التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

على أعتاب ثقافة جديدة

منظمة حقوقية عربية تتحدث عن انتهاكات لحقوق ( السنة ) في العراق !

د. طه حامد الدليمي

ليلة أمس فوجئت بلغة جديدة في التعبير عن العراق وقضيته.

لغة تختلف عن اللهجة القديمة طيلة عشر السنين الماضية التي تعتمد الخطاب (الوطني) في التعبير عما يجري في العراق، وإذا أُلجئت للإشارة إلى طائفة من طوائفه كانت عبارة (مكون معين) هي سيدة الكلام، مثلما يتم الإشارة إلى إيران بعبارة (دولة إقليمية) أو (دولة جارة) وما شابهها من مسميات خجولة.

كان ذلك في برنامج على قناة (الجزيرة) الفضائية، يناقش تقريراً لـ(المنظمة العربية لحقوق الإنسان) جاء فيه صريحاً ذكر انتهاكات طائفية ترتكب في سجون العراق بحق السنة ورموزهم. ولأول مرة أسمع عن منظمة دولية تكسر حاجز (الخوف) لتتلفظ باسم (السنة) بلا مواربة، هذا البعبع الذي يتحاشاه سنة العراق قبل غيرهم، متطيرين منه خجلين من ذكره. كما أنني لأول مرة أسمع قناة (الجزيرة) تفعل ذلك! وكان على الخط من لندن حقوقي عراقي ينتابه التردد ويعتريه الخجل كلما ارتكب الفعلة (الطائفية) للمنظمة العربية والجزيرة الفضائية!

الثقافة الوطنية

حالت (الثقافة الوطنية) التي شاعت في المنطقة العربية عموماً، والعراق خصوصاً، في مئة السنة الماضية، بين السنة والاعتزاز بـ(الهوية السنية)، بحيث أن هذه الثقافة المبنية على (الهوية الوطنية) لكل قطر تقبل أي هوية أُخرى إلا (الهوية السنية). فلا حرج – مثلاً – في أن يقول الشيعي: أنا شيعي، ويعتز بشيعيته، ويجد المحيط السني يحتضنه ويداريه. ويقول الكردي: أنا كردي، ويعتز بكرديته، ويدارى لذلك، والمسيحي واالفيلي، وحتى اليزيدي. كما أن الانتماء إلى الهوية العشائرية أو العائلية لا يجد صاحبه فيه تناشزاً مع الانتماء إلى الهوية القطرية، ولا غضاضةً فيما لو جمع بين الهويتين السابقتين (العشائرية والقطرية) مع اعتزازه بالهوية القومية العربية، وفي الوقت نفسه يمكنه الانتماء إلى الهوية الإسلامية، ولا يرى تناقضاً بين هذه الهويات مجتمعة فيه، حتى إذا وصل الأمر إلى (الهوية السنية) بدأ مؤشر الخطر بالظهور! ما يدل على أن العلة في الثقافة وليست في الموضوع.

نعم، حاول الفكر البعثي عند بداية حكمه للعراق أن يتجاهل (الهوية العشائرية)، ومنع إضافة الألقاب في الإعلام والدوائر الرسمية، واستمر على هذا النهج حتى الثمانينيات ثم عادت الألقاب العشائرية إلى البروز بقوة لحاجة الدولة إليها في حربها مع إيران. في إشارة واضحة، لم تلتقط، إلى أن الحقائق لا تعالج بالتجاهل، وإنما بالتعامل. لكن النظام استمر في تجاهله للهوية السنية، بل حاربها بشدة ، واستمر على ذلك إلى يوم زواله.

ما أسباب هذا التناشز المفتعل بين الهويتين: الوطنية والسنية ؟

قد يسأل سائل لماذا تقبل (الثقافة الوطنية) كل هوية إلا (الهوية السنية)؟ وللجواب على هذا السؤال نحتاج إلى تقليب بسيط في أوراق التاريخ:

تأسست الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921، شأنها شأن أي دولة، على أساس المواطنة. غير أن العراق يتكون أساساً من ثلاثة مكونات رئيسة مختلفة ثقافياً: السنة والشيعة والكرد. هذا الاختلاف أدى بالقيادة الحاكمة، من أجل السيطرة على هذه الشعوب المتناشزة، إلى أن تتبنى فكرة عابرة للثقافات، تتجاهل الواقع ولا تتعامل معه، وهي دعوى أن الشعب العراقي شعب واحد لا فرق بين سنته وشيعته وعربه وكرده. ولم يعترفوا إلا بشيء واحد هو عروبة البلد! مع أنه كان يمكنهم الاعتراف بتعدد الثقافات والأعراق والأديان والمذاهب [هذا على فرض أن الشيعة والسنة مذهب]، ويضعوا معادلة سياسية رصينة على هذا الأساس، تحفظ لكل مكون هويته وحقوقه. لا أن يعبروا الحقائق الصارخة على الأرض، ويرحّلوا المشكلة لتنفجر على السنة العرب وحدهم، بعد ثمانية عقود من التزوير وتجاهل الواقع.

العرب السنة وحدهم التزموا بالفكرة وصدقوها وتنصلوا عن هويتهم وتجاهلوها. أما الشيعة فعملوا طبقاً لمعادلة ازدواجية عرفوا بها، تبيح لهم تملق الدولة بالتظاهر بالهوية الوطنية من ناحية، ومن ناحية ثانية يصرخون بمظلوميتهم على أساس الطائفة، ويتسولون عطف العالم على هذا الأساس. ويتم التعامل بأي واحدة من الهويتين حسب الظرف والمصلحة. وهكذا وضعوا الدولة أمام الأمر الواقع، داخلياً وخارجياً.

وأما الكرد فطيلة الفترة الماضية لم يتخلوا عن هويتهم القومية.

وكانت النتيجة أن اختفى السنة كعنوان سياسي في الداخل والخارج. وإن جرى الحديث عن ظلم يتعرضون له إبان الحكومات السابقة للاحتلال الأمريكي، فلا يعود به إلى هويتهم الدينية، وإنما يرجعه لأسباب سياسية. وهذا وإن كان حقاً في عمومه، لكنه ليس أمراً خاصاً بهم، إنما الشيعة كذلك: لم تستهدفهم الحكومات على أساس هويتهم الدينية، وإنما هناك صراع تخوضه الدولة مع كل مناوئيها على أساس سياسي، وإن خاضه الشيعة على أساس ديني طائفي، و(يسقطون) هذه الرؤية على الآخر.

وهكذا سقط السنة ضحية الثقافة الوطنية المتخلفة، بعد أن تشربوها وتطبعوا بها. حتى إذا زالت الدولة الوطنية بالاحتلال وحلت محلها الدولة الطائفية، ظلت هذه الثقافة تحكم كلامهم، بل وتوجه سلوكهم أيضاً. فهم يرون الظلم ينالهم بسبب سنيتهم، لكنهم يخجلون من التصريح بهويتهم، وينظرون إلى أنفسهم أنهم أكبر من ذلك – وهذا راجع في جزء منه إلى (شخصيتهم الأبوية) – وما زالت زعاماتهم سادرة تلعق جراح هذا التخلف الثقافي إلى اليوم، رغم أن أغلب الجمهور السني بدأ يزيح عن كاهله هذا العب الثقيل، ويكتشف أنه غير قادر على دفع فاتورة التعايش مع الشيعة في بلد واحد دون معادلة سياسية جدية تحميه من هذا العبث السخيف.

عالم جديد

العالم العربي اليوم، ومنه العراق، تسري في شرايينه ثقافة جديدة! كنا نستشرفها وندعو لها ونبشر بها. ونسعى للتسريع بتنضيجها، ونرى أن الأحداث تمضي جادة في خدمتها. لهذا ركزت في أحاديثي على وسائل الإعلام كثيراً على (الهوية السنية)، في وقت كان هذا المصطلح غريباً على الأسماع والأفهام. وجعلت عنوان برنامجي على قناة (وصال) “سنة العراق.. القضية والهوية”، راكلاً بقدمي تلك الثقافة المتخلفة، وصاماً أذني عن تلك المشاغبات الغوغائية السنية المفلسة، والتي لإفلاسها تصم حمَلة (الراية السنية) بالطائفية والتشدد.

ولقد كنت طيلة السنين التي سبقت، لا سيما بعد الاحتلال، أقول: ما دام السنة في غيبوبة عن الشرع والواقع فلا بد لسياط القدر أن تأخذ إلى ظهورهم طريقها فيستيقظوا من سباتهم. وسيأتي يوم يقولونها بأي صورة من الصور، حتى وإن غصوا بها، حتى لو تقيئوها تقيؤاً: “نحن سنة”!

فإذا فعلوا ذلك كانت بداية الطريق نحو التمكين بإذن الله جل في علاه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: