مقالات

الشعارات الوطنية .. سذاجة أم عمالة ؟

د. طه حامد الدليمي

sunnaanbar

لأول مرة في تاريخ العراق الحديث تخرج مظاهرات في المناطق السنية ترفع شعارات سنية، إذا تجاوزنا شعار (سامرا سنية …) الذي صدحت به قبل عدة أشهر حناجر أبناء (القادسية) في سامراء. إلا أن أصواتاً نِشازاً خالطت صفاء ذلك الجو البهيج، فصكت أسماعنا بمثل الشعار الخائب الكاذب (إخوان سنة وشيعة …)، واستعرض بعض السياسيين أمام الكاميرات (حرصهم) على (وحدة الوطن)، في حركات لا يخفى أنها على قاعدة (إياك أعني واسمعي يا جارة). وتباً لتلك الجارة التي ابتلينا بها وبأشياعها! ونعقت بعض الأفواه بمدح (عشائر الجنوب)، و(شرفاء الشيعة). وأنا أعلم أن الشرف موقف أصيل، ينبع من نفس كريمة، لا يقيده زمان ولا مكان. أما أن يهبط منسوب الشرف إلى الصفر، وتخرس الأفواه حيث يجب القول، ويستحق المظلوم نصرة ولو بكلمة، وتستغيث النساء تنادي الشرفاء أن عريت أجسادهن، وكشف عن مواضع عفتهن، وانتهكت فروجهن. حتى إذا بلغ الغضب عنان الحلقوم ونطق المظلوم متجاوزاً خوفه وكاسراً أغلاله، فإذا بـ(شرف الشريف) يستيقظ من سباته، فهذا ليس بشرف. هذا عهر ونذالة وخباثة. من وضعاء يريدون تسجيل موقف رخيص بثمن رخيص!

 

هل هي سذاجة ؟

أقول: “سذاجة” مع أن الأحداث ما أبقت مجالاً لساذج لم يع، وحالم لم يستيقظ. ولكن على سبيل الافتراض أناقش هذا الاحتمال.

لا أدري كم من باب تدخل السذاجة منه على هؤلاء المهوسين، وكم لها من ونوافذ وروازين!

فلو نظرنا إلى عقيدة (التقية) فقط عند الشيعة، فإن هذا سيقفنا حائرين: مَن مِن هؤلاء (المتقين) الصادق في دعواه، ومن منهم الكاذب المحتال؟ هذا في أحسن الأحوال. وإلا فالكذب هو دين الشيعة. إلا جاهلاً لا يعرف التشيع. وحتى هذا الجاهل فإن الكذب يدخل عليه من باب الحقد، وباب طاعة المرجع. والأبواب كثيرة.

ثم تعالوا نحسبها حسبة رياضيات: لا يقل عدد أفراد الجيش الشيعي الذي يمارس الظلم والإذلال بحق السنة عن مليون، فإذا أضفت إليه أعداد الشرطة والأمن والمخابرات والجواسيس، يرتفع العدد إلى مليون ونصف. ولن أضيف إلى هذا عدد الموظفين المدنيين الساعين في ظلم السنة وإذلالهم. لنقف هنا ونقول: لو افترضنا أن كل واحد من هؤلاء خرج من عائلة مكونة من سبعة أفراد، فإن هذا العدد يمثل عشرة ملايين ونصف المليون من المشاركين والمشجعين على ظلمنا، وهو ما يكاد يتلامس مع الحد النهائي لعدد الشيعة في العراق [إذا كان عدد نفوس العراقيين ثلاثين مليوناً فإن عدد الشيعة يصل في أعلى الحسابات إلى اثني عشر مليوناً]. وهذا يعني أن من يقال لهم “عشائر الجنوب” و”شرفاء الشيعة” يعملون على قاعدة (تعدد أدوار ووحدة هدف).

فابن يذبح، وأب ينبح!

واحد يأتي لابساً الكوفية والعقال، وعلى مقربة منه ابنه أو أخوه يحتذي البيرية والبسطال. وإذا أردت أن أرسم لك المشهد بالكلمات فهو لا يتجاوز هذه اللوحة الساخرة: يد تصافح وأَخرى تطعن، ولسان ينطق وفم يبصق!

فأي سذاجة يعاني منها أولئك المخبولون بـ(الوطنية)!

العمالة والنذالة

تقول الحكمة: إن لم تعرف ما يضرك فاعرف ما ينفع عدوك، وإذا لم تعرف ما ينفعك فاعرف ما يضر عدوك.

هل بقي أحد يجهل أن الشيعة وإيران وقفوا بكل ما أوتوا من قوة ضد (الفدرالية) أو (الإقليم) السني؟! وهل بقي أحد لم يسمع تغليفهم لرفض الإقليم بدعوى (الوطنية) والخوف من تقسيم الوطن؟! مع أنهم هم الذين كتبوا الدستور وأصروا على تثبيت (الفدرالية) فيه. فهل حقاً أن الشيعة فعلوا ذلك حباً بالوطن وحرصاً على وحدته وخوفاً من تجزئته؟ أم إن ذلك من أجل بلع الوطن وسحق محتواه السني (عرباً وتركمانَ ثم كرداً)؟

إذن (الإقليم والفدرالية)، وشعارات (السنة والسنية) تضرهم وتنفعنا. وشعارات (الوطن والوحدة الوطنية وإخوان سنة وشيعة…) تنفعهم وتضرنا. فأهلاً بما ينفعنا ويضرهم.. أهلاً أهلاً، وسحقاً لما يضرنا وينفعهم.. سحقاً سحقاً.

العلة الجامعة

فهل يجهل ذلك السياسيون؟ أبداً. رأيت أمس – مثلاً – سلمان الجميلي رئيس كتلة (العراقية) الخائبة، يحضر إلى منصة الاعتصام ليستعرض حميته الوطنية ويثير بعض المتجمهرين كي يهتفوا (إخوان سنة وشيعة، وهذا الوطن منبيعه)! حتى إذا فعلوا ذلك صار يشجعهم ويقول: “إيه عفية.. عفية”! ركزت على أفواه الجماهير فحمدت الله حين لاحظت أن أكثرهم بقي صامتاً لم يشارك الهاتفين بذلك الشعار، ونظرات حائرة مبهوتة لا تخفى على الناظر المدقق، ثم تبخرت الأصوات.

أمن أجل هذا الهوان جئت من بغداد إلى الأنبار يا سلمان!

ويختصر المأساة السنية الكارثية بما يسميه “خللاً” في العملية السياسية، في حاجة إلى تصحيح!. ولا أدري ما هي آلياته ومكِناته الطرزانية التي كان يخبئها طيلة عشر السنين الماضية ولم يستعملها لتصحيح (الخلل)؟ أم هل وقع على آليات جديدة؟ بل.. ولا هو يدري!

لماذا هؤلاء على ما يضرنا يصرون، ولما ينفعنا يرفضون؟

وما الذي يجمعهم وعدونا في خندق واحد؟

لم أجد من تفسير لتظاهر هؤلاء بحب الوطن والخوف عليه، ووصم شعار المسلمين منذ عصر الصحابة، والاسم الشريف المميز لهم، ألا وهو (السنة)، بوصم (الطائفية). وذلك – بلا شك – مخالفة كبيرة وموبقة عظيمة: إلا أنه (استعراض) للعضلات أمام أسيادهم الشيعة؛ خوفاً منهم، ورغبة بما في أيديهم. وأن عسى أن تستمر مقاعدهم بالتمتع فوق قضبان كراسيهم أطول فترة ممكنة، وإن على حساب دماء أبنائهم وأعراض نسائهم وشرف وخبز وكرامة أهلهم.

وإذا كانت (السنية وشعاراتها) طائفية تناقض (الوطنية)، فوالله ما جاء بهذه (الطائفية) إلى شعب منخور بـ(الوطنية والعراقية) حد العظم، بحيث تجاوز الأمر حد الصراخ بتلك (الطائفية)، إلا سكوت هؤلاء العملاء والأغبياء، و(وطنيتهم) الخائبة، الخاطئة الكاذبة.

فعجباً لـ(وطنية) لا تلد إلا (طائفية)!

وعجباً لـ(طائفية) سترون كيف ستلد (وطنية)!

ولكنها وطنية تحفظ الدين، وتحمي العرض، وتصون الكرامة، وتوفر الخبز.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: