا تشعر الأذن بجوع إليها. فكانت العبارة البديل (بغداد السلام)، كمن قتلوا أباه وجاءوه بشخص آخر يوهمونه أنه أبوه. قالها المالكي (أهلاً بكم في بغداد السلام). وقالها زيباري، وقالها العربي أيضاً. وربما آخرون.

شيعة العراق .. والنغمة ( العروبية ) الجديدة

بالتوازي مع هذا الخطاب المفرغ من المحتوى العربي، لفت انتباهي نغمة جديدة بدأت بعض الشخصيات الشيعية بعزفها في وسائل الإعلام أخيراً: ضرورة عودة العراق إلى الحضن العربي، والاندماج مع المحيط العربي وتوثيق العلاقات مع العرب…!

مما يؤسف له تخلف الثقافة العربية لا سيما ثقافة الشعوب التي تحاذي العراق من غربه وصولاً إلى المحيط الأطلسي (الشام ومصر ودول المغرب العربي والسودان وغيرها) عن فهم المشكلة الشرقية تخلفاً مريعاً. إنها ثقافة أحادية غير شمولية، مهووسة بالانشغال بمعاداة أمريكا واليهود، ولا تعير للعدو الشرقي الإيراني أدنى اهتمام. وكأنه لا عدو في الكون إلا هذان!

لقد أنتجت هذه الثقافة العرجاء – في الفترة الأخيرة – ثقافة عراقية ناشئة ومتنامية تشعر بالغربة من تلك الثقافة العاجزة عن التفاعل مع هموم العرب على امتداد وطنهم الكبير. أقول ذلك داقاً ناقوس الخطر من أنه سيكون لهذه الثقافة شأن أي شأن في المستقبل القريب. فإما أن تشاركنا الثقافة العربية همنا، وإما سننعزل عنها وتنعزل عنا، وكل يحمل همه على ظهره؛ فما عاد (الأطلس) السني في العراق قادراً على حمل هموم الأمة على قرنيه. ولنرى من هو الخاسر الأكبر في هذا الانفصال.

هذه الثقافة المتخلفة مصابة بقابلية الانبطاح لهذا الخطاب (معاداة أمريكا واليهود) من أي جهة أقبل حتى لو كانت إيران! لأنها دون مستوى قابلية فهمه. بل عرفت إيران كيف تتعامل مع هذه الثقافة الساذجة فدخلت على أصحابها من هذا الباب بصورة رئيسة، ومن (أبواب) أَخرى متفرقة معلومة. من هنا جاءت تبعية غالبية الإسلاميين والقوميين المتأخرين لإيران، وذيليتهم لحزب الله وحسن نصر الله. ويبقى ما سمي بـ(الملتقى العربي لدعم المقاومة) الذي عقد في بيروت في (15/1/2010) بقيادة إيران وحزب الله، طمغة عار تدمغ جباه من حضره منهم ومن أمثالهم، وشاهداً على تبعيتهم وذيليتهم الخانعة. وإلى ما قبل شهور لا تتعدى السنة كان سنة سوريا واقعين في هذا الفخ إلى أذقانهم، يهيمون بإيران وحزب الله وجيش المهدي، ولم تنفع محاولاتنا معهم في زحزحتهم عن موقفهم قيد شعرة! حتى كان ما كان ورأوهم على حقيقتهم وذاقوا ويلاتهم فتغير الموقف بسوط القدر لا بنور الشرع، ولا برؤية ما يجري في الواقع لإخوانهم سنة العراق. نسأل الله تعالى أن يفرج عن الجميع.

أما نغمة الشيعة هذه فهي تعبير عن إدراكهم لهذه القابلية الانبطاحية في الثقافة المذكورة. فهم يريدون استغلالها إلى أبعد الحدود بعد أن رأوا أنهم أحكموا قبضتهم على العراق، وهمشوا سنته العرب، وليدخلوا في الصف العربي عيوناً وأعواناً عليه.

ولا يظنن أحد أنها صحوة متأخرة انتابت الشيعة؛ فعقيدة الشيعي وعقدته ومرجعيته وولاؤه لإيران.. هذه الأربعة تمنعه من أن يصحو، وتجعله يتلذذ بالنوم الهنيء في حضن الطائفية إلى الأبد.

أذكّر إخواني العرب بأن الشيعة ظلوا – على مدى تسع السنين الماضية- يستهزئون بالعرب صراحة وعلانية، ويسمون كل من أشار للعرب والعروبة بمدح (قومچية). وتظاهروا في الشوارع رافعين لافتاتهم (أخرجوا العرب من العراق). وخطابهم الذي لم يتغير (ما لنا وللعرب؟ ليتركونا ويكفونا شرهم)! وذبحوا الفلسطينيين وشردوهم في أصقاع الأرض. فما عدا مما بدا؟!

كما أذكر من نسي منهم بما قاله بيان جبر صولاغ وصرح به جهرة ومن العاصمة الأردنية عمان سنة 2005 وبكل ما في وجهه من صفاقة فارسية ووقاحة شيعية راداً على وزير الخارجية السعودي حين قال: إيران تتدخل في شؤون العراق: (لسنا في حاجة إلى نصائح بدوي يركب جملاً قادماً من الصحراء)! وهي عبارة تراثية فارسية تشير إلى مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

قبل يومين قرأت على شاشة إحدى الفضائيات تعليقاً نشرته إحدى الصحف العربية يقول عن القمة: (لقد حضر العرب وغابت العروبة).

أظنه أصدق تعبير عما أردت أن أقوله لكم إخواني أيها العرب!

________________________________________________________________________________

  1. – كما جاء في المادة الثالثة من الدستور.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: