التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

في ذكرى الشهيد نوري خلف الدليمي (1)

د. طه حامد الدليمي

حيرة

mm في مثل هذه الأيام تتجدد ذكرى رحيل أخي الحبيب الشيخ نوري([1]).

فقد دبرت زمر الخراب الشعوبية بداية نيسان من سنة 1991 خطة اغتياله، بتسهيل من بعض خونة مرتشين من رجال الأمن في الحلة (وعلى رأسهم سني دليمي من الرمادي)، مستغلين الوضع الأمني المضطرب كل الاضطراب في تلك الأجواء المشحونة بالأحداث الغوغائية التي ارتكبها الشيعة أثناء انسحاب الجيش من الكويت الشقيق.

وكان لقتله ورميه في أحد المبازل في ريف (جبلة)([2]) [بتسكين الجيم: اجْبلة] سبب.. وأي سبب! تكتشفه من العبارات التالية التي خططت بعضها في يوم من أيام نيسان سنة 2001 ق. الاحتلال، متحدثاً عن تلك الناحية:

“إن فرقاً كبيراً في الحال بين الأمس والحاضر.

الأمس الذي ليس فيه إلا مسجد واحد صغير قد لا يزيد فيه عدد المصلين يوم الجمعة عن مئة إلا قليلاً، والتشيع يضرب بأطنابه ويخيم على المنطقة، وليس هناك من حركة تعاكس التيار إلا نبضات مختلجة تصدر من شخص واحد هو إمام وخطيب جامع المشروع الكبير، الذي هو أخي الشيخ نوري رحمه الله تعالى! بدأت بالضرب في شريان الحياة يوم عُيّن في ذلك المسجد بعد تخرجه من كلية الإمام الأعظم سنة 1977.

والحاضر الذي ازداد فيه عدد المصلين ووعيهم وحركتهم وبان هدفهم، وصارت لهم فيه قضية وأمل ونبض متناغم متدفق أزهرت أغصانه بدم الشهادة، وها هي ثماره تكثر وتكبر ويفوح أريجها مئات بل آلافاً من المؤمنين ومن المتحولين عن دين رستم إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم. وكثرت المساجد حتى تجاوزت العشرة عداً، وفيها مشايخ واعون متحدون متحركون، وصارت صبغة المنطقة إسلامية سنية، والشعوبية تكاد تختنق. وشياطينها في ذعر واضطراب!

وكان السبب الرئيس في هذا التحول، وتغيير الكثيرين من التشيع إلى التسنن هو وجود الشيخ الشهيد نوري رحمه الله جل في علاه”.

هذا هو السبب.. وأي سبب!

(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج:9،8).

حيرة

توقفت كثيراً أمام جلال الذكرى!

لا أدري ماذا أكتب عنها؟ وكيف؟

الكتابة عن ساكني السماء الذين يتركون بصماتهم على الأرض ليست سهلة.. فأنا لا أريد الحديث عن السماء بحروف من تراب. أحس بالعجز حين أحاول نقل القارئ إليها بإحساسه، لا بفكره فحسب. بل إلى صورة مصغرة من تلك الأجواء التي كانت تنبض بالعطاء رغم شحة الظروف، ووفرة المعوقات. نظلمها إذا تحدثنا عنها بلغة (السيرة الذاتية) تلك اللغة الباردة العاجزة عن توصيل تلك الحياة النابضة التي كانت تمور بالحركة، وتموج بالحرارة والمشاعر ودفق العاطفة، بما فيها من ألم وأمل.. فرح وحزن.. خوف وترقب.. إحباطات وخيبات.. تقدم ونجاحات. في طريق طويل.. طويل، متعرج محفوف بالمكاره، في نهاياته التي تومئ خلف الأفق تنتثر كحلل الورود بين المروج أجمل المحبوبات وأثمن اللقى والمخبآت.

هنيئاً أخي ! قد دفعتَ الثمنْ
وسلعةُ ربي هيَ الغاليةْ

***

أتحسَبُ أني اعتراني حَزَنْ
على أن تركتَ لنا الفانيةْ

***

لتضحى جنانُ الخلودِ وطنْ
قطوفُ الأماني بها دانيةْ

***

ولستُ الذي يبكي فوقَ الدِّمَنْ
على ساكني الغرفِ العاليةْ

حقاً أنا محتار.. أشبه بالعاجز؛ فأخي الشهيد عالم من الصبر رغم المعاناة التي لم تمسح الابتسامة عن وجهه والروح المرحة عن مجلسه، وإن كانت كثيراً ما تختبئ وراء نظرات صارمة وقسمات متجهمة تكسبه المهابة ووقوف الآخرين منه على مسافة. عالم من المثابرة للوصول إلى الغاية رغم العراقيل. عالم من الرقة رغم قسوة الحياة التي ابتدأها يتيماً.. وقد طبعت ظاهره بطابعها. لكنه طابع هو كالقشرة الهشة سرعان ما تذوب تحت ضغط الحقيقة التي لا ترضى إلا أن تظهر بوجهها سافرة.

كان يدرس ويكسب رزقه في وقت واحد، في زمن لم تكن وسائط النقل، ولا وسائل العيش فيه متيسرة. فكيف وهو، مع ذلك، فقير يتيم، وغاياته التي يتطلبها أكبر من مكِناته! وكانت رعاية الله تحوطه.. فمن هذه الحياة الصعبة استطاع أن يحلق ليقتنص الكثير من النجوم واللآلئ!

يبدو أن الصعب لا يناله إلا من تعود معانقة الصعاب.

وكان للوالدة رحمها الله أثر كبير في تربيته، وللخال (ملا إبراهيم) يد طولى في توجيهه ورعايته. ولم يفارق الدنيا إلا وقد كتب الله على يده هداية جيل في ناحية (جبلة) انتقلت آثاره إلى ما جاورها كما ينتقل أرج البساتين على متن الهَبوب.

هذا الذي وقفني كثيراً أمام جلال الذكرى! لا أدري ماذا أكتب عنها؟ وكيف؟ فالكتابة عن ساكني السماء الذين يتركون بصماتهم على الأرض ليست سهلة.

حقاً لا أدري ماذا أكتب؟ وكيف؟ ………..!

فأنا لا أريدها (سيرة ذاتية) عادية.. بل أريدها نبضاً دافئاً دافقاً بالشجن، زاهياً بالأمل، رائقاً بالشدى. يخلب شغاف القلب قبل أن يقدح شعاع الذهن. فهل أنا على ذلك قادر؟ وفي مقال بصفحات قليلة وحروف كليلة؟ ولست أملك الوقت، ولا صفاء الذهن!

إذن نؤجل الحديث عن المتون والتفاصيل.. ونجنح إلى حاشية منها موشاة بخيط من شعاع ذلك الكوكب الجميل. فدعوني أروي لكم هذا المشهد الغريب، الذي عشته في مثل هذه الأيام قبل اثنتي عشرة سنة، وكتبته في دفتر الذكريات يوم الأحد 29/4/2001.

_________________________________________________________________________________

  1. – هو أخ لي من ناحية الأم، أما أبوه فشقيق أبي. يكبرني بتسع سنين.
  2. – ناحية تابعة لقضاء المحاويل في محافظة بالبل. تقع شمالي شرقي المحافظة في المثلث بين بابل والكوت وبغداد. مكونة من خليط سني شيعي معظمه من أهل السنة. و(المبازل): جمع مِبزل وهي أخاديد عميقة وطويلة كالأنهار تحفر في الأرياف لتصريف الأملاح المحتقنة في الأراضي السبخة لاستصلاحها.
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: