التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

مفهوم الأمة بين الفكرة والواقع

د. طه حامد الدليمي

نحن اليوم نعيش في فترة من الزمن جاءت على هامش حقبة كانت تمور بالفكر إلى جانب الحركة.

هذه الفترة وإن رأيتها تمور بالحركة لكنها من حيث الفكر تكاد تكون راكدة ركوداً يعتاش في عمومه على أفكار الحقبة السابقة، وقد يتجاوزها إلى ما قبلها من فترات وحقب.

وهذا خلل كبير ومعوق خطير لا يعالجه إلا مراجعات فكرية جذرية لكثير من المفاهيم والمسلّمات والأفكار الماضية، من أجل تقييمها وتقويمها أولاً، وتعديل بوصلة الحركة طبقاً إليها ثانياً. وبذلك يتكامل العلم والعمل، والحاضر مع الماضي وصولاً إلى صناعة المستقبل.

من هذه المفاهيم التي أمست اليوم في حاجة ماسة إلى المراجعة مفهوم (الأُمة).

إن هذا المفهوم من حيث المنزلة الدينية هو فكرة نقدسها، وعقيدة نؤمن بها. يقول ربنا سبحانه بعد ذكره موكباً عظيماً من الأنبياء والصالحين، ابتدأه بموسى وهارون، واختتمه بزكريا وزوجه وعيسى وأمه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).

لكننا عندما ننظر إلى الواقع الذي يكتنفنا، نجده لا يعدو كونه:

  • فكرة مشرقة في الذهن بحاجة إلى تمثيل.
  • وحلماً جميلاً في الخيال بحاجة إلى تأويل.

لقد جردنا – دون أن نشعر – الفكرة عن واقعها والحلم عن حقيقته، فوقعنا في مفارقة كبيرة يدفع ثمنها الأغلبية من جماهير الأمة لصالح أقلية ترفع شعار (الأُمة) بصورة لا ترى فيها إلا نفسها. بمعنى أنها تطالب الأُمة بحقوقها عليها، ولا تطالب نفسها بالواجبات المترتبة عليها تجاه (الأمة)!

نحن في زمن القطرية المفرقة .. لا الأمة الجامعة

والآن.. اسرح ببصرك نحو الأفق هل يرجع إليك بغير أقطار ودويلات تفصل بينها حدود وضعها المستعمر؟ وبإمكان كل فرد ينتسب إلى الأمة أن يكتشف عند الحد الفاصل أنه لا أمة خارج نطاق الذهن والحلم. وأن بقاءه في بلده – لو توفر له الأمن – خير له، من جوانب كثيرة، من عيشه بين إخوانه في تلك الأقطار والدول والدويلات.

وأهل كل بلد من هذه البلدان – عربية كانت أم إسلامية – مشغولون بهمومهم، ولهم أفكارهم، بحيث ينظرون إلى همك الخاص من خلال تلك الهموم، ولا غير، ويريدون أن يخضعوا أفكارك الخاصة بقضيتك التي في بلدك إلى تلك الأفكار، ولا بد. ومن الصعوبة البالغة أن تزحزحهم عن شيء من ذلك. وأظن أن هذا شيء طبيعي ما دامت الحدود تفصل بيننا وتمنع أبناء الأمة من أن يعيشوا معاً ويختلطوا ببعضهم، فيتشاركوا الهموم ويتبادلوا الأفكار.

النتيجة أنك تُجبر على أن تعيش في عزلة نفسية وفكرية تنعكس على علاقاتك ووضعك الاجتماعي الجديد. وكثيراً ما تمارس الصمت والوجوم أو الابتسام والتصنع إزاء ما ترى وتسمع! عند هذه النقطة تماماً يتبادر إلى ذهنك السؤال الخطير:

أين الأمة؟

وتكتشف عندذاك أن الأمة المقطعة الأوصال لا وجود لها خارج نطاق المفهوم الذهني والحلم الخيالي، وخارج نطاق بعض الأفراد المتميزين الذين يمتلكون طاقة هائلة لتجاوز فلك القطر عبر الحدود نحو فلك الأمة. وهؤلاء لا غيرهم – في رأيي – هم الأمة اليوم.

مع هذا الاكتشاف المؤلم تكتشف شيئاً آخر أكثر إيلاماً، هو أن بعض الجهات تتكلم باسم الأمة، وترفع شعار (الأُمة) – كما أسلفت – بصورة لا ترى فيها إلا نفسها. بمعنى أنها تطالب الأُمة بحقوقها عليها، ولا تطالب نفسها بالواجبات المترتبة عليها تجاه (الأمة)! هذا والأمة في دوامة الركود الفكري لا تدرك هذه المفارقة اللئيمة. فما العمل؟ وما الحل؟

فكّر أممياً .. لكن تصرف محلياً

عندما ننظر إلى الشرع والمبدأ من جهة، وإلى الواقع والمصلحة من جهة، نجد أن الحل الشرعي الواقعي المنصف هو أن نتبع المعادلة التالية: (فكّر عالمياً “أو أممياً” وتصرف محلياً)، فإن نجاح عالميتك بنجاحك أولاً في محليتك.

إذن………………….

قضيتي القطرية هي الأولى من الناحية العملية، حتى وإن كانت أولويتها أدنى من الناحية النظرية. وأتعاطى مع قضايا الأمة بعد ذلك بمسلكين محكومين بقيدين:

1. حسب القدرة والطاقة الفائضة بحيث لا أفرط بحق ذوي القربي (أهل بلدي) كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال:75): فقدم حق الأقارب على المؤمنين ولو كانوا من المهاجرين المجاهدين. فمن حيث الأصل ليس من الشرع الحكيم، ولا النظر القويم، تقديم قضية قطر إسلامي غير عربي على قضية قطر إسلامي عربي، ولا تقديم قضية قطر عربي على قضية قطري الذي أعيش فيه؛ لأن أهل بلدي أقرب رحماً من أهل البلد العربي الثاني، وأهلي العرب أقرب رحماً من أهلي المسلمين غير العرب. هذا بالنظر إلى عامل الرحم فقط. فإذا أدخلنا عامل المصلحة كان الأمر آكد وأقوم.

2. أن أبادل الموقف بموقف، والدين بالشعور. فمن لم يقف معي في قضيتي لا أتجاوز دائرة الشعور لأقف معه في قضيته وإن كان مسلماً عابداً؛ فإن هذا الإسلام لم يدفعه لأن يقف معي وأنا أخوه المسلم، فليس من حقه أن يطالب إسلامي بما لم يطالب هو به إسلامه قبل ذلك؛ والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (الأنفال:72). الإيمان وحده لا يصنع قضية ما لم يستتبع نصرة تصدقه وتبنى عليه. فالنصرة إنما هي للقضية وليس لأصل الدين، وبدليل نهاية الآية أيضاً: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). فالميثاق (أي نصرة القضية وليس الدين) من الكافر أقوى من (إيمان) مسلم لم يحمله إيمانه على مشاركة إخوانه في قضيتهم ليتواثق معهم به وينصرهم. وهكذا ترتبت النصرة على القضية (الميثاق ولو من كافر)، لا على أصل الإيمان (الدين).

بذلك أكون واقعياً فأحمل هم (الأمة) فكراً وشعوراً، وأتجاوز ذلك إلى العمل بالشرطين الآنفي الذكر، وأعمل لتغيير الواقع الذي هو تحت طَول يدي لا تفصلني عنه الحدود. وبذلك نتوحد في مشاعرنا ونتفاعل في قضايانا، ونؤدي من ذلك ما نستطيع قياماً بالواجب المفروض بالوسع المقدور.

أولويات التحدي

بعد كل هذا يمكنني أن أحدد أولويات التحدي([1]) حين أعرف أن لي قضيتين: قضية خاصة داخل بلدي أقدمها عملاً وتطبيقاً، وقضية عامة على امتداد الأفق الذي تتناثر متفرقة عليه أقطار (الأُمة) قد أقدمها قيمةً وترتيباً.

والآن لننزل هذا الكلام على مورده.

أنا – كعراقي – من الناحية العملية أبذل جهدي لإنقاذ بلدي العراق أولاً، كما يعمل الفلسطيني والسوري – مثلاً – لبلديهما دون أن أطالبهما أن يكونا عراقيين: لا كالعراقي ولا أكثر منه إحساساً وهماً وحملاً لقضيته. كذلك أنا لست فلسطينياً ولا سورياً: لا مثلهم ولا أكثر منهم من باب أولى. إنما نتشارك في الشعور والهم كلٌّ بحسبه، ونتناصر بعد ذلك حسب القدرة والموقف.

هكذا تتوحد قضايا الأمة وأولوياتها. لأنه عندذاك لن نجد عربياً يصطف مع عدوي كعراقي (وهو إيران) ويريد مني أن أصطف معه ضد عدوه، بل بعضهم يتجاوزني لأهمل قضيتي في سبيل قضيته! ولا نجد مسلماً يصطف مع روسيا ويطمع بنصرة شيشاني له.

ولن نسمع برئيس دولة عربية يزوره رئيس إيران ليصرح من عاصمته أن قضيتهما واحدة، هذا وإيران ذبحتني من الوريد إلى الوريد! لماذا لا يستقبل نتنياهو إذن ويصرح من عاصمته بمثل ما يصرح به مع نجاد؛ ما الفرق؟ ولن نرى عربياً آخر يزور إيران يتلقى منها الأموال، ويصدر بياناً من طهران بمثل بيان الرئيس المذكور؛ لأن (أدب) القضية سيعلمه مراعاة الأصول. وإلا تمزقت الأمة في قضيتها: شعوراً وهماً، وتطبيقاً وعملاً، بعد تمزقها: أرضاً وحداً وواقعاً، وغزاها العدو في عقر دارها ثقافةً واقتصاداً وسياسةً واجتماعاً، وربما احتلها عسكرياً، وبهتت هويتها وضعف انتماؤها لأوطانها وقومياتها وإسلامها.

هذا برأيي هو الذي يحفظ للتحديات أولوياتها، ويحفظ للأمة هوياتها المتنوعة، فليس هناك تحدٍّ واحد، كما أنه ليس من تحد هو الأول بالمطلق دون مراعاة ما سبق. كذلك ليس ثمة من هوية وحيدة تلقف – كعصا موسى – بقية الهويات، بل هي هويات متعددة متساندة.

الملاحظ على (القوميين) خصوصاً العراقيين أنهم أضعفوا انتماءنا الوطني بتركيزهم على العرب خارج حدودهم القطرية؛ فكأن أولوية الاهتمام بالوطن تتناقض مع العروبة. كما أن الملاحظ على (الإسلاميين) أنهم أضعفوا انتماءنا العروبي؛ فكأن العروبة تتناقض مع الإسلام! ولم يكتفوا بهذا حتى أدخلوا إيران ضمن (المنظومة الإسلامية)، وبذلك انتقلوا من المطر إلى المزراب!

نظرية ( القضية المركزية )

عند هذا الحد نجد أن نظرية (القضية المركزية)، وأن للأمة قضية مركزية واحدة، في حاجة إلى مراجعة تقييماً وتقويماً. فبوجود الحدود الفاصلة بين أقطار الأمة لا يكون للأمة وجود خارج نطاق الذهن والحلم والأفراد المتميزين، فيكون وجودها معنوياً اعتبارياً لا حقيقياً مؤثراً. وبغياب وجود الأمة الحقيقي المؤثر، لا يمكن أن يكون لها قضية حقيقية حاضرة؛ فالمعلق بالغائب غائب حتى يحضر. إنما لكل قطر قضيته المركزية: فالفلسطينيون لهم قضيتهم، والعراقيون لهم قضيتهم، كذلك الأمر في الشيشان وأفغانستان وسوريا ومصر وليبيا والأحواز والسودان. والمطلوب أن نتفاعل فيما بيننا شعوراً يصنعه الدم ويفرضه الدين، ونتعاون فيما بيننا حسب القدرة الممكنة، وحسب الموقف المتبادل. ولا قضية تعلو على أُخرى بالنسبة لأهلها. فمن أعطى للآخرين أخذ منهم، ومن أراد الاعتياش والمتاجرة، فمرة يبكي على بابي، وثانية يستجدي على أعتاب عدوي، فلا ينبغي أن يكون له وجود بين أصحاب القضية.

أما القضية المركزية للأمة كلها فلا وجود لها قبل توحيد الأمة وإزالة الحدود الفاصلة بين أقطارها. فلنعمل على ذلك جاهدين، وليكن هذا هو القضية المركزية للأمة، إن كان للأمة وجود، وكان أبناء الأمة جادين فيما يقولون ويدعون.

_________________________________________________________________________________

  1. – كان ذلك تمهيداً لجواب على سؤال ضمن حوار أجرته معي إحدى المجلات الإسلامية المشهورة، وكان السؤال: “تواجه أمتنا الإسلامية تحديات كثيرة تهدد هويتها ويختلف علماؤها ومفكروها في ترتيب أولويات هذه التحديات، ما رؤيتكم لأولويات هذه التحديات من حيث خطرها على الهوية الإسلامية؟” . ونشر الحوار في المجلة لكن من دون هذا الموضوع! وبلا استئذان مني!! قلت في نفسي: إن بيننا وبين قيادة (الأمة) بوناً بعيداً. هل المطلوب فكر تقليدي وجواب حسب الفصال؟

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: