التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الهوية السنية .. أسباب الفقدان ودواعي الوجدان

د. طه حامد الدليمي

يعاني أهل السنة في البلدان التي ينتشر فيها التشيع – كالعراق ولبنان – أو سيطر على مقاليد الحكم فيها – كسوريا – من فقدان (الهوية السنية)، وتناسيها إلى حد الخجل من ذكرها، والتنصل من الانتماء إليها؛ وذلك بسبب شيوع (الثقافة الوطنية) في مئة السنة الماضية، التي تقبل كل هوية أُخرى إلا (الهوية السنية). فلا حرج اجتماعياً في أن يقول الشيعي: أنا شيعي، ويعتز بشيعيته، والكردي: أنا كردي، ويعتز بكرديته، والمسيحي والفيلي، وحتى اليزيدي. كما أن الانتماء إلى الهوية العشائرية أو العائلية لا يجد صاحبه فيه تناشزاً مع الانتماء إلى الهوية القطرية – كالعراقية – ولا غضاضة لو جمع بين الهويتين السابقتين مع اعتزازه بالهوية القومية – كالعربية – وفي الوقت نفسه ينتمي إلى الهوية الإسلامية، ولا يرى تناقضاً بين هذه الهويات مجتمعة، حتى إذا وصل الأمر إلى (السنة) بدأ مؤشر الخطر بالظهور!

العلة ثقافية لا موضوعية

انظر إلى تناقض الثقافة (الوطنية) وضعف منطقها في تعاملها مع التشكيلة التالية من الهويات: (زيباري، سني، عراقي، كردي، مسلم)، أو (دليمي، سني، عراقي، عربي، مسلم).

انتبه! ثمت هوية ناشزة بين هذه الهويات!

إنها تقبل هذه الهويات جميعاً إلا واحدة هي (السني)! هذه من العيب أن تذكرها.

عليك أن تخجل عندما تقول: (أنا سني) في مجتمع عام كدائرة رسمية، أو اجتماع حزبي، أو إذاعة، أو تلفزيون، أو صحيفة، أو حتى منبر مسجد في خطبة جمعة! بل ربما لا تسلم من تهمة (الطائفية) صعوداً إلى (الوهابية). قل: (أنا دليمي، أو عراقي، أو عربي، أو مسلم) لا شيء في ذلك. أما (سني) فلا!

لا أحد يجرؤ على أن يقول: ما المشكلة في أن يجمع المرء بين هذه الهويات؛ بشرط تلاؤمها في منظومة تأخذ فيها كل قيمة من هذه القيم استحقاقها بحيث لا يطغى بعضها على بعض في سلم الاستحقاق التراتبي الذي يرعى التوازن نظرياً وعملياً؟!

العلة إذن في الثقافة، وليست في الهوية.

والسبب الرئيس في نشوء هذه الثقافة المتخلفة، إذا أخذنا العراق مثالاً، هو (الدولة الحديثة) التي تكونت في سنة (1921)؛ إذ قامت على أساس (وطني) وجد الحكام أنفسهم فيه متورطين في معادلة اجتماعية صعبة الحل، هي أن العراق بلد متعدد الأديان والطوائف والأعراق. وحيث أنهم عجزوا عن وضع حل سياسي متطور، لجأوا إلى حيلة ساذَجة هي الدعوى بأن العراق شعب واحد لا شيء من دين أو قومية أو عرق يفرق بين أبنائه، وأن هذا (الشعب) أعظم وأكبر من أن يفكر في مثل هذه الأمور (الصغيرة). فعالجوا الموقف بعبور المشكلة لا بعلاجها.

ولم يكن ذلك عن جهل منهم بطبيعة تكوين البلد فالملك فيصل الاول – مثلاً – يقول في مذكراته: “اقولها و قلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد شعب في العراق، إنما هناك تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمعهم جامعة، ميالون للفوضى، سماعون للسوء”!

سيرورة الأمور بين الدعوى الوطنية والانتماءات الطائفية

حقيقة العراق أنه بلد يتألف من عدة مكونات عرقية ودينية (لا تجمعهم جامعة)، يأتي على رأسها المكونات الثلاثة الرئيسة: السنة والشيعة والكرد.

طيلة العقود الثمانية (1921-2003) التي استغرقها عمر (الدولة الحديثة) كان الشيعة والكرد – دون السنة – كل منهما يعلن بهويته، ويسوق لمظلوميته، ويطالب بحقوقه، فكانت له (قضية) وصلت حد (التدويل) الذي تمكن به من لفت أنظار العالم الخارجي، وجلب معونته بشتى صورها، وآخرها الاحتلال. وبما أن المكون الثالث (السنة) ساكت يأنف من تسمية نفسه بالاسم المُناظر، ورأس الحكم (الملك أو رئيس الجمهورية) منه دون المكونين الآخرين، فقد تشكل انطباع بأن السنة هم الجانب الظالم في المعادلة الثلاثية. هذا لا يعني أنني أنفي حصول ظلم من الحكومات المتعاقبة. لكن هناك فرق بين أن يكون الظلم (طائفياً) يسلطه (السنة) كسنة على الشيعة كشيعة، والكرد ككرد، وبين أن يكون الظلم (سياسياً) تمارسه الدولة لأسباب سياسية (الشيعة يريدون إزاحة الحاكم والاستيلاء على الحكم لأسباب طائفية دينية، والكرد يريدون الانفصال وتكوين دولة قومية تجمع الأكراد في المنطقة لأسباب قومية عرقية). وهذا الظلم لم تكن الحكومة تمتنع من توجيهه إلى السنة متى ما اقتربوا من كرسي الحكم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الدولة لم تكن دينية سنية، وإنما كانت علمانية وطنية. وكان الحزب الأكبر للسنة وهو (الإخوان المسلمون) ممنوعاً قانوناً في دولة (البعث)، مضيقاً على أتباعه، لا يجرؤ أحدهم أن يفصح عن انتمائه؛ فتلك جريمة قد تصل بصاحبها إلى الإعدام!

مجمل القول أن (السنة) نظر إليهم المكونان الآخران نظرة طائفية كل من زاويته الخاصة: فهم في نظر الشيعة (سنة)، وفي نظر الكرد (عرب). وظهروا في نظر العالم بمظهر الظالم المتسلط. وهكذا وعلى أساس هويتهم (السنية) جرى تهميشهم وإقصاؤهم بعد الاحتلال، وصار الشيعة والكرد حلفاً واحداً في مقابل السنة، الذين ظلوا يصرخون: نحن عراقيون: لا فرق بين شيعي وسني، وكردي وعربي. ويتقربون للكردي أكثر فيقولون له: نحن جميعاً سنة. لكن دون أن يصغي إليهم أحد، سوى تعاطف طبيعي مبهم من عوام الشعب الكردي وعمومه، لم يتجاوز العاطفة إلى الفعل المؤثر.

وهكذا لم يلتزم بالهوية الوطنية أو العقد الوطني ويبتعد عن المسميات الخاصة سوى السنة، الذين ابتعدوا عن هويتهم فخسروا في النهاية ذاتهم ووطنهم، وكما قال ناعق الشيعة يوماً: “لكم الوطنية ولنا الوطن”! وهي مقولة تلخص حقيقة المأساة، وتضع الأصبع على موضع الداء.

من ضرورات إعلان الهوية السنية

لو جرى الالتزام من الجميع بالعقد الوطني، فلم يعلن الشيعي أو الكردي بهويته، لكان بالإمكان أن يؤتي العقد الوطني ثماره بصورة عادلة. ولكن الالتزام كان من طرف واحد فاختلت المعادلة. فأصبح الإعلان بـ(الهوية السنية) في بلد مثل العراق ضرورة، ليس من الناحية الدينية فقط، بل السياسية أيضاً.

لقد كوّن الشيعة دولتهم، والكرد إقليمهم. وبقي السنة بلا دولة ولا إقليم، ولا (مكان تحت الشمس) يمَكّنهم من العيش بكرامة وحرية وأمان!

الأهم من ذلك هو أن (سنة العراق)، لا سيما العرب منهم، استهدفهم الشيعة بالظلم بناءً على هويتهم السنية؛ إذ يكفي حتى تحرم من حقوقك أن تكون سنياً. ويصل هذا الظلم إلى حد الحرمان من حق الحياة، وحق الكسب، وحق الحرية، وحق الكرامة. وتزداد الصورة بشاعة حين تعلم أن حرمان السني من حقوقه، وعلى رأسها حق الحياة، يمارسه الشيعة طبقاً لعقيدتهم؛ فليس الأمر واقعاً لسبب عارض كما يتظالم البشر فيما بينهم، إنما ظلم السنة أمر مقصود دينياً، ويجري تنفيذه منهجياً.

كل هذه الأمور مجتمعة تستدعي من السنة في العراق وما شابهه من أقطار أن يلجأوا إلى هويتهم السنية فيعلنوا بالانتماء إليها، ويبرزوها ويعتزوا بها.

مكاسب ( الهوية السنية )

إن رفع لافتة (الهوية السنية) يحقق للسنة مكسبين عظيمين في طريق رفع الظلم عنهم واستحصال حقوقهم:

الأول: تأسيس (قضية) لهم في الداخل، تجعلهم يلتئمون فيما بينهم، ويتجمعون في كيان واحد يمكنهم به أن يدفعوا الحيف عن أنفسهم، ويستحصلوا حقوقهم، ويبنوا مناطقهم، ويعمروا إقليمهم. وليعتبروا بإقليم كردستان وما فيه من أمان وتطور وعمران، وتمتعه بقوة قادرة على ردع الحكومة المركزية الشيعية من ظلمهم وهضم حقوقهم.

من دون هذه الخطوة يستحيل عليهم استعادة العراق من يد الشيعة وتخليصه من التبعية لإيران.

والثاني: (تدويل القضية) في الخارج. وهذا الأمر لا بد منه لاستكمال تحقيق المكسب الأول. فلو خرج السنة بقضيتهم إلى المنابر الدولية، وصرخوا في آذان المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية، وأسمعوهم صوتهم، وقدموا وثائق الإدانة للحكومة الشيعية بتوابعها من أحزاب ومليشيات ورجال دين أوغلوا في الدم السني، وبصورة منهجية وصلت إلى حد الإبادة الجماعية المنظمة، وبينوا أن ذلك كله يجري طائفياً، وأن طائفة كبيرة في العراق هي (السنة) يتم إبادتها على يد طائفة أخرى تمسك بزمام القوة هي (الشيعة).. لو فعلوا هذا لسمع العالم صوتهم، واستجابت المنظمات الحقوقية، والمحاكم الدولية لقضيتهم. واستثار ذلك أبناء العرب (وهم سنة) في الأقطار العربية حولهم، وحوصر الشيعة من كل جانب في جحرهم. وبهذا نكون قد انتزعنا العراق العظيم من أيدي الشيعة، فضلاً عن التمكين لنا في مناطقنا.

وأعظم من ذينك المكسبين حيازة رضا الرب؛ فالله تعالى لا يعين قوماً لا يرفعون لدينه راية. فرفع الراية السنية تستجلب رضا الرب جل جلاله، وتدفع غضبه الذي حل بنا منذ أن كذبنا عليه وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى دينه وعلى خلقه بقولنا: “لا فرق بين شيعة وسنة “، بينما الفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا. وتجاوز هذا الكذب الفاضح منبر السياسة، ليصل إلى منبر الدين!

لقد فقد سنة العراق هويتهم في زمن تغول الهويات، ففقدوا كيانهم، وأضاعوا حقوقهم. و(نسوا الله فنسيهم) ووكلهم إلى أنفسهم.

فعَوداً أيها السنة إلى دينكم وهويتكم، واقرأوا جيداً مفردات واقعكم، تعد إليكم عزتكم، وتستعيدوا عراقكم (والله معكم ولن يتركم أعمالكم).

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: