مقالات

نعم للسنية وإن كانت طائفية فلتكن .. ولنكن ..!

د. طه حامد الدليمي

شعب يتألم، وواقع يتكلم، وزعامات تراوغ.

لم ينطلق هتاف (لا شرقية ولا غربية .. بل سنية إسلامية) تصدح به قلوب الجماهير قبل ألسنتها لولا سياط القدر، ولم يصعد أحد الشعراء الشباب المنصة ليقول قبل إلقاء قصيدته: (أنا سني أولاً.. وعراقي ثانياً) من فراغ. ولا رفعت لافتات (السنية شعارنا.. والإقليم مطلبنا) من قبل أناس أفواهها تتثاءب، وأيديها مغموسة بالماء البارد!

الواقع الضاغط هو الذي أجبرهم، والتثقيف الجديد هو الذي يسدد مسارهم.

الزعامات البائسة

ولكن الزعامات البائسة المؤدلجة، ذات الثقافة المتخلفة، والنفسية الخائفة، والشخصية المهزوزة المترددة، والساعين للوجاهات والمناصب والمكاسب، لهم شأن آخر. فما تكلم أحد منهم إلا وكأن في حلقومه عظماً، وفي فمه حجراً، وفي قلبه رجفة ورهبةً بل رهاباً! فأول حرف من كلامه لا أنطقه الله ولا عافاه: “نحن لسنا طائفيين”، ثم يحاول بشتى الأساليب والإيحاءات أن يدفع الجمهور للهتاف بذلك الشعار الكاذب “إخوان سنة وشيعة”. وإن اضطر لأن يذكر السنة أو يشير إليهم، فإما أن يقول: “مكون معين”، أو يقدم اعتذاراً للجمهور، أي البعبع الشيعي القابع في صدره. ثم – بدافع من ذلك (الرهاب) – يأخذ بتوزيع جهود الانتفاضة التي صنعها الجمهور بصبره وتضحياته وجلده على الجوع والبرد والخوف والسهر وتعطيل المصالح وترك البيوت والتعرض للمخاوف والتهديدات والأخطار، يوزع تلك الجهود هبات غير مشكورة على من يسمهيم “الشعب العراقي”، وأن هذه المظاهرات “ليست خاصة بطائفة معينة، إنما هي مظاهرت الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه”، وكأنها من بيت أمه أو أبيه، كما وزعوا جهود المقاومة من قبل على جميع “الشعب من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه”! فلم يرجعوا إلا بالخيبة والخذلان، والخسارة والهوان. حقاً إن الأمر كما قال الأول: (ألا ما أكثر العبر، وأقل المعتبرين)!

نفسية مهزومة وثقافة مأزومة

ليس من تفسير لهذه الظاهرة الزعاماتية السنية إلا الهزيمة النفسية التي أنتجت ثقافة جمعية مأزومة مهزومة. ثم صارت الثقافة تنتج الهزيمة، كما أن الهزيمة تنتج الثقافة.. وهكذا في حلقة مفرّغة لا تنتهي حتى تعود.

السنة والسنية هي الأصل والشرف والعنوان

ليس من خيط واحد يربط بين السنة وبين (الطائفية) بمعناها المذموم. فالسنة هي الأمة بمليارها ونصف مليارها الآخر، وأما الشيعة فزعنفة زائدة وطائفة شاذة عدداً ومعدوداً، وهيكلاً ومضموناً. فلا تستقيم مقابلة أمة عظيمة بطائفة صغيرة وزنَمة قلقة لا يشعر معظم تلك الأمة بوجودها أصلاً لولا سماعهم بها بين الحين والحين في نشرة أخبار أو كتيب أو جريدة على طاولة معدة لمسحها.

على أهل السنة والجماعة أن يعيدوا تقييم أنفسهم فيعرفوا حجمهم وثقلهم، ويحترموا وجودهم وانتماءهم، ويدركوا كيف أن السنة هم الأمة بدينها الصحيح، وعروبتها التي هي مادة الإسلام، وتاريخها المجيد، وواقعها الماثل للعيان. فينتهوا عن خفض أنفسهم ورفع طائفة صغيرة مهينة، راضين أن تقرن بهم وتوضع مقابلهم في الكفة الثانية من الميزان، ثم لا يزيدها ذلك إلا لجاجة وعتواً ونفوراً!

لا أدري كيف تستسيغ الأمة وصم الشيعة لاسمها الشريف وعنوانها المنيف، ورايتها العالية الرفرافة، بوصمة (الطائفية). فما إن ينطق فرد أو يتداع جمهور للتلفظ بكلمة (السنة) حتى يبدأ نباحهم المعهود: (طائفية .. طائفية)! وكيف يسمحون أن يتجاوز هذا الخبال بؤرة الشيعة إلى دائرة السنة فينعق بذلك المهزومون والمخبولون من تلك الدائرة بتأثير الخلطة والسماع والمداراة والمداهنة فأُعْدوا بهذا المرض؛ مخالفين قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (التوبة:118)، وقوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (التوبة:47). فكان الخبال والهبال وشر الحال وسوء المآل.

إن ديننا – نحن السنة – هو الحق، ومن خالفنا فهو الباطل عينه، والكفر نفسه؛ فنحن أتباع الصحابة الذين دعا ربنا سبحانه إلى اتباعهم فقال عنهم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100). والشيعة يكفرون الصحابة فليسوا من هذه الأمة. وقد أجمع علماء المذاهب الأربعة بلا مخالف على كفر من كفّر جمهور الصحابة، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من شك في كفر مثل هذا فهو كافر).

مرحباً بالطائفية

إن (الطائفية)، بمعنى التعصب وإلغاء الآخر وتحليل قتله وماله وعرضه واستباحة ذلك عملاً وتطبيقاً، هي ديدن الشيعة ودينهم. هم الذين بدأونا بالعدوان بها طبقاً لعقيدتهم وعقدتهم ومرجعهم وإيرانهم، وكانوا كما قال سبحانه: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) (التوبة:13).

هذا مع أن المفروض بنا ديناً وخلقاً أن نكون نحن البادئين فالله تعالى يقول: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4). ولكن الخانعين لا للدين نصروا ولا للدنيا حفظوا!

إن القوانين الاجتماعية والسنن الكونية تقضي بأن (الحديد لا يفله إلا الحديد). فـ”القتل أنفى للقتل” كما تقول العرب. بل القتل في مقابل القتل حياة كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) (البقرة:179). وهو القائل جل جلاله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة:194). فالطائفية لا تواجه إلا بالطائفية. فإن كانت (السنة والسنية) طائفية فلتكن، ولنكن.

كفى هواناً.. وكفى سكوتاً..!

فلا يقيمُ على ضيمٍ يرادُ به إلا الاذلانِ : جحشُ الحيِّ والوتدُ
هذا على الخسفِ مربوطٌ برِمَّتِهِ وهذا يُشَجُّ فلا يرثي لهُ أحدُ

لقد صارت (الطائفية) سلاحاً يشهره قتلة الشيعة بوجه خراف السنة حتى ينتهوا من ذبحهم والقضاء عليهم بصمت؛ فإن صرخوا أو تأوهوا فهم (طائفيون). ولقد تمادى القتلة حتى جاوزوا حدود المعقول وغاية الطاقة ونهاية التحمل. فإن كان التمرد على هذا الواقع المهين ، والانتساب إلى (السنة) طائفية فحيَّهلا بها.. لتكن ولنكن؛ فليس الشيعة أكثر حرصاً على باطلهم منا على حقنا، ولا أعلى صوتاً به منا (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (227).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: